الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بعد أن انجلى غبار ثلاثة أسابيع من الحرب، ليس هنالك ما يسعد الفلسطينيين في قطاع غزة: حيث المباني أصبحت أنقاضاً، وآلاف القتلى والجرحى، ولا تزال الآفاق المستقبلية لنهاية المأساة والعنف ضئيلة.

في إسرائيل، على أية حال، خلّفت الحرب السكان في مزاج مختلف تماماً. فسواء من خلال الغرور أو الارتياح أو حتى مجرد الإحساس بالنصر، لا يوجد شك بأن معركة غزة جعلت الإسرائيليين يشعرون بشكل أفضل إزاء أنفسهم وقادتهم وجيشهم.

يقول المسؤولون، والمحللون إنهم فوجئوا بدرجة الوحدة الوطنية الإسرائيلية، والإحساس بالهدف المشترك أثناء الحرب. فبعد أعوام بدت فيها إسرائيل ممزقة ككل بفعل عدم الثقة بالنفس، وترنحها من الهزيمة العسكرية إلى الشجار السياسي الشديد حتى المأزق الدبلوماسي، فإن تغيّر موقفها ملموس.

وتشير الإحصاءات إلى تأييد الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين للحرب، حيث رأوها كانقضاض على عدو ملموس وخطير. وانطلقت تقييمات الموافقة من كافة السياسيين الحكوميين إلى عنان السماء، بينما ابتهج عديد من المواطنين في البلاد للصور، التي تلألأت على الصفحات الأولى الأسبوع الماضي، حيث يبتسم الجنود الإسرائيليون وهو يعلون الدبابات عائدين إلى الوطن بلقطات تشير إلى النصر. "هنالك حس بالارتياح المقيت، نظراً إلى أن الجيش عاد بنفسه"، كما يقول يوسي كلاين هالفي، وهو زميل بحث في مركز شاليم الواقع في القدس. "لقد حارب الجنود بمزيد من الحماس أكثر من أي وقت مضى منذ حرب يوم كيبور عام 1973، حيث تحملت واجهات المنازل أسابيع من القذائف دون شكوى، وكانت البلاد متحدة. حتى إن أغلب الإسرائيليين اليساريين دعموا العملية".

ويقول المحللون إن مفتاح فهم الابتهاج الإسرائيلي للأيام الماضية يكمن في حرب البلاد الخرقاء عام 2006 في لبنان. وإن المعركة ضد حزب الله، وهي جماعة الشيعة اللبنانية، كشفت عن عيوب جدية بين الساسة الإسرائيليين، من الجنرالات والجنود، انتهت بصورة غير حاسمة، ولكن نُظر إليها من قبل الإسرائيليين عن أنها فشل مخزٍ وعملت على التقليل من شأن قوة البلاد الرادعة في المنطقة.

وحين قامت الحرب، تبيّن أن حزب الله قد رُدع بما يكفي لعدم قيامه بفتح جبهة ثانية مع إسرائيل، بينما عملت على سحق حماس الشهر الماضي. ولكن هنالك القليل من الشك بأن حرب لبنان تسببت بصفع البلاد صفعة نفسية قوية، تلك التي تفتخر فخراً استثنائياً بقواتها المسلحة، ويتحد فيها المجتمع والقوة العسكرية بصورة متداخلة ووطيدة.

ويرى ديفيد جروسمان، وهو أحد أفضل الروائيين المعروفين في إسرائيل، أن حرب غزة نوع من الرقية لوحدة الضمير. ففي إحدى مقالاته التي نُشرت على الصفحة الأولى لصحيفة "هاآرتز"، كتب الأسبوع الماضي: "دولة بأكملها نوّمت نفسها نمواً مغناطيسياً بكل لهفة، لأنها كانت في أمس الحاجة لتعتقد بأن غزة ستشفيها من "فشلها اللبناني".

ونتيجة لذلك، يجادل، بأن صور المدنيين الذين يعانون من بين المواطنين الفلسطينيين في غزة مدفونة تحت "موجة من الغلو الوطني".

إن الفرق بين التصورات الإسرائيلية عن الحرب، والغضب العالمي على عدوان إسرائيل على قطاع مسلوب القوة أصلاً، ملفت للنظر. فخارج إسرائيل، تركز الاهتمام، فوق كل شيء، على مئات القتلى المدنيين، وعلى الحوادث حيث أطلقت إسرائيل نيرانها على المدارس، ومباني الأمم المتحدة، والمستشفيات. وإن الاستخدام الواضح للذخيرة الحربية المثيرة للجدل مثل الفوسفور الأبيض كان هدف الإدانات الصاخبة.

ودعا عديد من مجموعات حقوق الإنسان إلى أن تتم محاكمة الساسة والجنود الإسرائيليين بسبب ارتكابهم لجرائم حرب، مشعلين رداً ساخطاً من الحكومة، ووعوداًً بمساعدة قانونية لأي مسؤول يُستهدف للمثول أمام المحكمة خارج البلاد. وإن الخليج الذي يفصل إسرائيل عن جزء كبير من باقي العالم، ليس فقط في حرب غزة، لم ينجح في إنقاذ إسرائيل من هذه الملاحظات.

"هنالك حس بالانفصال الراديكالي، حيث يشعر به معظمنا بين التصورات الأخلاقية، وتلك للمجتمع الدولي"، كما يقول كلاين هالفي. فبعيداً عن هز الثقة الإسرائيلية، على أية حال، يقول، إن الإدانة الدولية قوبلت بغضب، وازدراء. وإن السؤال المطروح من قبل الإسرائيليين بسيط: "ألا تلاحظون يا عالم طبيعة العدو الذي نواجهه؟".

ويجادل كلاين بأنه سوف يكون على إسرائيل بالطبع فحص ما إذا كان الاستخدام المفرط للقوة النارية ضد هدف مثل غزة، مناسباً. ولكننا "نعلم أننا خاطرنا بتحويل أنفسنا إلى أشخاص منبوذين، وذلك لأنه لا توجد طريقة نظيفة لمحاربة مثل هذه الحرب إذا أردت الفوز".

ويعتقد جروسمان الذي فقد ابنه في حرب لبنان، أن إسرائيل في النهاية ستشاطر المزاج الدولي. "فحين تهدأ النيران تماماً، ويُعرف الحجم الكامل للقتل والدمار، إلى درجة التغلب على آلية الدفاع الإسرائيلية النفسية المعقدة، التي لم تعتقد أنها أقوم من الآخرين، ربما سيطبع نوعاً من الدروس نفسه في أذهاننا"، كما يجادل.

أما بالنسبة إلى الوقت الراهن، على أية حال، فإن الدرس الذي تعلمته إسرائيل من ثلاثة أسابيع من الحرب هو درس تكرر عبر تاريخ البلاد: أن تكون قوياً دوماً أفضل من تكون شعبياً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية