الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تمر علينا صور إعلامية التقطتها عدسة مصور عابر في أحد شوارع غزة عام 2009م تعامل معها المخرج التلفزيوني بمهنية عالية ووظفها لخدمة خبر أو تقرير أو فيلم وثائقي. إحدى تلك الصور الصارخة لإحدى الأمهات الفلسطينيات في غزة 2009م تحمل طفلها بين يديها صارخة (تولول) كاشفة عن وجهها وصدرها في صورة إنسانية فرت من كل الأزمنة حاملة طفلها بين ذراعيها حيث قضى هذا الطفل إما بقذيفة مباشرة وإما بفوسفور أبيض حارق وخانق وإما توقف قلبه بفعل الصدمة والصوت المفزع من شدة الانفجار هكذا قالوا في حرب العراق الهول والصدمة والرعب وأعادوها في غزة الصدمة والرعب. والضحية هنا أطفال فلسطين وكأن أطفالنا من (سقط المتاع) وأطفالهم من الذهب المرصع بالألماس والدم الأزرق النقي والأسطع. تركض هذه الأم في شوارع غزة باتجاه مستشفى الشفاء وهي تدرك أن ابنها أطرافه باردة وعيناه شاخصتان وملابسه مبللة بالعرق والخوف وماء (المثانة) تدرك أن أنفاسه امتصها الأزيز والهدير لكنها رغم رائحة الموت التي تفوح من جسده الطاهر ورغم أن (جنينها) مسجى بين يديها إلا أنها تلملم نفسها ومداركها لتغسله بالماء والسدر وترطبه بزيت الزيتون وتغطيه بخصلات وريقات الزيتون وتخضبه بالحنة وأزهار الزعتر والبابونج وتكفنه بالأبيض والأخضر والأحمر والأسود تكفنه بعلم وخريطة فلسطين هذه الأم الباكية والشاردة والواهنة وهي تحمل (جنينها) بين يديها توقفت عن صوت النحيب وأبدلته بصوت آخر مقبل من أعماق الأم والأرض وبدأت تزغرد وترفع إصبع الشهادة وإصبع الممانعة تزغرد باللسان والقلب الدامي وتدخل في أعراس وأهازيج فلسطين ترفع ابنها للإشهاد أنه الشهيد أنه الرضيع أنه الحنين هذا المشهد أعادني إلى إحدى القصائد التي كنت أسمعها بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 2009 كانت أهازيج فرقة الميادين تقول:

أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها

أجمل الأمهات التي انتظرتُه

وعاد مستشهداً

فبكت دمعتين ووردة

ولم تنزوِ في ثياب الحداد

* * *

آه... آه... آه

لم تنتهِ الحرب لكنه عاد

ذابلة بندقيته ويداه محايدتان

* * *

أجمل الأمهات التي انتظرته وعاد

أجمل الأمهات التي عينها لا تنام

تظل تراقب نجماً يحوم على جثة بالْظلام

لن نتراجع عن دمه المتقدم في الأرض

لن نتراجع عن حبنا للجبال التي شربت روحه

فاكتست شجراً جارياً

نحو صيف الحقول.. صامدون هنا.. صامدون هنا

قرب هذا الدمار العظيم

وفي يدنا يلمع الرعب في يدنا

في القلب غصن الوفاء النضير..

صامدون هنا.. صامدون هُنا

باتجاه الجدار الأخير

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية