المحامون، والمصرفيون، والمحاسبون، والمستشارون، يسعون جميعهم خلف الشيء ذاته. كلا، ليس السيولة، فهذا أمر مفروغ منه، بل إن ما يحلمون بشأنه هو تحقيق مكانة خاصة لدى زبائنهم: ألا وهي مكانة المستشار الموثوق.
إنه مكان موحش في الأعلى، حسبما يقول الأشخاص، ولا يمكنك الاعتماد على الزملاء لإعطائك الحقيقة المجردة. ويمكن لشركات الخدمات المهنية أن تعوض هذا النقص في الثقة، وتعطيك الحقائق القاسية عندما لا يكون الآخرون على استعداد للقيام بذلك، أو غير قادرين على تنفيذه.
يزعم بعض الرؤساء أنهم خلقوا بيئة لأنفسهم أقل وحشة إلى حد ما. والتقى جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورجان تشيس، قادة الأعمال الذين يقولون إنهم فعلوا ذلك تماماً. وقال ديمون أثناء انعقاد مؤتمر كلية هارفارد لإدارة الأعمال بمناسبة مرور 100 عام على تأسيسها: "إنهم يقولون لك إنه يجب أن يكون لديك زميل واحد مقرب على الأقل بشكل دائم، حيث سيقول لك الحقيقة. حسناً، إذا كان لديك صديق واحد من بين عشرة أصدقاء ممن يقول لك الحقيقة، فعليك أن تطرد التسعة الآخرين".
إن ديمون مصيب. ويجب ألا يحتمل المرء زملاء العمل المتكتمين، والمراوغين، والمواربين. ومع ذلك فإن الدليل يوحي بعدم وجود حديث صريح كافٍ في العمل. ولخشيتنا من الصراع المدمر والانفجارات، فإننا نتخبط، ونمسك ألسنتنا عن الحديث، ونغلق شفاهنا.
يقول روبرت مكهنري، الرئيس التنفيذي لشركة أو. بي. بي للاستشارات النفسية في أوكسفورد، إن بعض المؤسسات تقمع الصراعات على الأرجح التي من شأنها في واقع الأمر أن تسمح بالانفجار.
ويضيف: "يقول لنا الزبائن في بعض الأحيان إن أكبر مشكلة تواجههم هي غياب الصراع في مؤسساتهم. ويقولون إن القادة الكبار الاستبداديين يخلقون ثقافة يفضل فيها الأشخاص "طأطأة رؤوسهم"، وعدم تقديم التغذية الراجعة، أو الأفكار، وإن توقع الصراع يعوق الأداء".
لا يعني ذلك أنه لا توجد مشاجرات على الإطلاق في العمل – بل على العكس من ذلك تماماً. وفي حقيقة الأمر، تكون الصراعات في بعض الأحيان أكثر قذارة لأنها لم تطف على السطح في وقت مبكر كافٍ. وفي الواقع، ربما علينا أن نحصن أنفسنا ضد المزيد من الصراع في العمل وليس الأقل، في الوقت الذي ينزلق فيه العالم إلى الكساد. وكما يقولون في فيينا، فإن "أولئك الذين يتشاجرون ينهكون بعضهم بعضا".
استطلعت شركة أو. بي. بي خمسة آلاف موظف في أوروبا وأمريكا لاكتشاف مواقفهم إزاء الصراع في العمل (وخبرتهم بشأنه). ووجدت أنه في المتوسط، يمضي الموظف نحو 2.1 ساعة في الأسبوع – قرابة يوم واحد في الشهر – وهو يتعامل مع الصراع بطريقة ما.
يصارع المديرون هذا الأمر. ويتلقى البعض التدريب على نوع الاتصالات ومهارات التوسط التي من شأنها أن تساعد على تبديد التوتر. وهناك آخرون – نحو 7 في المائة وفقاً لأستطلاع "أو. بي. بي" – يلجأون بشكل يائس إلى الملاذ الأخير للقرن الحادي والعشرين، الإنترنت.
إنها ليست أنباء سيئة برمتها. ووفقاً لجزء آخر من بحث جديد (ومستمر)، فإن انفجار عدوان داخلي يمكن أن يوفر الفرصة لتحسين حظوظ شركتك. وتشير النتائج الأولية إلى الدور الحيوي للصراع الذي تتم إدارته بنجاح، في تطوير استراتيجية فاعلة للشركة.
لدى عملها مع الشركات الدولية، وجدت شركة الاستشارات المتمركزة في لندن، "كوجنوسيس" أن المديرين يمكن أن يكونوا مطاردين إلى حد ما بشبح مفهوم "التحدي". غير أن أولئك الذين يديرون الصراع، سوف يحصلون على مشاركة أكثر من جانب موظفيهم، والمزيد من "الالتزام" فيما يتعلق بالاستراتيجية.
كيف يمكنك أن تستغل الاختلافات لمصلحتك؟ يجب إدارة الصراع بشكل رسمي، وليس بطريقة ارتجالية، حسبما اكتشفت "كوجنوسيس". فأنت لا تريد تشجيع "التذمر الذي يقال بالقرب من مكان شرب الماء"، أو الحرية التامة للجميع، حيث تهيمن الأصوات العالية لأولئك الذين يقدمون النصائح دون أي مؤهلات.
في ثقافات الشركات المفتوحة، يشعر الموظفون بالقدرة على تحدي المديرين في المناصب العليا. وفي واقع الأمر، يتم السعي للحصول على وجهات نظرهم النقدية بشكل فاعل ومتكرر. ويقول ريتشارد براون، الشريك الإداري لدى شركة كوجنوسيس: "إحدى السمات المحددة للقادة الفاعلين استراتيجياً هي التزامهم بالتحدي، وقدرتهم على تحدي الآخرين، وتعرضهم بأنفسهم إلى التحدي بطريقة إيجابية وبناءة".
أثناء عودتي جواً إلى موطني من رحلة قمت بها أخيراً إلى الولايات المتحدة، استكشفت مطولاً خيارات الترفيه الموسيقي التي توفرها بلطف شركة الطيران التي أسافر على متنها، وينبغي عليَّ شخصياً أن أعترف أن أصبعي حلقَّ للحظات فوق قناة "الاستماع السهل" – ولست فخوراً بذلك. عزيزي القارئ، ضغطت على ذلك الزر. ولكن بعد انفجار بهيج لصوت بتولا كلارك الخالد في أغنية - وسط المدينة Downtown- التي تقول كلماتها:
عندما تكون وحيداً
وتجعلك الحياة وحيداً
بإمكانك دائماً أن تذهب إلى وسط المدينة
أدركت أن هذه القناة ليس لديها شيء آخر تقدمه لي.
ثم أدركت الأمر فجأة. وارتكبت الخطأ ذاته تماماً الذي حذرني منه ديمون قبل يوم أو يومين. فأنا اخترت سماع قناة "الاستماع السهل"، في الوقت الذي كان ينبغي علي أن ألتزم بالحقيقة القوية للينون ومكارتني، أو تعدد الأصوات الذي يبعث على التحدي لموسيقى باخ. ولا يعتبر التعب مبرراً، حيث كان الخيار السلس خاطئاً منذ البداية.
خلال الأشهر الصعبة المقبلة، سوف يضطر المديرون إلى أن يكونوا مثالاً يحتذى به، وألا يجفلوا من الصراع. وقال السياسي البريطاني جو جريموند فيما مضى: "في الأيام الخوالي، كان يتم تعليم القادة أنهم عندما يكونون في حالة من الشك، فعليهم أن يسيروا جنودهم باتجاه صوت إطلاق النار. ضعوا الخوذ جميعاً. إلى اليسار، سريعاً، سر.

