الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تأمل هذا الأمر: معدل التدهور السنوي في الإنتاج الصناعي في كانون الأول (ديسمبر) بلغ 12 في المائة في ألمانيا، 20 في المائة في إسبانيا، و21 في المائة في اليابان. وانخفضت صادرات كوريا الجنوبية بنسبة 32.8 في المائة في كانون الثاني (يناير)، مقارنةً بالشهر نفسه عام 2008. وقال اتحاد النقل الجوي إن حركة النقل الجوي للبضائع انخفضت في كانون الأول (ديسمبر) بنسبة 22.6 في المائة على أساس سنوي. ويبدو كما لو أن التجارة العالمية كانت، وربما لا تزال، في حالة تدهور مستمر. ويعني ذلك أن مشهد الاقتصاد العالمي ربما يكون أكثر سوءاً مما كنا نعتقد.

لا توجد لدينا بيانات حتى الآن عن التجارة العالمية في كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير). ويقدر مكتب تحليل السياسات الاقتصادية التابع لهيئة التخطيط المركزي في هولندا أن حجم التجارة العالمية انخفض نحو 6 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر) وحده. إنها سلسلة من البيانات المتغيرة وبالتالي لا ينبغي أن نبني عليها استنتاجات. لكن إذا حكمنا على الأمر من خلال آخر الأرقام الواردة من كوريا الجنوبية ودول آسيا الأخرى، يبدو أن الانكماش في التجارة العالمية تواصل خلال الشهرين الماضيين.

كيفن أو. روكي، أستاذ الاقتصاد في كلية ترنتي، دبلن، يقدر أن التدهور في التجارة العالمية، في حده الأقصى والأدنى، خلال الركود العظيم كان أكثر قليلاً من 25 في المائة، ويقول إننا لم نصل إلى هذا الوضع بعد، لكن حسب الأداء الحالي نتجه بسرعة للوصول إلى تلك الحالة. وما حققه الاقتصاد العالمي خلال ثلاث سنوات بين عام 1929 و1932 ربما يستغرق معنا أقل من عام واحد. والارتباط العميق بين أسواق الإنتاج وأسواق المال هو بالتأكيد جزء من السبب. لكن السرعة التي تم بها انهيار التجارة العالمية كان أمراً مثيراً للدهشة. والأمر المخيف هو أننا لا نفهم في حقيقة الأمر ما يجري.

هناك بعض الأخبار المشجعة يمكن الحديث عنها أيضاً. فمؤشر البلطيق الجاف، وهو مقياس لتكاليف الشحن عالمياً ومقياس للتجارة العالمية يتسم بدرجة عالية من التقلبات، ارتفع من الأعماق التي وصل إليها في كانون الأول (ديسمبر)، عندما هبط بنسبة 94 في المائة من أعلى مستوياته. والآن يسجل تراجعا بنسبة 86 في المائة فقط.

لذا، هل يطلق على ذلك ركود مبكر في القرن الحادي والعشرين؟ الأمر يعتمد على تعريفك للركود. فربما تعرِّفه على أساس معدل البطالة لكل بلد، لكن لأن البطالة مؤشر متراجع، فلن تعرف هل أنت في حالة ركود حتى يمر بعض الوقت على الحدث. كما يمكنك أيضاً أن تعرِّفه على أساس أقصى وأدنى حالات التدهور في النمو الاقتصادي وأن تختار رقماً تاماً كقاعدة، مثل 10 أو 20 في المائة.

الاقتصاد الياباني في حالة انكماش حالياً بمعدل سنوي يقارب 10 في المائة، حسبما ورد في أحد التقارير. وإذا وضعنا قاعدة الحد الأقصى إلى الحد الأدنى للتدهور في إجمالي الناتج المحلي عند 10 في المائة، فإننا نتجه نحو ركود في عدة بلدان. فإيرلندا تدخل في التدهور حتى في ظل القاعدة الأكثر صرامةً. وعدد الدول التي في طريقها إلى الركود سيزداد ما لم يبدأ الانتعاش الاقتصادي بقوة في الربع الثالث من هذا العام.

وفي ظل التدهور السريع للتجارة العالمية والنمو الاقتصادي، فإن المرء كان يتوقع أن يقوم صناع السياسات بعقد اجتماعات متواصلة لتنسيق السياسات المالية والنقدية وحتى سياسات أسعار الصرف، وإن كان ذلك فقط بغرض إقناع العالم بأن هناك شخصا ما يتولى الاضطلاع بالأمر. وبدلاً من ذلك، اتهم وزير الخزانة الأمريكي الجديد الصين بالتلاعب في العملة، وأدخل الكونجرس بندا في قانون الحوافز يشترط شراء المنتجات الأمريكية، بينما في أوروبا أثبت القادة في فرنسا وألمانيا عجزهم عن بث الروح في علاقة اعتادت أن تزدهر في مثل هذه الأزمات.

وأنا أفهم لماذا يشعر الناس بالغضب تجاه كبار المسؤولين في البنوك الذين منحوا أنفسهم حوافز تم تمويلها من أموال دافعي الضرائب، أو قاموا بالصرف ببذخ على تأثيث مكاتبهم. لكن لا توجد مجموعة واحدة في المجتمع، ولا حتى المتعاملين في مشتقات الائتمان، تسببوا في دمار بهذا القدر للاقتصاد العالمي مثلما تسبب الجيل الحالي من قادة العالم الخاملين.

وإذا أراد المرء أن يؤرخ بداية المرحلة الحالية من الأزمة بانهيار "ليمان براذرز" في منتصف أيلول (سبتمبر) 2008، فإن صناع السياسات أضاعوا نحو خمسة أشهر كان معظم النقاش الذي تم خلالها يتركز على حجم وشكل مشروعات الحوافز المحلية. وفي عدد من الدول لم تبدأ هذه العروض حتى النصف الثاني من هذا العام.

كان العالم سيكون أفضل حالاً لو كان هناك مشروع أسرع، وربما أصغر وتم تنسيقه عالمياً، مما كان سيشجع على الاستهلاك المحلي في الصين واليابان ومنطقة اليورو، مع التركيز على استثمارات القطاع العام في الولايات المتحدة ومساعدة المقترضين المعوزين، وبرنامج يتم التنسيق له عالمياً لإعادة هيكلة القطاع المالي. فقد تبين أن ضمانات التسليف وبرامج إنقاذ الأصول المتعثرة أكثر قليلاً من كونها إجراءات للذعر. فبعد ضخ عدة مئات من مليارات الدولارات في وقت لاحق، لا يزال القطاع في الوضع غير المستقر نفسه، إذ كانت الحكومات تتهيب التصدي للمشكلات الهيكلية العميقة في هذا القطاع. وأتمنى أن تكون التسريبات بشأن مشروع الإنقاذ المالي في الولايات المتحدة الذي تم التهليل له كثيراً، خاطئة في معظمها. وإذا لم تكن كذلك، فيبدو كما لو أننا نواصل إلقاء مبالغ ضخمة من الأموال بعد الأموال التي خسرناها دون أن نتمكن من حل المشكلة.

القمة العالمية المهمة المقبلة، تحت راية مجموعة الـ 20، لن تنعقد حتى نيسان (أبريل). أي بعد شهرين آخرين يمكن أن يحدث فيهما انكماش في الاقتصاد العالمي. وإذا كان حظنا عاثراً – ودعونا نواجه الموقف، فإن هذه الدورة ليست هي التي سيحالفنا فيها الحظ - فإن الاقتصاد العالمي ربما يتجه أولاً نحو الركود، على الأقل في سياق التجارة العالمية، يتبع ذلك حقبة زمنية ضائعة على غرار الحقبة اليابانية الضائعة في التسعينيات من القرن الماضي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية