السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

خذ رقماً، أي رقم. بالنسبة لآسيا، من المرجح أن تكون جميع الأرقام سيئة. لو ونج فات، مسؤول عاثر الحظ في هونج كونج، وقع عليه الاختيار ليختار إحدى عصي قراءة البخت بالنيابة عن المدينة أثناء الاحتفالات الأخيرة برأس السنة القمرية، فاختار الرقم 27 الذي يعتبر في نظر الحضور أسوأ النذر شؤماً بالنسبة للعام. وأعلن أحد قارئي البخت في معبد تشي كونج المغطى بالبخور أن معنى ذلك أن هونج لن تستطيع عزل نفسها عن تداعيات الاضطراب الاقتصادي الذي عم العالم.

ولكن لم تكن هناك حاجة إلى سيد العرافيين. ذلك أنه ليست هونج كونج وحدها التي، بسبب كونها ميناء ومركزاً مالياً، تزدهر من انفتاحها على التجارة العالمية التي تتراجع بسرعة، ولكن آسيا كلها في مشكلة. ففي سائر أرجاء المنطقة، وبخاصة جنوب شرق وشمال شرق آسيا التي توجد فيها حركة تصنيع كبيرة، دأب مسؤولو الإحصاءات الحكومية على استشفاف الأرقام المشؤومة الخاصة بهم.

جاء واحد من أسوأ هذه الأرقام من اليابان التي تباطأت بنوكها المتحفظة في شراء الموجودات السامة، ما يجعل الاقتصاد ظاهرياً أقل عرضة لخطر الركود. وقد انتهى ذلك الوهم عندما أظهرت الاحصائيات تراجعاً بنسبة مذهلة قدرها 35 في المائة في شهر كانون الأول (ديسمبر) عما كانت عليه قبل ذلك بعام جراء انهيار الطلب العالمي على السيارات والإلكترونيات والمعدات الدقيقة.

وقد تبع ذلك سيل من البيانات السيئة الأخرى التي تحدثت عن تراجع شهري بنسبة تقارب 10 في المائة في الإنتاج الصناعي، وعن ارتفاع حاد في معدل البطالة الذي وصل إلى 4.4 في المائة وعن انخفاض معدل التضخم الرئيس الذي يوحي بقرب العودة إلى الانكماش. وكان هذا التردي حاداً لدرجة توقع معها صندوق النقد الدولي أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي للبلد بنسبة 2.6 في المائة في هذا العام، الأمر الذي يدل على أن الأوضاع في اليابان قد تسوء أكثر من الولايات المتحدة التي هي منشأ أزمة الائتمان.

تتنافس سنغافورة، وكوريا الجنوبية وتايوان مع اليابان على الانكماش. ذلك أنه من الممكن أن يتقلص اقتصاد سنغافورة التي تعتبر بمثابة طائر الكناري في منجم فحم التجارة العالمية بسبب اقتصادها المنفتح بنسبة تصل إلى 5 في المائة هذا العام في ظل ما يمكن أن يكون أعمق ركود تعرفه منذ نشوئها في عام 1965. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تكون نسبة الانكماش 4 في المائة في كوريا الجنوبية رغم أن حكومة سيئول أكثر تفاؤلاً.

ولا حتى الصين التي يتوقع أن ينمو اقتصادها بمعدل لا يقل عن 6 إلى 8 في المائة هذا العام محصنة من الإحصائيات البالغة السوء. فقد قدرت الحكومة في الأسبوع الماضي أن ما لا يقل عن 20 مليون عامل جاؤوا من الريف إلى المدن، ما يعادل 15 في المائة من العمالة الكلية في البلد، فقدوا وظائفهم لأن المصانع التي تصدّر منتجاتها أغلقت أبوابها. ويقف صفاء السماء في هونج كونج شاهداً على إغلاق المصانع التي تسبب التلوث عبر الحدود في دلتا نهر اللولؤ.

إن سرعة وضراوة الانكماش الذي تشهده آسيا آخذا حتى المتشائمين على حين غرة. فقد قال دومنيك شتراوس كان، مدير عام صندوق النقد الدولي في الأسبوع الماضي:" رغم أن آسيا لم تكن مركز الأزمة إلا أن وقع الأزمة عليها كان شديداً." ويتوقع الصندوق ألا يتجاوز نمو المنطقة 2.7 في المائة، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بنسبة 9 في المائة التي تحققت في عام 2007، وتقل بنقطة مئوية واحدة عن معدل النمو الذي تمكنت من تحقيقه إبان الأزمة المالية التي مرت بها منذ عقد من الزمن. وقد كانت تلك الأزمة من صنع المنطقة، ونتاجاً لفرط اعتمادها على تدفقات التمويل الأجنبي المتذبذبة. أما هذه المرة، فإن الميزانيات العمومية لبلدان المنطقة أحسن حالاً وقد نشأت الأزمة في مكان آخر. إذن لماذا يمكن أن تتعرض آسيا لسقوط أشد وأصعب؟

الجواب المختصر هو التجارة. فكما يقول شتراوس كان، فإن آسيا أشد ارتباطاً بالاقتصاد العالمي مما كانت عليه قبل عقد مضى. لقد نمت المنطقة بشكل يثير الإعجاب على حساب الصادرات، ولكن "الوجه السيئ للعملة" هو أن هذا الارتباط يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالأزمة الآن. ففي زمن الأزمة السابقة، كانت الصادرات تشكل 37 في المائة من ناتج البلدان الآسيوية النامية وفقاً للخبراء الاقتصاديين في بنك مورجان ستانلي. وبعد عقد من الزمن، ارتفعت هذه النسبة إلى 47 في المائة لأن الحكومات سعت إلى بناء احتياطي من العملات الأجنبية لحماية أنفسها من صدمات الحسابات الجارية التي أربكتها في الماضي. وكانت النتيجة أن آسيا استبدلت الاعتماد على التمويل الخارجي بالاعتماد على الطلب الخارجي.

لهذا أهمية كبيرة بالنسبة لعالم كان يفترض حتى بضعة أشهر خلت أن الأزمة المالية التي تضرب الغرب الآن سوف تغض الطرف عن آسيا. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك الافتراض الخاطئ أن الصين – وإلى حد أقل اليابان والهند – يمكن أن تتحمل عبء الأزمة الاقتصادية العالمية عبر إيجاد بديل عن الطلب الأمريكي والأوروبي الذي يختفي بسرعة. لقد تجاهل ذلك الأمل حقيقة أنه باستثناء اليابان، لا يوجد اقتصاد آسيوي حتى الآن له ذلك الوزن الذي يمكنه من لعب هذا الدور.ولكن الأهم من ذلك أنه أخطأ نقطة مدى ترسخ النموذج الآسيوي الذي يعتمد على الصادرات ومدى صعوبة تحويل اقتصادات المنطقة إلى اقتصادات تديرها آلة الطلب المحلي. وكما يقول عضو البرلمان الهندي، ن.ك. سنغ: "إنه ليس مجرد مسألة هيا، أسرع."

بالطبع ليس الأمر كذلك. ذلك أنه وفقاً لحسابات سيم كاراكاداج من بنك كريديت سويس، فإن الصادرات، صافية من محتوى الواردات فيها، تشكل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي في هونج كونج وسنغافورة، ونصف ناتج ماليزيا وتايلاند، وثلث ناتج كوريا الجنوبية وتايوان. وهو يقول إن الأثر الأولي لتراجع الصادرات بنسبة 10 في المائة – دون أن نأخذ في الحسبان الآثار الثانوية المتمثلة في فقدان الوظائف وتراجع الاستهلاك – سوف يخفض نقطتين مئويتين من النمو في كوريا الجنوبية وتايوان، و7 نقاط مئوية من النمو في هونج كونج وسنغافورة.

يقول جونج وا- لي من البنك الآسيوي للتنمية إن زيادة حجم التبادل التجاري بين دول المنطقة في السنوات الأخيرة يخفي حقيقة أن 60 في المائة من الطلب النهائي على البضائع الآسيوية تأتي من البلدان المتقدمة.وفي الوقت الذي يقوم فيه المستهلكون الغربيون بتأجيل مشترياتهم، تبخر أيضاً قدر كبير من التجارة البينية بين دول المنطقة –التي يتعلق جزء كبير منها بالمكونات، والمدخلات والمعدات الرأسمالية.وكما لو أن هذا لم يكن كافياً، فإن الاقتصادات التي تعتمد على السياحة تتلقى ضربة أخرى على جسمها بسبب تراجع أعداد السياح. إن السياحة تشكل ما بين 5 و7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في هونج كونج،وماليزيا، وسنغافورة وتايلاند. وزيادة على ذلك، إذا تراجع تشغيل العمالة الأجنبية في منطقة الخليج وغيرها بالسرعة المتوقعة، فإن البلدان التي تعتمد على الحوالات من الفلبين إلى بعض أنحاء الهند معرضة هي الأخرى للصدمة.

وعلى الجانب الآخر من البلدان المتطورة، تشهد اليابان إغلاق العديد من المصانع مع انزلاق الشركات إلى دائرة الخطر. فقد حذرت شركة تويوتا الرائدة في صناعة السيارات، وسط انهيار مبيعاتها في الولايات المتحدة، من أنها سوف تتكبد خسارة تشغيلية قدرها 450 مليار ين (خمسة مليارات دولار، 3.8 مليار يورو، 3.2 مليار جنيه استرليني) هذا العام، وتعتبر هذه أول خسارة تلحق بها منذ عام 1950. علماً أنها كانت تتوقع حتى بضعة أشهر خلت أن تحقق ربحاً قدره 600 مليار ين.

وفي الصين يتناقض التباطؤ بصورة حادة للغاية مع معدل النمو الذي تحقق بنسبة 13 في المائة في عام 2007. وهناك إشارات غير نهائية – منها التعافي الحاد في الإقراض البنكي – تدل على أن النمو الذي تباطأ إلى معدل 6.8 في المائة في الربع الرابع قد يصل إلى أدنى مستوياته عندما يبدأ العمل بحزمة الحوافز الحكومية. وقد أدركت بكين بسرعة شدة التباطؤ حيث أعلنت في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عن حزمة حوافز قدرها أربعة آلاف مليار رنمنبي (585 مليار دولار، 447 مليار يورو، 390 مليار جنيه استرليني). وما زال العديد من الحكومات يلحق بالركب. ففي الأسبوع الماضي، كانت أستراليا آخر بلد يضع حوافز كبيرة حيث أعلنت عن زيادة الإنفاق بملبغ 42 مليار دولار أسترالي(29 مليار دولار أمريكي، 22 مليار يورو، 19 مليار جنيه أسترالي). وخرجت اليابان التي يتصارع برلمانها على التدابير التحفيزية بسلسلة من الإجراءات غير المتشددة، بما في ذلك القرار الذي اتخذه البنك المركزي في الأسبوع الماضي والقاضي بشراء ما قيمته ألف مليار ين من الأسهم التي تملكها البنوك.

وحتى لو ساعدت هذه الإجراءات على تخفيف آلام صدمة تراجع الطلب الخارجي، فإن مبعث القلق الأكبر هو ماذا يأتي تالياً. إذ يقول مايكل بيتيس أستاذ التمويل في جامعة بكين إنه سوف يترتب على الصين ( وغيرها من البلدان) أن تقوم بعملية كبيرة لإعادة توازن اقتصاداتها وتوجيهها نحو النمو الذي يقوده الطلب المحلي إذا أرادت أن تتكيف مع عالم يتعين فيه على المستهلكين الأمريكيين أن يعيدوا بناء مدخراتهم التي تم استنزافها.

ومما قاله في هذا الصدد: "في العالم الأمثل الممكن، ينبغي أن يرتفع الاستهلاك الصيني بنفس النسبة التي يتراجع فيها الاستهلاك الأمريكي تماماً". ولكن إذا أخذنا في الاعتبار أن حجم اقتصاد الولايات المتحدة يعادل ثلاثة أضعاف الاقتصاد الصيني، فمن المرجح أن يكون هذا التعديل خارج نطاق قدرتها".

ويتفق مع هذا الرأي كلايد بريستويتز، رئيس معهد الاستراتيجية الاقتصادية الذي حذر منذ سنوات من أن الاختلالات العالمية غير قابلة للاستدامة. إذ يقول: "لم يعد هناك خيار أمام آسيا. على آسيا أن تبدأ بزيادة الاستهلاك ولكنني لست متأكداً من أن الزعماء الآسيويين الذين تحدثت إليهم يدركون ذلك"، مضيفاً أن هذا يتطلب إدخال تغيير على تقديم القروض والحوافز الضريبية والأنظمة. "النموذج المبني على الصادرات عمّر أكثر من فائدته".

إذا كان بريستويتز مصيباً، فإن الأزمة العالمية تعني أكثر من صدمة دورية للاقتصادات الآسيوية. إنها تعني تحولاً عميقاً – ولا شك أنه مؤلم – مع تكيفهم مع عالم لم يعد فيه المستهلك الأمريكي مشتري الملاذ الأخير. أما ما إذا كانت الاقتصادات الآسيوية قادرة على مواجهة هذا التحدي طويل الأمد، فأمر يعتمد على أي قارئي البخت يمكن أن يدلوا بملاحظات مفيدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية