حسن منصور الفاضل:
بعد انتهاء فعاليات منتدى التنافسية الدولي الثالث بالرياض بنجاح منقطع النظير لم أر مقالات في الصحف المحليه تقدم نقدا تحليليا للمشاركات. اقتصرت أغلب الصحف على التغطيه التقريريه. كذلك قرأت بعض الانتقادات للهيئه العامه للاستثمار على اقامة المنتدى باللغه الانجليزيه. وقد لا أتفق مع ذلك النقد كون المنتدى ذا طابع دولي والانجليزيه هي لغته الرسميه في جميع الدول. لكن ربما يجدر بي أن أشيد أو أعلق على مشاركتي شخصين مميزين بكل المقاييس، حتى أنه عندما يتحدث أي منهما فانك تستطيع أن تسمع صوت سقوط ابره في قاعه تكتظ باكثر من ألف مشارك. هذان هما البروفسور مايكل بورتر ورئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد.
أشاد بورتر بالنهج الاقتصادي الاصلاحي الذي تنتهجه المملكه بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله كما أشاد بالجهد الجبار الذي قامت وتقوم به الهيئة العامة للاستثمار بالتعاون مع المؤسسات الحكوميه الأخرى في طريقها نحو تحقيق هدف أن تكون المملكه ضمن أفضل عشر دول من حيث الجاذبية الاستثمارية على مستوى العالم بحلول عام 2010. لكنه أشار أيضا بأن الطريق نحو التنافسية العالمية بعيدا عن الاقتصاد البترولي مازال طويلا ومحفوفا بالمصاعب حيث أن علينا ان نصنع بيئة جاذبه للاستثمار المعرفي، وأن ذلك قد يستغرق عدة عقود والكثير من العزيمة والصبر والعمل الشاق. أشاد بورتر بتحقيق بعض التقدم خلال السنة الماضية ولكنه استدرك بأننا نحتاج لمزيد من التقدم في قطاعات التعليم والصحه واصلاح القضاء وبالذات ما يخص القانون التجاري ومحاربة الفساد حيث مازلنا نحتل مرتبه متأخرة جدا بين دول العالم حسب تصنيف البنك الدولي الأخير. ولإثبات أن هذه العناصر مرتبطه بالتنافسيه فان من الممكن لنا في رأيي أن نتصور كيف تقبل شركه أجنبيه الاستثمار المباشر لملايين أو مليارات الدولارات في المملكة اذا لم يكن هناك قانون تجاري ذو معايير عالميه عادله تضمن حقوق تلك الشركه. أو كيف يمكن لتلك الشركه أن توافق على شروطنا بتوطين وظائفها اذا كانت مخرجات تعليمنا لا ترقى الى التنافسيه العالميه؟ ركز بورتر أيضا في كلمته على أهمية دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وكيف أنها تمثل االشريان الاقتصادي لأي بلد وأنه يجب دعم المبدعين اللذين يمتلكون مهارات وأفكار قابله للتطبيق. وفي اعتقادي فان ذلك الدعم يجب أن يكون متوافقا مع سياسة الدوله الراميه الى تطوير قطاعات غير معتمده على النفط أو مشتقاته. ولكن المشكله الحاليه في الغالبيه العظمى من صناديق دعم المنشآت لدينا، بما فيها صندوق التنمية الصناعي، هي 1) أنها تستنزف خزائنها في دعم مشاريع ليست ذات قيمه مضافة ولا تتماشى مع سياسة التنمية المعرفية و 2) أنها (ومهما كانت فكرة المشروع) ينطبق عليها التعريف الذي يقول أن "البنك هو المكان الذي يقرضك مبلغا من المال اذا استطعت اثبات أنك تملك على الأقل نفس ذلك المبلغ!".
جاءت كلمة رئيس الوزراء الماليزي السابق في نفس النسق ولكن بواقع عملي أكثر وبإسهاب في وصف العوائق التي قد تعترض الطريق نحو التنافسية العالمية. أتوقف فقط عند ثلاث نقاط أعتقد أنه يمكن أن نتعلم منها الكثير:
1) عندما عزمت ماليزيا على التحول من الزراعة الى التصنيع قررت إرسال أبنائها الى كل من كوريا واليابان (وبالذات اليابان) ليس فقط ليدرسوا هنالك ثم يعودوا ليحتاجوا الى التدريب من جديد بل ليعملوا بعد التخرج لفترة مناسبة في المصانع اليابانيه جنبا الى جنب مع اليابانيين المعروفين بالتزامهم بالعمل الشاق. وبالتالي فانهم عادوا الى وطنهم بافكار وثقافة عمل جيده بدلا من خريجين يحتاجون الى التدريب من جديد.
2) ساهم كل من الرجال والنساء جنبا الى جنب في الوصول بالاقتصاد الماليزي الى التنافسيه العالميه. بل انه ذكر أن إنتاجية المرأة الماليزية فاقت إنتاجية الرجل!
3) عندما سئل عن أكبر تنازل أضطر لتقديمه خلال رئاسته التي استمرت لأكثر من عقدين أجاب أن ذلك ربما كان عندما أقر نظام تدريس العلوم التطبيقيه باللغة الانجليزيه بدلا من اللغه المحليه. وبرر ذلك القرار بأن الانجليزية هي لغة العلم والأبحاث اليوم واذا ما أردنا البقاء على اطلاع بما يجري حول العالم فان ذلك يحتم علينا استخدامها كلغة العلم الأولى بدلا من الترجمه.
أن أهم ما يميز هذا القائد في نظري هو ليس فقط وضوح رؤيته وبعد أفقه ولكن أيضا شجاعته في قلب الأمور بزاوية 180 درجه. حتى في وجود رؤيه استراتيجيه واضحه تضل بعض القرارات تتطلب الشجاعه الكافيه حيث أن رضا الجميع أمر يستحيل تحقيقه. ذلك أيضا هو نهج خادم الحرمين الشريفين حفظه الله الذي جعل جميع هذه العقول تجتمع لدينا وجعل أنظار العالم أجمع، في ظل أزمه ماليه عالميه عاصفه، تتجه نحو المملكه بعد أن لاحظ الجميع قرارات الاصلاح الاقتصادي المتسارعه والجريئه اللتي اتخذناها في السنوات القليلة الماضيه والتي تعكس الرغبه في تحقيق دور ريادي عالمي مبني علي الاقتصاد المعرفي. قد يسغرق ذلك أعواما عديدة كما قال السيد بورتر وكما استعرض رئيس الوزراء الماليزي السابق من خلال تجربته. ولكننا ماضون معا باتجاه الهدف وبإذن الله سنصل اليوم أو غدا.