السبت, 17 أكتوبر 2026|5 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

أقرت الحكومة الكويتية الأسبوع الماضي خطة الإنقاذ المالية التي تضمنت تقديم ما قيمته 1.5 مليار دينار كويتي لدعم القطاع المالي في الكويت الذي يعاني ديوناً بلغت قيمتها خمسة مليارات دينار. لكن الخطة توقفت على أبواب مجلس الأمة الذي صرح أكثر من نائب فيه أن هذه الخطة لن تمر إلا في مقابل إسقاط ديون المواطنين. بالطبع سيكون هناك جدل كبير قبل أن تقر الخطة والتي سيبدأ تنفيذها بعد شهر من ذلك التاريخ ، الأمر الذي قد يفاقم من أزمة السيولة التي يشهدها الاقتصاد الكويتي.

والمشكلة تتركز بالتحديد في شركات الاستثمار كبيت الاستثمار العالمي "جلوبل" ودار الاستثمار الإسلامية والتي تحاول جاهدة إعادة جدولة ديونها المستحقة ، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على تدابير قروض محلية أو أجنبية لتنفيذ برنامج إعادة جدولة الديون بسبب ضعف الثقة الذي يكتنف أسواق الائتمان العالمية مدفوعاً بحالة من الضبابية فيما يتعلق بوضع الاقتصاد العالمي. لذلك فإن الخطة الكويتية تتضمن ضمانا حكوميا للقروض التي ستقدمها البنوك المحلية لشركات الاستثمار بنسبة 50 في المائة من قيمة القرض، إضافة إلى ضمان بنسبة 25 في المائة على قيمة القروض التي ستقدمها البنوك الأجنبية.

مشكلة الخطة الكويتية أنها ستشجع الشركات الاستثمارية على الحصول على مزيد من القروض بالنظر إلى الضمان الحكومي المقدم لها. وهذا سيجعل هذه الشركات من خلال مديري الاستثمار لديها يندفعون لاستثمارات أكثر مخاطرة أملاً في تعويض جزء كبير من الخسائر التي تكبدوها جراء الأزمة المالية ورغبة في تحسين صورتهم المهنية. بالطبع هذا سيكون دائماً على حساب المواطن العادي الذي سيتحمل تكاليف تلك الخطة والمخاطر المحتملة لها بشكل غير مباشر. ولا يعني أن تمويل تلك الخطة من موارد الحكومة النفطية لا يحمل المواطن بتكاليف تلك الخطة، لأن التكلفة التي سيتحملها المواطن هي التكلفة الاقتصادية المتمثلة في تكلفة الفرصة البديلة لتمويل تلك الاستثمارات.

ولتكون الخطة الكويتية متكاملة يجب ربطها بسقوف معينة لمستويات المخاطرة التي يمكن للشركات الاستثمارية تكبدها، حيث يكون هناك توازن بين الضمانات المقدمة وبين حوافز الاستثمار لدى تلك الشركات. إضافة إلى ذلك يجب أن يكون هناك تفصيل دقيق لضوابط منح تلك الضمانات، حيث لا تمنح لكل الشركات الاستثمارية دون اعتبار لمتانة وضعها المالي، بل تقدم للشركات التي تتمتع بوضع مالي جيد، ولكنها تعثرت فقط في الحصول على قروض لإعادة جدولة ديونها بسبب تفاقم الأزمة المالية.

لكن ما البديل أمام البنك المركزي الكويتي في حال رفض مجلس الأمة لخطة الإنقاذ. هل سيعني ذلك التخلي عن تلك الشركات الاستثمارية وتركها لتواجه مصير الإفلاس المشؤوم؟ وما أثر ذلك في القطاع المصرفي في الكويت وفي الخليج وفي دول العالم الأخرى؟ وما أثر ذلك في الاقتصاد الكويتي والمواطن الكويتي نفسه؟ كل هذه أسئلة يجب أن تكون ماثلة أمام المشرع الكويتي عند التصويت على خطة الإنقاذ لأن ربط الأمر بإسقاط الديون عن المواطنين سيفاقم الأزمة، ولن يحلها وسيرسخ لأزمة ثقة في الاقتصاد الكويتي ستظل عالقة في أذهان المستثمرين لعقود مقبلة (سوق المناخ).

وكنت قد كتبت في مقالات سابقة عن أن الأزمة المالية ستطل برأسها على دول الخليج شئنا أم أبينا، ولكن بشكل أقل حدة من دول العالم الأخرى. والسبب في ذلك هو العلاقات الترابطية بين اقتصاد دول المجلس وبين الاقتصادات العالمية الأخرى. وبالطبع كانت الأزمة أكثر حدة في الكويت والإمارات لأنهما أكثر انفتاحاً مالياً من دول الخليج الأخرى. فالإمارات تعتمد بشكل كبير على رأس المال الأجنبي، بينما تعتمد الشركات الاستثمارية في الكويت على العالم لإدارة استثماراتها. بينما ظلت المملكة الأقل تأثراً بسبب انخفاض انفتاحها المالي على العالم بالمقارنة مع كل من الكويت والإمارات، كما أنه لا يوجد حضور قوي لنموذج البنوك والشركات الاستثمارية في المملكة.

لكن ذلك لا يعني أننا بمنأى عن التأثيرات السلبية للأزمة، وقد رأينا انخفاضا حادا في أرباح الكثير من البنوك والشركات في الربع الرابع من العام الماضي، ما يتطلب العمل على تشكيل لجنة للأزمة المالية للحد من آثارها على اقتصادنا على الرغم من محدوديتها، حسب ظروف الوضع الحالي، بل إنني أرى أن على دول مجلس التعاون مجتمعة تشكيل لجنة لمراقبة أوضاع الأزمة المالية العالمية وآثارها المحتملة على كل دولة وترتيب التدابير اللازمة لعلاج أي آثار للأزمة بشكل جماعي بما يقلل من المخاطر المترتبة عليها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية