السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

حين حضر باراك أوباما الجزءين الرئيسيين من خطة الإنقاذ التي وضعها، كانت هناك فرصة لكي يكون الأسبوع الماضي نقطة تحول في الركود العالمي الذي يزداد عمقا. فالجزء الأول الذي كثر الجدل حوله هو تقديم تعزيز مالي كبير. وبعد كثير من المشاحنات في الكونجرس، يبدو أنه تم الاتفاق على تسوية نهائية لمشروع قانون الحوافز، بقيمة 789 مليار دولار، وذلك في الحادي عشر من شباط (فبراير) . أما الجزء الثاني والأكثر أهمية من خطة الإنقاذ هو خطة فريق أوباما لإصلاح الفوضى المالية، التي تم إيجازها في الخطاب الذي ألقاه تيم غيثنر، وزير المالية، في العاشر من شباط (فبراير).

ولا تستطيع أمريكا أن تنقذ الاقتصاد العالمي وحدها. إلا أن هذا الهجوم المزدوج من قبل أكبر اقتصاد في العالم كان يمكن أن يكسر دوامة عدم اليقين والكآبة اللذين يسيطران على المستثمرين والمنتجين والمستهلكين في جميع أنحاء العالم.

ولكن مع الأسف تم إهدار هذه الفرصة. فقد تنازل أوباما عن تنظيم خطة الحوافز إلى الديمقراطيين المنقسمين في الكونجرس، فسمح بالتالي للخطة التي كان يفترض أن تحظى بدعم واسع من كلا الحزبين أن تتحول إلى معركة حزبية مثيرة للشقاق. والأخطر من ذلك هو خطة الإنقاذ المالي التي وضعها غيثنر، التي على الرغم من أنها وصفت بأنها مختلفة تماما عن خطط إصلاح "وول ستريت" لإدارة بوش والقائمة على التدرج والتي تتسم بالغموض، إلا أنها في الواقع تبدو بصورة محبطة مثل خطط الإدارة السابقة: غير حاسمة وناقصة وتفتقر إلى التفاصيل. وقد انهارت الأسواق المالية على الرغم من الحديث عن مبالغ بتريليونات الدولارات. وبدلا من تعزيز الثقة، يبدو أوباما مرتبكا.

نوبات غضب سامة وفوضى غير متوقعة

هناك بعض العيوب الواضحة في خطة الحوافز المالية, فالخطة تتصور تعزيز الطلب عام 2010 وما بعده. أما مشروع القانون الذي تم التوصل إليه كحل وسط فهو مثقل بالإنفاق الذي يتم تحديده وفقا للمشاريع المفضلة لدى المشرّعين الديمقراطيين بدلا من الكفاءة التي سيتم بها تعزيز الاقتصاد. وهو يتضمن بنودا تشجع على شراء المنتجات الأمريكية والتي ترسل إشارة خاطئة للشركاء التجاريين حتى في صيغتها المخففة.

وعلى الرغم من هذه العيوب، إلا أن خطة الحوافز تتسم بميزة مهمة واحدة. فبالنظر إلى وتيرة انخفاض الطلب، من الضروري جدا تقديم دعم مالي كبير ومستدام للاقتصاد الأمريكي. وسيتم تحقيق ذلك في هذه الرزمة، وإن كان ليس تماما.

وهذا يجعل عدم كفاية خطة الإنقاذ المالي مؤسفة أكثر. فعلى الرغم من أن الحوافز المالية لا غنى عنها، إلا أنها لا تستطيع إيجاد انتعاش اقتصادي دائم في دولة ذات نظام اقتصادي مدمر. والدرس الذي ينبغي تعلمه من حالات الفشل المصرفي الكبيرة، مثل الفشل المصرفي في اليابان في التسعينيات، هو أنه يجب إعادة هيكلة الميزانيات المثقلة بالديون وإصلاح البنوك المضطربة لكي يمكن إحداث انتعاش حقيقي. ويشير التاريخ أيضا إلى أن الدول التي تعالج أزماتها المصرفية بسرعة وبصورة خلاقة (كما فعلت السويد في أوائل التسعينيات) تنجح أكثر من تلك التي تتردد في ذلك. وهذه العملية مكلفة ومؤلمة، إلا أن الحكومات الحذرة المقتصدة في الإنفاق تدفع أكثر في النهاية من تلك الجريئة.

إن الأزمة المصرفية في أمريكا كبيرة وفقا لأي معايير تاريخية حديثة. ويشير حجم القروض المتعثرة وتقديرات الخسائر المحتملة- التي تقدر الآن عادة بأكثر من تريليوني دولار- أن كثيرا من أكبر البنوك في الدولة قد تكون غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية. فميزانياتها مليئة بمليارات الدولارات من الأصول "السامة"- البقايا غير السائلة المعقدة وصعبة التسعير من أزمة القروض العقارية، وكذلك الأعداد المتزايدة من القروض غير السكنية التي بدأت تتحول إلى قروض سيئة بسبب فشل الاقتصاد. والأسوأ من ذلك هو أن ميزانيات البنوك ليست إلا عنصرا واحدا من الأزمة الائتمانية. فندرة الائتمان ناتجة في معظمها عن انهيار "التوريق"، أي ترزيم وبيع رزم من الديون من البطاقات الائتمانية إلى القروض العقارية.

وسيتطلب إصلاح هذه الفوضى الشجاعة والقدرة على التصور وكثيرا من أموال دافعي الضرائب. ويزعم غيثنر أنه يعلم هذا، فقد صرّح في خطابه: "نعتقد أنه يجب أن تكون استجابة السياسة شاملة وقوية،" مضيفا أن "الإجراءات التدريجية تنطوي على مخاطر أكثر وتكلفة أكبر من الإجراءات القوية الحاسمة".

إلا أن أفعاله لا تتطابق وكلماته. فقد كانت القائمة التي وضعها للأمور التي يجب فعلها غير كافية بصورة محبطة فيما يتعلق ببعض المشكلات الشائكة، مثل تأميم البنوك المعسرة والتعامل مع الأصول السامة والقروض العقارية الفاشلة. وقد وعد غيثنر بإخضاع البنوك الكبيرة "لاختبار الجهد" (لقياس كيفية أدائها عند تعرضها للضغوط) لمعرفة فيما إذا كان لديها رأسمال كاف وتقديم رأسمال "طارئ" إذا لم تكن كذلك. ولكنه لم يقدم تفاصيل كثيرة بشأن شروط منح الأموال العامة وفيما إذا كانت ستعني في النهاية تولي الحكومة زمام السيطرة. وكانت خطته لإنشاء "صندوق استثماري من القطاعين العام والخاص" لشراء الأصول السامة غامضة، كما كان تبريرها المنطقي مبالغا فيه - أي أن المساعدات من الحكومة على شكل تمويل رخيص ستؤدي إلى تنشيط السوق المحتضرة. فميزانيات البنوك مليئة بالأصول السامة بتصنيف الخردة لأنها غير مستعدة لبيعها بالأسعار التي حددتها صناديق التحوّط والمستثمرين من القطاع الخاص. وقد أدى هذا الغموض إلى عدم الاتساق. فكيف يمكن إخضاع البنوك لاختبار الجهد إذا لم يكن من المعروف كيف سيتم التعامل مع أصولها المتعثرة وسعر بيعها؟ ولكن كان هناك بعض الأفكار الجيدة على الرغم من هذه العيوب، مثل زيادة قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على تعزيز التوريق بواقع 200 مليار دولار، أي خمسة أضعاف. ولكن بالنسبة للمستثمرين المتوترين والسياسيين القلقين، الذين يتوقون للحصول على تفاصيل وأسعار، كانت "الخطة" خيبة أمل كبيرة.

فقدان الشجاعة ونقص الثقة بالنفس

ما مدى خطوة هذه النكسة؟ إن أحد التفسيرات هو أن فريق أوباما لم يتقن إدارة التوقعات- فقد وعد بوضع خطة ولكنه بدلا من ذلك ابتكر مفهوما فقط. وإذا كان الأمر كذلك، فهو خطأ كبير. فإدارة التوقعات جزء من بناء الثقة، وحين يكون كثير جدا من خطة الإنقاذ هذه شديد التعقيد، فليس من المبرر تدمير الجزء السهل منها.

والأكثر إثارة للقلق هو احتمالية أن يكون غموض خطة غيثنر نابعا من عدم التيقن مما يجب فعله، والتردد في اتخاذ قرارات صعبة، والخجل من الطلب من الكونجرس ما يكفي من المال. وهذه احتمالية مخيفة. فربما يكون "المصرفيون المحتالون" مكروهين في كل مكان، ولكن لا شك أن الحاجة قائمة إلى المزيد من المال بتنظيف بنوك أمريكا وإدارة الإصلاح المالي الذي يحتاج إليه الاقتصاد. وهذا يعني إنشاء ما يشبه "البنك السيئ" للقروض السامة (مع التأميم المؤقت في عملية التنظيف هذه إذا لزم الأمر) وأيضا تقديم ضمانات لتغطية الخسائر الكارثية في البنوك "الجيدة" المتبقية. ويجب على فريق أوباما أن يدرك هذا، وإلا سيتم اعتباره، مثل من سبقه، جزءا من المشكلة، لا جزءا من الحل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية