في الظروف الطبيعية لا يتأتى بالسهولة جمع كل تلك الأطياف الثقافية من كتاب صحف وشعراء وروائيين ونقاد بل وحتى مسرحيين غير أن ذلك حدث فعلا ، بغض النظر عن حالة الغياب النمطي عن فعاليات الفكر، ودون الوقوف عند كونه لقاء يقدم نفسه للمرة الأولى أو النظر إلى وجود أنشطة كانت مقامة في الوقت نفسه، كان اسم الضيف حاسما في حشد كل تلك الحماسة للمشاركة ما يؤكد شمولية المشروع الفكري الذي يتبناه إبراهيم البليهي لاسيما وهو يتناول الثقافة بمعناها الحضاري الأوسع.
#2#
غير أن جمع المفكر الذي شكل حضورا مؤثرا في الساحة عبر منهجيته وكتاباته اللافتة ، والكتاب الذي يأتي في مقدمة أهم إصدارات هذا العام ، والأفكار التي ستطرح في سياق هذا المشروع البحثي وبوجود شريحة نخبوية من شتى الاهتمامات ،كانت كلها مناخا مثاليا لتدشين فعالية اللقاء الثقافي في نادي "الاقتصادية" الصحافي ،وكما علق بعض الحاضرين فقد كانت تأسيساً لوجوده الواعد في المشهد الإعلامي والفكري وبأعمق طريقة ممكنة.
#3# منذ الوهلة الأولى اتضح أن قاعة مداريم كراون كانت مكانا ملائما وحفياً باحتضان انطلاقة نادي "الاقتصادية" الصحافي وقد توجت تلك الحفاوة بحضور حمود الذييب مدير عام فندق مداريم كراون، بجانب العدد الكبير من الأكاديميين والمثقفين والباحثين وكتاب "الاقتصادية"، لتأتي البداية عبر المقدمة الترحيبية لرئيس تحرير "الاقتصادية" الزميل عبدالوهاب الفايز حيث عرف بالنشاط الجديد وتناول فكرة اللقاء الثقافي كفرصة تحاول الجريدة تقديمها بشكل مستمر لطرح الافكار والتبادل المعرفي بين مختلف المثقفين وفي شتى الاهتمامات، مشيرا إلى النادي سيكون سباقا لاستضافة أهم الإصدارات الجديدة والمؤثرة في الساحة سعيا لإبرازها ودراستها نقديا وربطها بالمتلقي.
#4#
على طريقة المباريات الحاسمة ربما ، حيث يبدأ الهجوم من اللحظة الأولى دون وقت حتى لجس النبض، كان من الواضح أن الحوار ينطلق باندفاع منذ البداية لتسجيل أهداف لا حصر لها، وتأكدت بعد خمس دقائق فقط من اللقاء وبعد سنوات من الحضور في الندوات الثقافية والأدبية أنني أحضر أكثر نماذجه إثارة على الإطلاق.
#5# وبين مدير الأمسية الدكتور عبد الله الوشمي نائب رئيس النادي الأدبي والضيف النوعي على مستوى الثقافة إبراهيم البليهي، كانت صرامة الأسئلة وصراحة الإجابات في سجال محموم مابين الاثنين، كان البليهي يتحدث بنبرته ذات الطابع الحاسم عن بعض ماجاء في كتاب (حوارات في الفكر والثقافة) الذي قام على إعداده الكاتب عبد الله المطيري، فتحدث في البدء عن وجود خلل جذري في الثقافة يجعل بعض المجتمعات غير قادرة على تجاوز وضعية التخلف موضحا أن كتاباته تشتغل على دراسة هذا الخلل وتحليله، وأضاف "علينا أن نخترق فكرة التكرار والتقليد المستمر ونخرج برؤى فاعلة وخلاقة للنهوض بالفكر وتطويره بما يلائم المستجدات الحضارية" وأشار البليهي إلى أن رؤى التجديد الثقافي موجودة لدى أفراد ينشطون ويعبرون عن أفكارهم بعدة طرق لكنهم لايمثلون تيارا، وحول قراءاته، يذكر المفكر المعروف أنه نهل من مختلف الينابيع المعرفية مع التأصيل المنهجي عبر التركيز على كتب التراث والتاريخ الإسلامي ومن ثم القراءة المتنوعة لشتى جوانب الفكر الغربي من أدب واجتماع وفلسفة وغير ذلك، رغبة في المعرفة الدقيقة لأهم عوامل تقدم الحضارة الغربية وبحثا عن وسائل تسهم في ارتقاء الأمة حضارياُ ، وقال "استخدمت كل المناهج المتاحة من أجل معرفة العوامل التي أسهمت في تغيير الإنسانية على مدى العصور، يشغلني الهم الإسلامي وأبحث عن علاج لمشكلات المجتمع عبر البحث في كل الأدوات التي أسهمت في تقدم الآخرين وبقائنا كما نحن"
#6#
وقد كان البليهي واضحا في الاعتزاز بهويته كأساس لكل مايتجه له مشروعه الفكري وقال"أعتز بكوني باحثاً مسلماً ، حتى وإن استخدمت أدوات إنسانية شمولية في قراءتي للواقع الحضاري"
وانتقل فيما بعد لمناقشة أثر التنشئة في تكوين الشخصية الثقافية العامة لأي مجتمع مشيرا إلى أن العقل البشري يعجز عادة عن تغيير ما يغرس فيه من تصورات، وأن الفرد الذي يخضع لبرمجة فكرية في طفولته يحتاج لطاقة استثنائية كي يخرج عن إطارها برؤى جديدة.
#7#
في محاور أخرى، يؤكد البليهي أن امتلاكه الأمل في تحسن الوضع رغم كل الظروف هو ما يدفعه للاشتغال على منهجه وكتاباته، كما يشرح تعبير"علم الجهل"الذي أثار تساؤلا عند بعض الحضور، موضحا بقوله "أريد أن أحوّل الجهل إلى موضوع للدراسة من خلال عدم اعتباره عدما، بل النظر إليه بوصفه كيانا مهيمنا يسيطر على عقول الناس ويتحكم فيها، وبالتالي فهذا يجعله موضوعا كبيرا يجب إخضاعه للبحث والتحليل العلمي حتى يتأتى لنا تصور واضح لطريقة تفكيك هذا الكيان" كما ألمح المحاضر في إجابة على أحد الأسئلة إلى وجود تشابه في البيئة الاجتماعية والثقافية على مستوى الدول الإسلامية معتبرا أن ماليزيا وتركيا قد مثلتا نوعا من الخروج الاستثنائي عن هذه القاعدة.
#8#
كان اللقاء مليئا بالمداخلات المنطلقة من تصورات عدة لفكر البليهي والتي أكدت مجددا استحالة تحديد نوعية المتلقي الذي يمكنه التداخل مع مشروع ثقافي بذلك الاتساع، أسئلة عدة عن التعليم والفكر والإعلام، وكذلك عن المنهجيات العلمية والإدارية وغيرها، فيما كانت أكثر من إجابة تشتمل على الفكرة الرئيسة من دراسة عوامل التأخر بمختلف أشكالها وإشكالاتها لتكوين المعرفة التي يمكنها أن تكون نقطة بداية نحو النهوض الحضاري بالأمتين العربية والإسلامية. وقد أكد ضيف اللقاء على أن الجهد العملي مهما بلغ من قدرات إلا أنه لايكون فاعلا إلا بوجود الوعي الذي يجيد توظيفه وتحويله إلى ثقافة مؤثرة ، كما تناول أهمية النقد الذاتي الذي يعتبره من أهم المزايا التي وجدها لدى الفكر الغربي الحديث موضحاً "أحد اسباب تقدمهم الحضاري هو أنهم ينقدون أنفسهم ليل نهار، ليس ثمة في التاريخ البشري أمة لا تخطئ لكن النقد الذاتي يمكنه أن يشكل حصانة إلى حد ما ضد الخطأ ويبصّر الأمم "
قاعة مداريم الفخمة أخذت مكانا لها فيما الحضور المثقف يتابع باهتمام ويسجل ما يمكنه تداركه من هوامش تكفي أبسطها لتكون عنوان محاضرة، هكذا بدأ اللقاء الثقافي الأول لنادي الاقتصادية، بمباراة أفكار مفتوحة على كل المحاور، بحماسة ثقافية بدأت وانتهت قبل وبعد أن يطلق الوقت صافرتي البدء والانتهاء!








