يحاول الأجانب مرة أخرى إقامة السلام بين إسرائيل وفلسطين
في الوقت الذي تكثف فيه مجموعة كبيرة من الدبلوماسيين جهودهم لتعزيز وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في قطاع غزة بعد الثامن عشر من كانون الثاني (يناير)، لا يزال سكان المنطقة المتضررون، والبالغ عددهم 1.5 مليون شخص، يكافحون بشدة للحصول على المساعدة التي هم بأمس الحاجة إليها. ويشعر سكان غزة بالرعب من احتمالية تجدد العنف، حيث تم استئناف الهجمات الانتقامية على مستوى منخفض نسبيا ولكنه لا يزال خطرا. ويعتمد معظم سكان غزة الآن على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة. وفي غضون ذلك، التقى ممثلون عن إسرائيل، وعديد من الفصائل الفلسطينية، والاتحاد الأوروبي، وكذلك مبعوث السلام الأمريكي الجديد، George Mitchell، في العاصمة المصرية، القاهرة، لمناقشة شروط سلام أكثر استدامة.
ولم يتم في المحادثات فقط مناقشة تأمين وقف إطلاق نار رسمي وإيصال المساعدات الإنسانية المباشرة إلى القطاع المتضرر، ولكن أيضا مجموعة من القضايا الصعبة الأخرى. وتشمل تلك القضايا الترتيبات طويلة الأجل للمعابر الحدودية لغزة، ومصير الجندي الإسرائيلي المختطف الذي تحتجزه حماس وآلاف الفلسطينيين المعتقلين من قبل إسرائيل، وصفقة تقاسم السلطة بين حماس ومنافساتها. وإذا كانت حماس مقيدة في إطار حكومة فلسطينية أوسع، يمكن للغرباء مساعدة الفلسطينيين مع عدم التعامل مباشرة مع الجماعة الإسلامية، التي لا تزال تحتفظ بالسيطرة الفعلية على غزة على الرغم من وحشية الهجوم الإسرائيلي على غزة الذي دام ثلاثة أسابيع.
ولا تريد إسرائيل ولا حماس استئناف القتال. فقد لمّح كلاهما إلى أنهما قد يوافقان على وقف إطلاق النار لمدة عام؛ ولمّحت حماس سرا بوقف إطلاق النار لمدة 18 شهرا. واقترحت مصر أن يكون الخامس من شباط (فبراير) تاريخ بدء وقف إطلاق النار. وقالت حماس أيضا إنها قد توافق على وجود مراقبين دوليين داخل حدود غزة لمراقبة وقف إطلاق النار. ويصر الحزب الإسلامي، الذي استولى على السيطرة على المنطقة من السلطة الفلسطينية التي تديرها جماعة فتح المنافسة عام 2007، على أن يتم فتح الحدود بصورة كاملة أمام التجارة. إلا أن إسرائيل، التي تحاصر غزة منذ استيلاء حماس عليها، مصممة على مواصلة عمليات التفتيش الصارمة تحت أي ظرف من الظروف. فلا تزال إسرائيل مثلا تمنع دخول شحنات الأسمنت وحديد التسليح المستخدم في البناء، على أساس أنه يمكن استخدامه لأغراض عسكرية.
وعلى الرغم من الضغوط من أجل التهدئة، عادت الطائرات الإسرائيلية لقصف أنفاق التهريب تحت الحدود بين مصر وغزة عشية السابع والعشرين من كانون الثاني (يناير)، مما أجبر المئات من أهل غزة على الهرب مجددا. وقالت إسرائيل إن موجة الهجمات هي انتقام للقنبلة التي ضربت دورية إسرائيلية على الحدود بين غزة وإسرائيل، التي تسببت في مقتل جندي واحد. وبعد ذلك استجابت حماس، التي نفت مسؤوليتها عن هذا الهجوم، عن طريق إطلاق صاروخ هبط في إسرائيل دون أن يتسبب بأي أذى.
ومن المرجح أن جماعة الجهاد العالمي الصغيرة هي التي وضعت قنبلة الحدود. إلا أن إسرائيل قالت إنها تحمّل حماس المسؤولية. وأصر أهم ثلاثة قادة في الدولة، إيهود أولمرت، رئيس الوزراء، وتسيبي ليفني، وزيرة الخارجية، وإيهود باراك، وزير الدفاع، علانية على أن عمليات الانتقام القوية ضرورية لتعزيز قوة الردع التي يزعمون أنهم أعادوا إيجادها نتيجة لحملة غزة.
أولويات المبعوث الجديد
على أية حال، كان وزراء إسرائيل حريصين على استكمال جولة العمليات الانتقامية هذه قبل وصول Mitchell إلى إسرائيل. وقد كانت من المتوقع أن يركز أولا على دعم وقف إطلاق النار، عن طريق توجيه مساعدات إعادة البناء من خلال السلطة الفلسطينية التي تديرها فتح لا من خلال حماس، وأيضا على التدابير الرامية لمنع الأسلحة من الوصول إلى غزة عبر أنفاق تقع تحت الحدود مع مصر أو عن طريق البحر من إيران.
ولتحقيق هذه الغاية، كان الأمريكيون والدنماركيون يخططون لعقد مؤتمر في كوبنهاجن في أوائل شباط (فبراير). وقد تنضم فرنسا وألمانيا وحكومات أوروبية أخرى إلى القوة البحرية، ربما تحت رعاية الناتو، من أجل حراسة شواطئ غزة. ومن المرجح أيضا أن تحضر مصر، التي تشعر بالقلق من أن تقوض القوات الأجنبية على جانبها من الحدود مع غزة سيادتها في صحراء سيناء، الاجتماع في الدنمارك. ويقول الإسرائيليون إنهم راضون عن مدى جدية الحكومات الأجنبية، خاصة الحكومة الأمريكية الجديدة، فيما يتعلق بقبول تحدي منع حماس من إعادة التسلح بالصواريخ.
وفي تغيير ملحوظ للموقف، أشاد مسؤولون إسرائيليون أيضا بموقف مصر الصارم تجاه (حماس) وجهودها لمنع تهريب الأسلحة، على الرغم من الانتقادات التي تم صبها على المصريين من قبل الكثير من أنصار (حماس). لذا قد تتخلى إسرائيل عن اعتراضها على ما تطالب به مصر منذ فترة طويلة بزيادة حجم قوتها على الحدود، التي تم تحديد عددها في معاهدة مشتركة. وفي حين وجدت مصر صعوبة في سد الأنفاق، إلا أنها أبقت حدودها الرسمية مع غزة مغلقة بحيث لا يدخلها شيء باستثناء قدر ضئيل من المساعدات الإنسانية، قائلة إنه يجب أن تسيطر هيئة حكومية مناسبة على المعبر في الجانب الفلسطيني، مثل السلطة الفلسطينية، ولكن ليس حماس.
ولا تزال إسرائيل تريد ربط إعادة فتح المعابر بصورة كاملة بإطلاق سراح الجندي المختطف، جلعاد شاليط. وترفض حماس حتى الآن ذلك، حيث تصر على صفقة منفصلة لتبادل الأسرى. إلا أن حكام إسرائيل، الذين يواجهون تحدي منافسيهم من اليمين، سيجدون صعوبة في تقديم تنازلات حول هذه القضية الحساسة خلال الفترة التي تسبق الانتخابات العامة في العاشر من شباط (فبراير). واستدعى الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، والد العريف شاليط إلى باريس لطمأنته بأن ابنه، وهو مواطن إسرائيلي وفرنسي في نفس الوقت، لا يزال على قيد الحياة.
وإذا كان القتال دعم اليمين الإسرائيلي، فإن الفصائل الفلسطينية التي تقف مع (حماس) تعتقد أيضا أن عززها. لذا من المؤكد أنهم سيكونون صارمين في التفاوض مع فتح مع استمرار جهود إنشاء حكومة وحدة وطنية. ويريد الوسطاء المصريون أن تبدأ محادثات المصالحة الرسمية بين (حماس) و(فتح) في 22 من شباط (فبراير)، ولكن من غير المتوقع أن يتم إجراء انتخابات تسمح للشعب الفلسطيني بتقرير الحزب الذي يريده أن يدير شؤونه قبل العام المقبل. ولكن دون وجود جبهة فلسطينية موحدة، من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على إسرائيل التفاوض على سلام دائم.
