وحيد على القمة كوني سافرت الأسبوع الماضي أعلى وادي جبل سويسري للوصول إلى الملتقى السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، فإنني وجدت نفسي بين نخبة مختارة، حيث اكتشف عدة أعضاء من نخبة الشركات العالمية في الدقيقة الأخيرة أنهم كانوا يدفعون بالأعمال في مكان آخر.
أين هو جون ثين، الرئيس التنفيذي السابق لبنك ميريل لينش؟ هناك في نيويورك يحاول إنقاذ الاسم الجيد بعد أن تم طرده من :بانك أوف أمريكا:، حيث تسربت التفاصيل بشأن تجديد مكتبه بقيمة 1.2 مليون دولار (أي 907,000 يورو، أو 839,000 جنيه إسترليني). وأين هو سام ديبياتزي، الرئيس التنفيذي لشركة برايس ووتر هاوس كوبرز؟ في الهند، حيث تم القبض على مدققين لدى "برايس ووتر هاوس كوبرز" من قبل رجال الشرطة بتهمة دورهما في عملية احتيال بقيمة مزعومة تُقدّر بمليار دولار في شركة ساتيام لخدمات الكمبيوتر.
هذا هو الوقت المعتاد من السنة حين يظهر رجل دافوس (ويُعزى إلى النخبة العالمية التي ينظر أعضاؤها إلى أنفسهم على أنهم دوليون بالكامل)، أي أنه أي مصرفي ورجل أعمال عالمي زادت ثروته بصورة مضاربة خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث يعمل على التباهي بطاقمه، أو طاقمها. أما في شهر كانون الثاني (يناير) هذا، فتعرض رجل دافوس للتحقير والإذلال، بدلاً من ذلك. ومن الأمور التي تتطلب الحذر والبراعة هو أن يراك أحد ما تتحدث في أحد المتاجر في سويسرا بينما منزلك يحترق. وحتى بوب دايموند، وهو رئيس بنك باركليز، الذي أقنع المستثمرين في الأسبوع الماضي بأنهم لن يُصابوا بالإفلاس، قرر أنه من الحكمة البقاء في لندن.
ولكن هنالك المزيد من الأمور التي تحدث أكثر من مجرد أن مجموعة من الرؤساء التنفيذيين ينحون مؤقتاً لوقائع العلاقات العامة. وإن هيمنة رجل دافوس تتعرض للخطر لأول مرة منذ أن نظّم كلاوس شواب الاجتماع التدشيني في عام 1971. إن تاريخ دافوس يتوازى مع الرقي في مكانة وسلطة القطاع الخاص، والشركة الخاصة. وبعد التغير المفاجئ في الأزمة التي عصفت في أوائل فترة السبعينيات من القرن الماضي، حيث كان السيرك السنوي لشواب الذي يجمع الرؤساء التنفيذيين، والساسة، والمنظمات غير الحكومية على خط النجاح.
وقد دفعت الشركات والبنوك الثمن بالكامل لجولة محمومة من المناقشات والعشاء، وظهر الساسة وغيرهم متحمسين بإخلاص. وكانت دافوس من اهتماماتهم لأن الأموال، والقوة تتوفران هناك.
لم يكن رجل دافوس مشهوراً دوماً. وأُدين من قبل اليمينيين، من صاموئيل هنتينجتون، وهو عالم سياسي أمريكي، على "روحه الميتة"، كونه عالمياً لا جذور له، حيث كان يزدري الكبرياء الوطني للمواطن الأمريكي العادي. أما من اليسار، فقد اتهم الناشطون المعادون للعولمة، الرؤساء التنفيذيين باستغلال الفقراء.
ولكن كانت قوته غير مفنّدة، حيث أدى انتخاب مارجريت تاتشر في المملكة المتحدة في عام 1979، ورونالد ريجان في الولايات المتحدة في عام 1980 إلى شيوع الشكوك إزاء الحكومات. وسدت الشركات الخاصة الفجوة، بالأثرياء مثل بيل جيتس، الذي لا يعمل على بناء الشركات فقط، ولكن يغتصب دور القطاع العام والحكومات في معالجة مشكلات التفاوت بين الناس، والمشكلات الاجتماعية.
إن كل هذا عرضة للخطر في الوقت الراهن. فقد دمرت الأزمة الائتمانية سمعة مصرفيي وول ستريت، وسلمت القوة للساسة والمشرعين. "ومنح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وزير المالية درجة من القوة لم يسبق لأي رئيس من قبل أن منحها، منذ فرانكلين ديلانو روزفيلت"، كما يقول نيك بيرنز، وهو أستاذ في جامعة هارفارد، ونائب وزير خارجية سابق في الولايات المتحدة الأمريكية.
وفجأة، يفتقر قادة الشركات إلى الشرعية. وجد استفتاء أمريكي أُجري من قبل "إديلمان"، وهي شركة علاقات عامة، في الخريف الماضي، أن ثقة شعب الولايات المتحدة الأمريكية بالشركات الأمريكية تراجع من 58 في المائة العام الماضي إلى 38 في المائة. وأن 49 في المائة من الأمريكيين يعتقدون أنه لا بد من السماح للسوق الحرة بأن تعمل بصورة مستقلة.
وأنا أجد هذه البيانات باعثة على القلق، لأن فشل الأزمة الائتمانية لا يتفادى الأمور الجيدة التي يمكن للشركات القيام بها. وإن مؤسسة جيتس الخيرية، وغيرها من مبادرات القطاع الخاص الهادفة إلى تحسين حالة العالم، كانت أكثر من سراب.
ويواجه رجل دافوس صراعاً لا ينطوي على مجرد العمل بحرية في الشركات، ولكن استعادة سلطته السابقة. ويبدو لي، أن رجال الأعمال عليهم القيام بأمرين لاستعادة الثقة.
الأول بسيط للغاية، برغم أنه مؤلم: توقفوا عن التصرف كالأرستقراطيين الفرنسيين من القرن الثامن عشر. فبعد فترة ممتدة من الازدهار المفرط، وارتفاع حصة المكافآت المالية التي أصبحت من حق الأشخاص الذين يحتلون القمة العليا، من السهل على أولئك أن يتخلصوا من رؤوسهم ( وهنا على أساس مجازي).
ربما يتم تمييز ثين على نحوٍ غير منصف، طالما أن "بانك أوف أمريكا" يريد أن يحوله إلى كبش الفداء، ولكن نفقات مكتبه السخية، وقراره بتسريع دفعات المكافآت المقدمة من "ميريل لينش" تشير، مثل العديد من الجهات الممولة الأخرى، إلى انفصالها الغريب عن الواقع. إن أغلب الناس سعداء، ففي الأوقات العادية، لا بد أن يكون هنالك تفاوت كبير في الدخل والثروة، وأن يحقق رجال الأعمال وأصحاب المشاريع رخاء عيشهم. والعديد منا، بعد كل شيء، نضمر آمالنا بأن نتحول إلى الثراء بأنفسنا. ولكن لا بد أن يكون هنالك، كما يقول ريتشارد إدلمان، مدير الشركة التي تحمل اسمه، بعض "التضحيات المشتركة".
أما الأمر الثاني فهو أقل إيلاماً ولكن أصعب: إظهار الجدارة والكفاءة. وكانت ساحة لعب رجل دافوس، والمتفق عليها من قبل أغلب الناس على مدار أعوام طويلة، هي أن القطاع الخاص أفضل في إنجاز المهام من الحكومات. ولم يبد ذلك تمادياً: وإن كوارث مثل إعصار كاترينا، كشفت عجز الحكومة الأمريكية على القيام بواجباتها الأساسية تجاه المواطنين.
وتبيّن أن الأزمة الائتمانية هي إعصار كاترينا الخاص بـ"وول ستريت". وتبيّن أن الجهات الممولة ليست لديها أدنى فكرة عن المخاطر التي كانت تجازف بها، ولا يمكنها أن تنقذ بنوكها من الغرق في العاصفة. ويتبادر السؤال التالي حينئذٍ: إذا لم يكن رجل دافوس قادراً على القيام بهذه المهمة، فلماذا علينا أن نسمح له بالقيام بأي شيء آخر؟
في الوقت الراهن، حتى في الهواء عالي النقاء لدافوس، لا توجد إجابة واضحة على هذا السؤال. وشخصياً، آمل أن يتمكن قادة الشركات من استعادة الثقة بأخلاقياتهم، وكفاءتهم بأسرع ما يمكن، لأنه من غير السار التفكير في البديل. ولكن بعض الأشخاص سيستمعون له، ناهيك عن الذين سيتبعونه إلى أن يفعلوا ذلك.

