الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

وحدها تلك الحادثة الغريبة هي ما جعلني أهتم بالعُص وحكاياته, أصبح فرحان العُص محور اهتمامي وتفكيري, فما فعله أسعدني مهما حاولت أن أقنع نفسي بأنه عمل شرير وانتقامي. ربما كنت أتوق إلى فعل ذلك بنفسي.

كم أبدو شريرا أحيانا .. كم تضطرم في داخلي مشاعر متناقضة ومجنونة , أشعر مثله بالفقد , بل وأشعر بالغيرة والحسد, يبدو لي وكأنه أكثر شجاعة وجراءة مني.

كثيرا ما احترت أمام نفسي وطرحت عليها سؤالي الممل..هل أنا شرير فعلا؟

هل ما فعله العص أعجبني لأنه يتعلق بحنان وعريسها , ربما شعرت بنوع من الشماتة الصغيرة والتافهة لمجرد أن الرجل الذي فاز بحنان تعرض للضرب في ليلة عرسه.

لا شك أنني أحبها مثل العص تماما, ولا شك أننا رغم الفارق الكبير في الثقافة والمكانة نشعر بذات العاطفة البائسة والضعيفة نشعر بذلك الحب الصامت والسخيف والغبي. الحب الذي ينتظر ولا يبادر .. الذي يكتفي بنظرة خاطفة أو بخبر سيّار, الحب الذي لا يعطي ولا يأخذ.

لم أكن أهتم بفرحان العُص قبل تلك الحادثة, كنّا نلتقي أحيانا, في الطريق إلى منزلي حيث أنني تعودت في السنوات الأخيرة أن أترك سيارتي في أسفل الحارة خوفا عليها من أذى الصبية ولكيلا أضطر لأن أحركها من مكانها سوى في اليوم التالي عندما أذهب إلى العمل. نلتقي أيضا عند البقالة الصغيرة في ركن الشارع عندما أنزل باحثا عن سجائر.

مجرد لقاءات عابرة وقصيرة نتبادل فيها السلام أو بعض المجاملات الصغيرة ككيف الحال..عساك طيب.

الحادثة الغريبة وحدها هي ما جعل التفكير في سيرة الرجل وحكايته يسيطر عليّ, قلت في نفسي: ما فعله العص في ليلة العرس يصلح ليكون مدخلا لكتابة رواية عن الرجل.

لعلها الرواية التي أفكر في كتابتها منذ فترة.

 وقتها كنت أعمل على رواية تاريخية تدور أحداثها في بغداد زمن الكميت بن زيد ذلك الشاعر المتمرد على بني أمية والمدافع عن حقوق آل البيت, لكنه في النهاية يعود إلى بني أمية, قالوا إنه عاد بلسانه ولم يعد بقلبه, كم هي سذاجة, وماذا يريد القوم منه سوى لسانه.

"اليوم عدت إلى أمية, والأمور لها مصائر".

توقفت في منتصف العمل .. شعرت ببؤس الكتابة, وبؤس الموضوع.. وزئبقية حكاية الظالم والمظلوم..).

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية