السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يجب على الدول الغربية أن تغلق أسواقها أمام مبيعات القطارات الصينية، فتمشياً مع توقعاتنا فإن السوق أخذت تغلق أبوابها تدريجيا أمام السماح للشركات الصينية بأن تزيده "، كانت هذه ملاحظة أدلى بها في الأسبوع الأول من كانون الثاني (يناير) الرئيس التنفيذي لشركة ألستروم Alstorm Transport ومقرها في باريس، وهو فيليب ميلير، وهي ملاحظة وصلت إلى ما هو ليس أقل من إعلان حرب تجارية، بما يعكس مشاعر حمائية متزايدة في الاقتصاد العالمي.

كثير من الدول قامت في الشهور الأخيرة بزيادة رسومها على المنتجات المستوردة حتى تحمي شركاتها الوطنية ووظائفها المحلية، ووفقا لباسكال لامي، مدير منظمة التجارة العالمية، الرقيب الدولي للتجارة الحرة، فان الإغراء الحمائي سيكون أقوى في أوقات الأزمة الاقتصادية.

#2#

وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي ، زادت إندونيسيا الرسوم الجمركية على 500 منتج، وقامت السلطات السياسية بجعل إجراءات الاستيراد أشد، وزادت روسيا الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة بنسبة 35 في المائة، وتريد موسكو أيضا أن تساعد منتجي لحوم الخنازير والدواجن المحليين ماليا، فقد بلغت واردات روسيا من هذه المنتجات ما مجموعه 740 مليون دولار في العام الماضي، حيث إن الولايات المتحدة موّرد مهم لهذه المنتجات. وعلى نحو مستقل، فإن الهند قامت في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، بزيادة الرسوم على زيت فول الصويا بنسبة 20 في المائة.

هذه ليست سوى البداية، فالأرجنتين والبرازيل تعملان على وضع تدابير تجارية مماثلة حول استيراد سلسلة واسعة من المنتجات، بما فيها النبيذ والمنسوجات والفواكه والجلود.

والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وروسيا والصين من جانبها، يطرح كل منها مبادرات توفير مساعدات ضخمة لكثير من القطاعات الاقتصادية، مثل القطاع المالي وشركات صناعة السيارات والمنسوجات والصلب، وأوجه الدعم هذه ستفيد الشركات المحلية بشكل مباشر على حساب المنافسة الأجنبية.

واشتدت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي أيضا في الشهور الأخيرة، في ضوء سلسلة من التدابير الحمائية في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

وقد رفعت بكين شكاوى لدى منظمة التجارة العالمية حول عدم إسقاط الرسوم الجمركية، والتدابير المضادة التي فرضتها الولايات المتحدة على أربع منتجات صينية. وواشنطن تبرر هذه العقوبات بالتأكيد على انها تعوض دعم الصادرات الصينية، ومنذ الـ 20 من شهر كانون الثاني (يناير) الماضي يجري البلدان محادثات حول هذه القضية في جنيف. وفي أوائل هذا الأسبوع رفعت الصين شكوى لدى منظمة التجارة العالمية، حول قرار الهند بحماية صناعتها المحلية من الدمى الصينية الرخيصة.

وغرقت الصين في النوع نفسه من الحرب التجارية مع الاتحاد الأوروبي، ففي الرابع من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، اتخذت بروكسل القرار بفرض رسوم جمركية على نحو 87 في المائة من البراغي و"الصواميل" والمسامير اللولبية المستوردة من الصين، وفي الثلاثين من شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، اتخذت التدابير الصينية الانتقامية شكل تحقيق داخلي حول البراغي والمسامير اللولبية المستوردة من أوروبا.

وتعد الصين أكبر منتج في العالم لهذه المنتجات الاتحاد الأوروبي، أول زبون لها حيث بلغ مجموع الواردات 575 مليون يورو (747 مليون دولار) عام 2007، لكن الاتحاد الأوروبي يستورد أيضا منتجات عالية التقنية من الصين، والتي بلغت قيمتها في السنة نفسها 128 مليون يورو.

ووفقا لتقرير صيني نشر في الـ 30 من كانون الأول (ديسمبر) المقبل، أدت الحواجز التقنية أمام التجارة إلى خسارة بلغت 49 مليار دولار عام 2007، في زيادة على 13,5 مليار دولار عام 2006.

وبناء على بيانات منظمة التجارة العالمية، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2007، فإن عدد التحقيقات في ممارسة الإغراق التي أجرتها منظمة التجارة العالمية، زادت بنسبة 39 في المائة بين شهري كانون الثاني (يناير) وحزيران (يونيو) 2008.

وفي الولايات المتحدة وأوروبا، جاء الازدهار طوال قرنين من التحرر التجاري، وفي العقود الثلاثة الماضية، كانت التجارة العالمية قوة مهمة للتنمية، إذ حفزت الابتكار وعززت الاعتماد المتبادل، فالتجارة، وليست الأعمال الخيرية، سمحت لبلدان مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية، ومن وقت قريب، البرازيل، برفع مستوى معيشة مئات الملايين من الناس.

إن الرسوم الجمركية أو الضرائب التي تجبى من المنتجات التي تمر على حدود الجمارك، وتفرض في العادة على الواردات قد تم تخفيضها بشكل كبير منذ الحرب العالمية الثانية، بعد تأسيس الاتفاقية العامة للرسوم والتجارة GATTومثال ذلك فإن الرسوم كحصة من قيمة الواردات العالمية، نقصت في عام 1986 من 26 في المائة إلى 8 في المائة عام 2007، وزادت حصة الدول النامية في الصادرات العالمية من 29 في المائة عام 1996 إلى 37 في المائة عام 2007.

الأزمة المالية العالمية المقترنة بموجة من السياسات الحمائية، يمكن ان تكون طريقة مضمونة لقتل الزخم الذي بني في التجارة الدولية، وتشير مؤشرات كثيرة بذلك الاتجاه، فللمرة الأولى منذ عام 1982 ستنكمش التجارة، وهي محرك الاقتصاد العالمي بنسبة 2,1 في المائة عام 2009، وفقا للبنك الدولي، بعد ان وصل معدل نموها إلى 7,5 في المائة عام 2008.

هذه الاستجابات الحمائية في الأسواق العالمية الرئيسة شيء مثير للقلق، حيث يمكن للإغراء الحمائي أن يحول ما يعتبر من قبل معظم الاقتصاديين ركودا اقتصاديا عالميا، إلى انكماش عالمي طويل الأجل، فمنذ شهر أيلول (سبتمبر) 2008 يظهر الاقتصاد الأمريكي مؤشرات محبطة على تباطؤ كبير وطويل الأجل، وعلى قادة العالم ان يستخلصوا الدروس من الركود الكبير الذي شهدته ثلاثينيات القرن الماضي. هذا يذكر بتطبيق قانون سموث – هولي الكارثي للرسوم الجمركية في 18 حزيران (يونيو) عام 1930، والذي فرض رسوما جمركية على 900 منتج في الولايات المتحدة، وزاد الرسوم من 38 في المائة الى ما معدله 50 في المائة.

أظهرت تلك الفترة الاقتصادية الكئيبة أنه في اقتصادات متطورة جدا ومتكاملة، فان الحمائية والعزلة الاقتصادية وصفة للكارثة، وهذه سياسات الماضي، ويمكن لها أن تفسد التجارة العالمية في المستقبل، إذا ما طبقت من قبل أغلبية الدول.

الرسوم الحمائية العالمية مثل قانون هولي- سموث، كان لها الأثر العكسي لما قصده الرئيس هيربرت هوفر، ويمكن أن يحدث هذا مرة أخرى إذا نفذت الدول التدابير الحمائية. تعهد باراك أوباما بالإصغاء إلى هواجس شركاء أمريكا التجاريين، حول دعوة الكونجرس "اشتروا سلعا أمريكية". يجب أن يكون تعهدا مرحبا به، لكن في أوقات تشهد أزمة اقتصادية، فإن الحمائية لا تتطلب قوة سياسية.

*الكاتب أستاذ مساعد في معهد كازاخستان للإدارة والاقتصاد والأبحاث الاستراتيجية (KIMEP) وكاتب عمود لصحيفة تايمز الجورجية، تبليسي، جورجيا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية