الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

رغم زرقة السماء في دافوس، المنتجع السويسري الشتوي، فإن الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يكون في العادة مناسبة للاحتفال والشعور بالراحة، يلتقي فيه الزعماء السياسيون وكبار التنفيذيين في الشركات وهم يتعهدون بالعمل معاً لحل مشكلات العالم، هذا الاجتماع كان بالتأكيد يتسم بالفرقة والتباعد.

أثناء إحدى المناظرات صفق الحضور حين قال نسيم نيكولا طالب، مؤلف كتاب البجعة السوداء، إن الوقت قد حان لمعاقبة المصرفيين وإرغامهم على رد العلاوات والمكافآت. رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين هاجم بصورة غاضبة مايكل ديل، رئيس شركة ديل للكمبيوتر، على اقتراحه المتسم بالصلافة بأن روسيا بحاجة إلى المساعدة التقنية.

أخيراً رجب طيب أوردوغان، رئيس الوزراء التركي، خرج غاضباً من مناظرة مع رئيس إسرائيل شمعون بيريز، وقال إنه لم يعطَ وقتاً كافياً للرد على ملاحظات بيريز بخصوص غزة. أردوغان، الذي استقبلته الجماهير عند عودته إلى تركيا بالهتاف، قال إن بيريز تحدث معه "على نحو لا ينسجم مع . . . روح دافوس".

#2#

في العادة تنتشر روح دافوس، إلى جانب أرواح أخرى، ويتشربها الناس بصورة مجانية حين يأتون إلى سويسرا لقضاء بضعة أيام من المناظرات وحضور الحفلات. كلاوس شواب، وهو أستاذ مولود في ألمانيا، استطاع خلق حدث ودي إلى حد كبير، يستطيع من خلاله التنفيذيون أن يختلطوا ويضغطوا في سبيل مشاريع معينة مع رؤساء الدول والوزارات. أحياناً تكون دافوس مقراً للفعل الملموس. كانت تركيا شريكا في إحدى أكبر لحظات الاعتزاز في دافوس، وهو إعلان دافوس عام 1988 بين تركيا واليونان، الذي ساعد على تجنب الدخول في الحرب. لكن دافوس في معظم الأحيان هي مكان التعبير عن النيات الطيبة وتحَوُّل الخصوم السابقين إلى متحاورين في المناظرات.

لذلك كان شواب مضطرباً وكان وجهه شاحباً حين دعا إلى عقد اجتماع صحافي فوري مع أوردوغان في محاولة لتهدئة الأمور. وقال: "نأمل دائماً أن تتحقق روح دافوس، وهي روح تتسم بالفهم المشترك. إنها روح إيجابية، روح بناءة". قال شواب ذلك على نحو من يتحدث بعد أن أطيحَ بآماله.

كان يجدر بشواب ألا يشعر بالمفاجأة. هذا العام يجد المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه أمام مهمة مستحيلة، وهي تشكيل التوافق من رحم التوتر، خصوصاً حول الأزمة المالية والكيفية التي يستطيع بها العالم الخروج منها. الذي حدث بدلاً من ذلك هو أن دافوس أصبحت مكاناً انفجر فيه الغضب المكظوم والاستياء الشديد مما جنته يدا "وول ستريت".

لم يكن هناك عدد كبير من المصرفيين ليسمعوا بآذانهم الآخرين وهم يلومونهم على التسبب في الأزمة المالية. لويد بلانكفاين، كبير التنفيذيين في بنك جولدمان ساكس، ظل بعيداً وألغى الحفلة المعهودة التي كان يقيمها البنك. بوب داياموند، رئيس بنك باركليز، كان من المفروض أن يشارك في استضافة حفل عشاء على قمة الجبل للعملاء، ولكنه قرر في اللحظة الأخيرة عدم السفر.

الشخصيات النجومية التي حضرت هذا العام كانوا العرافين الذين حذروا من الانهيار الاقتصادي، إلى جانب نسيم طالب، فإن نورييل روبيني، أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك، شارك في كثير من المناظرات للتحذير من أن النظام المالي العالمي ما تزال أمامه فترات حالكة السواد أكثر من ذي قبل. غياب المصرفيين، أو تدني نسبة تمثيلهم في المنتدى، لم يكن له أثر يذكر للتصدي لمشاعر التشاؤم السائدة. بعض المصرفيين كانوا في دافوس، مثلاً جيمي دايمون، كبير التنفيذيين في بنك جيه بي مورجان تشيس، تحلى بالروح الرياضية وأقام حفلة، ولكن هؤلاء المصرفيين لم تعد أصواتهم هي المهيمنة. يوسف أكرمان، رئيس مجلس إدارة بنك دويتشه بانك، قام على نحو من التواضع بإدارة الحوار في إحدى المناظرات التي ضمت بعض المسؤولين في البنوك المركزية، أي السادة الجدد للكون المالي.

الغائبون الآخرون، إلى جانب المصرفيين، كانوا أعضاء الإدارة الجديدة للرئيس باراك أوباما. المسؤول الوحيد الذي حضر كان فاليري جاريت، صديقة أوباما وناسخة أقواله، التي ألقت خطاباً عادياً بلغة معروفة ومكررة، وعدت فيه بقدوم عهد جديد من القيادة الأمريكية والتعاون، دون تقديم تفاصيل تذكر. كانت الكلمات لطيفة ولكن الفعل المصاحب، وهو مقاطعة شبه كاملة لدافوس، كان لا يبعث على الاطمئنان.

الفجوة التي تركتها أمريكا سرعان ما ملأتها روسيا والصين، حيث ظهر بوتين ورئيس الوزراء الصيني وين جياباو في مظهر يتسم بالتحدي إلى حد ما. تعمد بوتين أن ينتقد ليس فقط شركة ديل، وإنما كذلك الأمريكيون في دافوس في السنة الماضية الذين "أكدوا الاستقرار الأساسي للاقتصاد الأمريكي والآفاق المشرقة".

تحت المساجلات الكلامية، في دافوس كشف بعض العقبات الكبيرة أمام الهدف المعلن لكثير من المتحدثين، وهو ضمان أن يتصدى العالم للأزمة الاقتصادية بصورة جماعية، وليس أن يُجَرَّ كل بلد إلى تكرار الحمائية التجارية التي انتشرت في الثلاثينيات. هذه الحمائية كانت السبب في فرض قانون سموت – هاولي للتعرفة لعام 1930، ولكن المشكلة الآن تدور حول رأس المال أكثر مما تدور حول التجارة.

في السنة الماضية في دافوس كان يبدو أن التعاون، على شكل قيام صناديق الثروات السيادية من آسيا والشرق الأوسط بالاستثمار بشكل طوعي في البنوك الغربية المعتلة، يمكن أن ينقذ النظام. هذا العام اشتكت البلدان الفقيرة من أن الولايات المتحدة بدلاً من ذلك ستستخدم القوة القاهرة لامتصاص رأس المال. بمعنى أنها ستطبع سندات الخزينة لتمويل عملية إنقاذ البنوك الأمريكية وصفقة التحفيز الاقتصادي.

من جانب آخر، فإن التمويل العالمي معرض للخطر الآن. ربما تساند الولايات المتحدة البنوك التي أنقذتها، مثل بنك سيتي جروب، لبيع السندات إلى البلدان الأجنبية في سبيل تجميع رأس المال. كما أن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون هاجم البنوك التي على شاكلة بنك رويال بانك أوف سكتلند لقبولها ودائع بريطانية واستخدامها لإعطاء قروض خارجية.

إذن فإن روح التعاون المالي هابطة الآن، وهذا يفسر تدني القدر المعروض من روح دافوس. منتدى هذا العام أظهر ما يمكن أن يحدث حين يتوقف الاقتصاد العالمي عن تمويل التعاون الدولي وحسن النية.

من الناحية النظرية، فإن المنتدى هو المكان الذي تحل فيه الملاسنات الكلامية محل العمليات الحربية، وتجد النخبة الدولية سبيلاً للتعامل على نحو يتسم بالانسجام. من الناحية العملية، فإن هذا اللقاء الممتع في الجبال السويسرية لم يستطع تقديم شيء يذكر للمساعدة في حل المشكلات.

لا عجب أن وجه الأستاذ شواب كان يبدو وكأنه تعرض لصدمة شديدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية