السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن الطائراتِ والدباباتِ لا وقت لديها لتأملِ وجوه ضحاياها.. لا وقت لديها للبحث عن دُمى الأطفال. هنا نشرةُ أخبارٍ فريدة.. هنا سنبتعد عن كلِّ شيء وسنقترب من كلِّ شيء .. هنا نثبتُ أن الإنسانيةَ لن تنقرض.. هنا نعلن أن الزمانَ طويلُ اللسان  .. هنا جداريةٌ كبيرةٌ نحفرُ عليها انثيالاتِ ثورتِنا الهادئة؛ لأن ثورةَ الغضبِ تُضفي على حروفِنا مِسحةً بشعةً ترقصُ على جثةِ النشيدِ الوطني الفلسطيني، من أجل ذلك كان لا بد أن نهدأ؛ لنتأملَ ذاك الشريطَ الأسودَ الذي نُسج من أهدابِ أطفالٍ مروا بهذه الدنيا، ذنبهم الاحتماء في منازلهم, ذنبهم أنهم ساروا في أزقةِ عالمهم الخانق.. لتخطئَ التكنولوجيا؛ فتصيبهم في المقتل؛ فوارد أن تخطئ آلةٌ عسكريةٌ هدفَها فتأخذَ في طريقِها ما تشتهيه من وطن ..! وتخطئ مرة ثانية؛ لتزرعَ البنفسج اعتذارا.. وثالثةً؛ لتربتَ على كتفِ دمعةٍ لا تريدُ أن تصدقَ ما جرى..!

جئت إكرامًا لعيني الصباح الذي يُطلُ خَـجِلا على مدينتي الصغيرة غزة؛ ليزيحَ الغطاءَ الثقيلَ عن رائحةِ الموت، ذاك الموتُ الذي يُدخِلُ الأمهاتِ في لعبةٍ لا بد أن يختـرنَ منها ما هو شديدُ المرارة.. لعبةُ أينامُ الأطفالُ أم يظلون مستيقظين في لحظاتِ القصف؟ فإن غفوا ماتوا بقذائفَ لا تحترمُ الموت ولا تمنحهُم وقتًا لتأديةِ طقوسه، وإن ظلوا مستيقظين ماتوا مراتٍ ومراتٍ هلعًا ورعبًا وهم يسمعون صوت الموتِ ويشتمون رائحتَه المنبعثةَ من أمواتٍ كانوا ينامون بجوارهم وظنوا أنهم أحياء. هو مشهدٌ متكررٌ يروي تفاصيلَه أناس انتشل القدرُ أجسادَهم واستبدل ذاكرتـَهم بمقابرَ تخرجُ من جوفِ الأرضِ تزاحمُ الأزهارَ وتستبدلها بحسرةٍ تنامُ في العيونِ ومرارةٍ تذوبُ في الحناجر.

لحظة من فضلكم! فقد جاءنا مايلي:

 كانت شجرة.. لم تكن سوى شجرةِ زيتونٍ تنتظرُ الشهورَ الأخيرةَ لتضعَ حملها.. إلا أن هواءً مر بين أغصانـِها؛ حركها.. فأسقطت زيتونةً، مدت يدها لتسترجعها، في هذه الأثناء صدرَ أمرٌ بقتلِ كلِّ ما هو متحرك ..! في نهاية كلِّ خبر نلملمُ الأشلاءَ والدماءَ وحرقةَ القلوبِ ونمضي دون أن نحركَ ساكنًا، ليبقى الفلسطيني إنسانًا.. يعيش بحثًا عن حقه في الوجود.. يقاوم.. يتنفس .. يتعلم ..يخطئ.. ويصيب والأهم من ذلك أنه يحب ويموت..!

نحن باختصار مذبحةٌ تمرُ بالذاكرةِ كخبرٍ مثيرٍ، يَـنظِمُ فصولا محرقة. وفي نهاية المطاف نُكْتبُ على صدرِ التاريخ: "حدث في مثل هذا اليوم ..!"

إليكم فصلا محرقا آخر.. وسيكونُ وقفتي الأخيرة، سأقف عند حرقةِ الدموعِ التي نزفها رجالُ غزة.. نعم الرجال! فأنتم يا سادتي تبكون.. بدموعٍ هي الملحُ على الجراحِ والجثث.. تبكونَ فتتحولُ دموعكم الحارقة إلى جبالٍ تلقي بكاهلها على النساء!

إنه التاريخ الذي أبى ألا يحرمنَا زمنَ النكبةِ والنكسةِ ودير ياسين وكفرِ قاسم... أبى إلا أن يلقينا في أحضانه نقلبُ صفحاته، فنندهشْ:

 يا إلهي! نحن بين السطور.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية