الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

مع الأسف، فإن الإجماع على تحميل الولايات المتحدة تلك "الخطيئة" غير صحيح. الأزمة هي نتاج للاقتصاد العالمي. ولا يمكن علاجها من قبل الولايات المتحدة فقط.

من حسن الحظ أن أوباما يتمتع بالسلطة اللازمة لقيادة العالم نحو الحل. ذلك أن يديه نظيفتان، كما افتقاره إلى الرغبة في إخراج بلده من دائرة اللوم هو أمر بيِّن. كذلك فإن مصلحة الولايات المتحدة والعالم أن يتحسن ويتقوى وضع الاقتصاد العالمي. فإذا أخفقت هذه الجهود فإنني أخشى أن تكون النتيجة بعث الحمائية من جديد.

أين يكمن الإخفاق العالمي؟ إنه يكمن في التفاعل الخبيث بين ميل بعض البلدان نحو الفائض المزمن في العرض، من جهة، وبين الميل المضاد لبلدان أخرى نحو الفائض المفرط في الطلب، من جهة أخرى. هذا هو موضوع كتابي "إصلاح التمويل العالمي".

#2#

ولكن أهم نقطة حول الاقتصاد العالمي اليوم هي أن اقتراض الأسر المدفوع بالائتمان، والذي ساند فائض الطلب في البلدان ذات العجز، توقف بصورة مفاجئة. هذه الملاحظة تأتي كنتيجة منطقية: عند المستوى العالمي، لا بد أن يكون العرض مساوياً للطلب. السؤال الوحيد الذي يتبقى بعد ذلك يدور حول كيفية حدوث التعديل.

مايكل بيتيس Pettis ، الأستاذ في جامعة بكين، عرض هذه الحجة في صحيفة فاينانشيال تايمز في العدد الصادر في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2008. بيتيس يعتبر أن العالم منقسم إلى معسكرين اقتصاديين: الأول يضم البلدان ذات الأنظمة المرنة في التمويل الاستهلاكي والاستهلاك العالي. والثاني يضم البلدان ذات الادخار والاستثمار العالي.

الولايات المتحدة هي أهم مثال على المعسكر الأول. والصين هي أهم مثال على المعسكر الثاني. وتعتبر إسبانيا وبريطانيا وأستراليا نسخاً مصغرة من الولايات المتحدة. أما ألمانيا واليابان فتعتبران نسختين ناضجتين من الصين المعاصرة.

جادلت بأن القوة المحركة وراء هذه "الاختلالات" هي سياسات البلدان ذات الفائض، خصوصاً الصين، التي اتسع الفائض لديها بصورة سريعة على وجه الخصوص. هذه البلدان اتسمت بإدارة سعر الصرف لعملتها، ووجود تراكمات هائلة من احتياطي العملات الأجنبية، وتعقيم آثارها النقدية، والانضباط الشديد في المالية العامة، واحتفاظ الشركات بمبالغ كبيرة من أرباحها، كل ذلك عمل على توليد معدلات للادخار في بعض البلدان، تزيد كثيراً على 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفائض في الحساب الجاري يزيد على 10 في المائة. يبدو أن مدخرات الأسر تولد أقل من ثلث إجمالي المدخرات. الاستثمار بدوره صب في العرض المتوسع، بما في ذلك الصادرات: في الصين ارتفعت نسبة الصادرات إلى الناتج المحلي الإجمالي، من 20 في المائة في بداية عام 2002 إلى 37 في المائة في عام 2007.

عدد من صانعي السياسة، بمن فيهم هانك بولسون، وزير المالية الأمريكي السابق، يعتقد أن تجاوز وإسراف البلدان ذات العجز، كان إلى حد ما استجابة لسلوك البلدان ذات الفائض. وقد قيل إن جانج جيانهوا، من البنك المركزي الصيني، صرح بأن "هذه النظرة مثيرة للسخرية تماماً، وغير مسؤولة، ومنطقها منطق رجال العصابات".

من هذا المنظور فإن المسبب الوحيد لنمط حالات العجز والفائض العالمية هو صانعو السياسة الغربيون، خصوصاً سياسات البنك المركزي الأمريكي النقدية المتراخية، والتوسع غير المنضبط (وغير المنظم حكومياً) للائتمان.

على العموم، بصرف النظر عن الجهة صاحبة المسؤولية الأولى في ذلك، فإن هناك أمراً واحداً نحن على ثقة به: الفقاعات الهائلة في أسعار الموجودات، جعلت من الممكن وجود العرض الفائض في بعض البلدان، خصوصاً الصين.

منذ الأزمة المالية الآسيوية خلال العامين 1997 – 1998، فإن البلدان المتقدمة، خصوصاً الولايات المتحدة، مرت بصورة متكررة ومتتالية، بأكبر فقاعتين: في سوق الأسهم وفي السوق السكنية (مدفوعة بالائتمان) في تاريخها. هذا العصر انتهى الآن. وسنظل نكابد آثاره لعدة سنين.

ما الذي سيحدث الآن؟ انهيار الطلب من القطاع الخاص في البلدان الضعيفة ذات العجز يمكن أن ينتهي بواحدة من اثنتين: إما عن طريق زيادة الطلب ليتوازن مع العرض، أو عن طريق التقليص القاسي تماماً في العرض.

إذا كان التعديل سيتم عن طريق التقليص في العرض، فإن البلدان ذات الفائض معرضة للخطر بصورة خاصة، على اعتبار أنها تعتمد على رغبة واستعداد بلدان العجز لإبقاء الأسواق مفتوحة.

كان هذا هو الدرس الذي تعلمته الولايات المتحدة في الثلاثينيات. البلدان ذات الفائض تشعر بالمتعة حين تدين زبائنها على تبذيرها وإسرافها. ولكن حين يتوقف الإنفاق، تصاب تلك البلدان بالضرر والأذى. فإذا حاولت تقديم الدعم الحكومي لمساندة فائض العرض، استجابة لتراجع الطلب، فإن رد الفعل الانتقامي يبدو مؤكداً.

من الواضح أن التوسع في الطلب هو الحل الأمثل. لكن المهم في هذا المقام هو متى، وكيف؟ في الوقت الحاضر فإن معظم التوسع يُتوقع له أن يأتي من الميزانية الفيدرالية للولايات المتحدة.

سيؤجل بحث موضوع ما إذا كانت هذه الخطوة ستحقق النجاح. حتى الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل عجز في المالية العامة، بنسبة 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما لا نهاية. لا بد أن يأتي معظم التوسع الضروري في الطلب العالمي من البلدان ذات الفائض.

إدارة هذا التعديل هي بصورة كبيرة أكبر تحد يواجه مجموعة العشرين (من البلدان المتقدمة وذات الأسواق الناشئة)، التي ستجتمع في لندن في أوائل شهر نيسان (أبريل) المقبل. لا بد أن يتولى أوباما قيادة هذا المجهود. يستطيع (بل وينبغي عليه) أن يقول إنه يتوقع أن تتم هذه التعديلات، ولكنه يفهم أن تنفيذها يحتاج إلى وقت.

كذلك بإمكانه أن يتحمل إجراءات استثنائية في المالية العامة وفي السياسة النقدية على المدى القصير، إذا ما اجترح الشركاء التجاريون الرئيسيون لأمريكا، التعديلات اللازمة على المدى المتوسط في إنفاقهم. الصين على وجه الخصوص بحاجة إلى أن تخلق اقتصاداً مدفوعاً بالاستهلاك. وهذا أيضاً في مصلحة العالم.

مع ذلك ينبغي ألا تقتصر اقتراحات الولايات على هذه الفكرة فقط. إذا أردنا أن يقل اعتماد الاقتصاد العالمي على الفقاعات المدمرة، فإن الحاجة تدعو إلى تدفق مزيد من رأس المال العالمي، إلى الاستثمار في البلدان ذات الأسواق الناشئة.

لكن المشكلة هي أن التدفقات التي من هذا القبيل تؤدي دائماً إلى الأزمات. وهذا هو السبب في أن البلدان ذات الأسواق الناشئة، اختطت لنفسها مسار تكويم احتياطيات هائلة من العملات الأجنبية في هذا العقد. بالتالي فإن من الضروري أن نجعل الاقتصاد العالمي، أكثر مساندة بكثير للاقتراض الصافي من قبل البلدان ذات الأسواق الناشئة.

ما نحتاج إليه من أجل ذلك هو تأمين أكبر حجماً بكثير وأكبر كفاءة بكثير، ضد المخاطر التي تمس النظام بأكمله، وهو تأمين يفوق ما يقدمه صندوق النقد الدولي في الوقت الحالي.

هناك خطوة مهمة تماماً في هذا المقام، وهي إعادة هيكلة نظام الحوكمة في الصندوق، ليجعله أكثر استجابة لاحتياجات المقترضين المسؤولين. وإحدى الأفكار التي ينبغي أن تأتي من أوباما هي اقتراح إنشاء لجنة عالية المستوى، للتوصية بإجراء إعادة هيكلة جذرية للمؤسسات العالمية، بهدف تقليل المخاطر من أزمات الأسواق الناشئة التي سبقت عهد فقاعات البلدان المتقدمة.

يجب أن نكون واضحين حول الأمور المهمة التي يمكن أن تؤدي إلى الفوز أو الهزيمة. من المهم تماماً شطب الفوضى الحالية الهائلة، ولكن من الواضح كذلك أن الاقتصاد العالمي المفتوح لن يكون قابلاً للاستدامة، إذا ظل معتمداً على الفقاعات. إن انهيار العولمة الآن ليس بالخطر الهين. الرئيس أوباما موجود لحظة إعادة خلق النظام الاقتصادي العالمي. وهذا تحد يتعين عليه أن يتصدى له (بالارتفاع إلى مستواه).

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية