ثمة رأي قوي يقول إن هناك سببين يمكن أن يجعلا رئيس أمريكا يعين مبعوثاً خاصاً. أولهما أن ينجز شيئاً ما يتجاوز الاقتتال الداخلي بين الوكالات في واشنطن، والثاني خلق انطباع بالالتزام الشخصي، بينما يحافظ على الوقت الرئاسي الثمين ورأس المال السياسي لقضايا أكثر إلحاحا.
ولم يكن جورج دبليو بوش واقعياً بشأن المبعوثين الشخصيين بأي شكل من الأشكال. وأول توجيهاته في السياسة الخارجية تحلل من معظم المناصب التي أسسها سلفه. ونأى بنفسه عن بيل كلينتون، وهو رئيس كان له عدة مبعوثين لكل موسم. ولأن بوش كان يفضل السعي الأحادي وراء المصالح الأمريكية، فإن ذلك بالكاد كان مهماً. وفي وقت لاحق، ومثل معظم الرؤساء في ولايتهم الثانية، جاء التحول في وقت متأخر جداً لم يكن ليحدث أي أثر.
#2#
وبتعيين جورج ميتشل مبعوثا خاصا للشؤون العربية – الإسرائيلية, وتعيين ريتشارد هولبروك ممثلا شخصيا لأفغانستان وباكستان (ما الفرق بين مبعوث وممثل؟), فإن باراك أوباما يعود إلى الأنموذج السابق.
ويبدو في بعض الأحيان أن قرارات أوباما تسعى إلى يكون لها صدى من رئاسة فرانكلين ديلانو روزفلت. فقد سجل مايكل فولوف، وهو زميل زائر في مؤسسة بروكنجز، أن روزفلت كان واحداً من أكثر أنصار دبلوماسية المبعوثين حماساً.
وربما كان أحد الأسباب يتمثل في تشكك روزفلت الشديد في وزارة الخارجية. فعند بداية دخول أمريكا في الحرب العالمية الثانية، يقال إنه علق بصورة لاذعة قائلا إن جهاز الخارجية الأمريكي كان محايداً إزاء الصراع، وإنه كان يأمل في أن يبقى كذلك.
وأكد أوباما من جهة ثانية، الدور المحوري الذي ستلعبه هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية. وقد ذهب إلى وزارة الخارجية ليستمع إلى هيلاري وهي تعلن عن التعيين (ميتشل وهولبروك). وسيكون الاثنان مرتبطين بها مثلما يكونان مرتبطين بالرئيس.
ومع أنهما شخصيتان مختلفتان تماما، فإن المبعوثين الجديدين يملك كل منهما سجلات سيرة قوية. ميتشل، وهو زعيم سابق للأغلبية في مجلس الشيوخ، أرسله بيل كلينتون إلى إيرلندا الشمالية خلال تسعينيات القرن الماضي، وكان لاعباً رئيسياً في عملية السلام الناجحة. وهولبروك كان المؤلف الرئيسي لاتفاقية دايتون؛ الاتفاقية التي أنهت الصراع الدموي في البلقان.
وباستدعاء هذين الرجلين الكبيرين، يريد أوباما أن يُنظر إليه على أنه جاد إزاء معالجة اثنتين من أكثر قضايا السياسة الخارجية إلحاحاً التي تواجه إدارته. كما أنه عزز جهوداً أخرى - مكالماته الهاتفية المبكرة مع القادة العرب، وأول مقابلة له أجراها مع فضائية عربية – ليبدأ في إصلاح العلاقة الأمريكية مع العالم الإسلامي.
وبتفويض العمل الصعب إلى لاعبين ذوي خبرة، ترك لنفسه المجال للتصدي لما يعتقد الجميع في واشنطن أنها مهمته الأكثر إلحاحاً: ترتيب الاقتصاد الأمريكي.
ويجتذب هولبروك أوصافاً متناقضة. فضيق الصدر والمشاكسة من بين الصفات التي يطلقها الدبلوماسيون الأوروبيون عليه. ولم يكن سلوبودان ميلوسيفيتش، الصربي، وحده في دايتون الذي هاجم نهج هولبروك التفاوضي ـ والأوروبيون لم يكونوا في وضع يجعلهم يهاجمهونه فقد أنقذهم من عار تقاعسهم عن العمل.
وبالمقابل، فإن صفتي الذكي والخبير هما الصفتان المعاكستان. فهولبروك، رجل "ناضج" ـ وبوصفه كان مسؤولا في سلك الخارجية الأمريكية في فيتنام خلال أوائل ستينيات القرن الماضي وتتلمذ على يد أفريل هاريمان وسايروس فانس في مؤتمر باريس للسلام ـ يؤمن بكفاءة الدبلوماسية وفاعليتها.
وهو لا يحمل أية أوهام إزاء مهمته الحالية. ويسجل له أنه قال إن الإخفاقات في أفغانستان كانت أكثر خطورة من الإخفاقات في العراق. ووصف حكومة كابول بأنها فاسدة. وانتقد نفوذ أمراء المخدرات.
وفوق كل ذلك، أطلق النقطة المهمة بأن الجهود الرامية إلى إضفاء الاستقرار على أفغانستان عمل عديم الجدوى طالما حظي المتمردون بملاذات آمنة في المناطق القبلية في باكستان. ويقال إن هولبروك تساءل ذات مرة قائلاً: "العدو هو القاعدة في باكستان، فلماذا نقاتل طالبان في أفغانستان؟". ولا أستطيع أن أؤكد صحة السؤال، لكن بإمكانكم أن تروا ما يمكن أن يكون قصده.
وإذا حطم هولبروك الأواني الفخارية، فإن ميتشل يحمل أنبوب غراء، كما قال لي زميل سابق ذات مرة. فأي شخص ينجح زعيما للأغلبية في مجلس الشيوخ، يملك قدرة فائقة. ويتذكره الناس في إيرلندا الشمالية بسبب صبره غير المحدود واستقامته - وهما صفتان جعلتاه يكسب ثقة الجمهوريين المسلحين والاتحاديين المتصلبين على حد سواء. وقد أدرك ميتشل أن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا إذا جاء بالمتطرفين إلى العملية، ورسم مساراً يسمح لجيش التحرير الإيرلندي باستبدال صناديق الاقتراع بحمل السلاح.
والآن يواجه المبعوثان مهمات مختلفة جدا.ً فعلى ميتشل أن يدفع قادة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نحو تسوية تم تحديدها إلى درجة كبيرة، وأن يجمع العالم العربي كضامن لحل الدولتين. وحقيقة أن معظم الناس يمكن لهم أن يروا أن محددات اتفاقية نهائية لن تجعل المهمة سهلة، تشهد عليها الهدنة الهشة في غزة بعد هجوم إسرائيل الأخير الشديد. وسيتم اختبار صبر ميتشل على نحو موجع.
وعلى هولبروك أن يرسم استراتيجية من وضع مشوش. فإقناع باكستان والضغط عليها جزء كبير من المهمة، لكن عليه أيضاً أن يسعى إلى إعطاء تماسك لجهد غربي، عسكري وسياسي، مفكك بين عشرات الدول، وعشرات المنظمات الدولية. ويقول لي صديق في واشنطن إنها لمهمة ضخمة حتى لجعل الوكالات الأمريكية تنسق جهودها.
ويملك ميتشل معرفة عامة بكل أنحاء العالم العربي. وسيكون على هولبروك أن يتجاوز حدود أفغانستان وباكستان. فمن المستحيل مواجهة تطرف الإسلاميين في باكستان دون التحدث مع الهند حول حل الصراع في كشمير.
ويحتاج كلا الرجلين إلى صلاحية الرئيس بالتحدث مع أعداء أمريكا: ميتشل مع حماس الفلسطينية، وهولبروك مع إيران، جارة أفغانستان.
وحتى الآن، عزف أوباما على الوتر المناسب بسعيه إلى استعادة مكانة أمريكا في العالم. وأدرك أن القوة تتعلق بإقامة التحالفات ومواجهة الأعداء أيضا. والصراع في الشرق الأوسط والحرب في أفغانستان تحديان مهمان.
ونجاح مبعوثيه، أو عدمه يعتمد على ما إذا كان الرئيس يريد منهما فعلاً أن ينجزا الأمور. فالسؤال الأعلى شأناً في ذهنيهما وأذهان محاوريهما يتمثل فيما إذا كان البيت الأبيض سيدعمهما حين تصبح الأمور صعبة. فاختبار التصميم يتعلق بأوباما مثلما يتعلق بمبعوثيه.


