الخميس, 8 أكتوبر 2026|25 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يزيد الدين العام بأسرع وتيرة له منذ الحرب العالمية الثانية في الوقت الذي تكافح فيه الحكومات الأزمة المالية والركود. فهل ستنجح الأسلحة المالية؟

يمكن للحكومات أن تلعب دورا مفيدا أو مضرا، وذلك اعتمادا على موقفها تجاه الشركات، كما يقول David Arkless من شركة Manpower لخدمات التوظيف. فإذا ركزت اهتمامها على العمل مع الشركات لتسهيل حركة العمالة إلى حيث يوجد عمل لهم في المستقبل، عن طريق توفير تدريب المهارات والحوافز المالية للعمال الذين يمرون بمرحلة انتقالية مثلا، قد يكون الانكماش الاقتصادي حينها أقل إيلاما مما يبدو مرجحا الآن. (من العوامل المساعدة أيضا الانتعاش السريع للإقراض للشركات الصغيرة التي تعتبر المحرك الرئيسي لإيجاد فرص عمل في معظم الدول.) ولكن إذا حاولت الحكومات منع الشركات من إحداث التغييرات التي تريدها في القوى العاملة لديها، فمن المحتمل أن تكون النتيجة فترة كآبة طويلة.

وعلى الرغم من أن دعم أوباما لتعزيز قدرة النقابات على الدخول لأماكن العمل قد يكون علامة مثيرة للقلق، إلا أن الاقتصاد الأمريكي أكثر مرونة في مجال التوظيف من عديد من الدول الأوروبية. ويقول Arkless إنه إذا لم يحدث تغيير جذري للمواقف تجاه تخفيض الوظائف في أوروبا، "فلا شك أن الشركات الأمريكية ستخرج من هذا الانكماش وهي أفضل من أي شركات في أي منطقة أخرى في العالم، وذلك بسبب نموذجها المرن للتوظيف." وليس في هذا عزاء لأي شخص يواجه احتمالية البطالة، ولكنه رسالة يجدر بالسياسيين أن يأخذوها بجدية.

ويدرك كثيرون أن الاقتصاد العالمي يمر بأخطر حالة له منذ الثلاثينيات. فالطلب يتناقص في جميع أنحاء العالم، حيث إن الشركات والمستهلكين تضرروا من الأسواق المالية التي تعاني خللا وظيفيا وتقلص الثروات وارتفاع البطالة وانتشار الخوف. وتوحي أحدث توقعات صندوق النقد الدولي، التي تم نشرها في الثامن والعشرين من كانون الثاني (يناير)، بأن عام 2009 سيجلب أعمق ركود عالمي في حقبة ما بعد الحرب.

وللحد من هذا الركود، ترد الحكومات الهجوم بنشاط بالغ نادرا ما تظهره في أوقات السلم. وفي بعض الدول، ولا سيما الصين، يتم المبالغة في التقديرات الرسمية للحوافز المالية المحتملة. ولكن لا تزال الاستجابة ضخمة، حتى لو تم تعديلها لتجنب الغلو البيروقراطي. وبقياسها وفقا لحجم الاقتصادات، فإن خطط الاقتصادات الكبيرة المتقدمة والناشئة الـ 11 تساوي في المتوسط 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي- مع أنه سيتم إنفاقها على مدى عدة سنوات. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تدخل التخفيضات الضريبية والإنفاق بقيمة 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي حيز التنفيذ هذا العام.

وفي كثير من الدول الغنية، كانت الحوافز تساوي قيمة- وغالبا تقل عن- التكاليف الأولية لعمليات الإنقاذ المالية، بما في ذلك إعادة رسملة البنوك والضمانات على الأصول المتعثرة. وقد وعدت الخزانة الأمريكية حتى الآن بمنح نحو تريليون دولار (7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) لصناعة التمويل.

وإذا أضيفت العائدات الضريبية المفقودة جراء انخفاض الناتج وهبوط أسعار الأصول فضلا عن الإنفاق إلى إعانات البطالة الأكبر، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع العجز المالي للدول الغنية مجتمعة إلى 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2009، بعد أن كان أقل من 2 في المائة عام 2007. وبحلول نهاية هذا العام، قد يكون إجمالي الدين الحكومي للعالم المتقدم، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، أعلى بمقدار 15 - 20 نقطة مئوية مما كان عليه قبل عامين.

وتعاني الاقتصادات الناشئة عجزا ماليا أقل، لأن صناعاتها المصرفية ليس فوضوية بقدر الاقتصادات المتقدمة ولأن خطط الحوافز الخاصة بها أصغر بصورة عامة. إلا أن تلك الاقتصادات ستعاني أيضا عجز ميزانية بنسبة 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كان لديها فائض فيها عام 2007. وباختصار، تزيد ديون القطاع العام بأسرع وتيرة لها منذ الحرب العالمية الثانية.

وتتفق معظم الاقتصادات على أن العجز المالي مناسب ولا يمكن تجنبه في الوقت نفسه. ولتجنب تحول الركود الحاد إلى كساد، على الحكومات التدخل لوقف الانهيار المالي ومواجهة انخفاض الطلب الخاص. ويبدو أن الأسواق المالية تتفق مع هذا الرأي. فعائدات السندات الحكومية في معظم الدول الغنية منخفضة للغاية في الوقت الذي يطالب فيه المستثمرون المصدومين بسلامة الدين العام.

ولكن بدأت تظهر بعض الدلائل التي تشير إلى الهيجان. فقد ارتفعت أسعار الضمانات المتبادلة في حال التقصير الائتماني على الديون السيادية بصورة حادة، مما يوحي بأن المستثمرين يعتقدون أن خطر التخلف عن السداد كبير. وفي العالم الغني، ارتفعت أقساط التأمين ضد المخاطر بصورة كبيرة بالنسبة للحكومات المدينة أصلا مثل حكومات اليونان وإيطاليا. وشهدت عائدات السندات لمدة 30 عاما في أمريكا أكبر زيادة لها منذ عقدين في منتصف كانون الثاني (يناير)، وسط قلق المستثمرين بشأن طلب الحكومة الأمريكية للمال.

ويعكس هذا الهيجان جزئيا عدم اليقين بشأن الكيفية التي سيتم بها تمويل ديون الحكومة. إلا أن مصدر القلق الحقيقي هو أن تكون الأسعار العامة في النهاية أكبر بكثير مما توحي الأرقام الحالية.

ويبدو هذا ممكنا. فعلى الرغم من مدى ضخامة التكاليف المباشرة لعمليات التنظيف المالي، إلا أنها تبدو متواضعة مقابل حجم الفوضى المصرفية وتكاليف الأزمات المصرفية السابقة. وحتى الآن، وضعت الحكومة الأمريكية أقل من نصف الأموال العامة في القطاع المالي، مقارنة بحجم اقتصادها، كما فعلت اليابان في التسعينيات. وستبرز الحاجة إلى مزيد من هذا المال إذا أنشأ فريق باراك أوباما، كما تقول الشائعات، بنكا سيئا لتولي القروض المتعثرة ووضع مزيد من رأس المال في البنوك. وتشير أحدث تقديرات لـ Goldman Sachs إلى أن القيمة الإجمالية للأصول المتعثرة للبنوك الأمريكية كانت 5.7 تريليون دولار؛ وهذا يجعل التكلفة الأولية البالغة عدة تريليونات من الدولارات تبدو محتملة.

وسيكون صافي التكلفة - وبالتالي صافي الإضافة للدين العام طويل الأجل - أصغر بكثير. ويقدّر صندوق النقد الدولي أنه في المتوسط تستعيد الدول الغنية نصف نفقاتها لعمليات الإنقاذ المالية. فقد استعادت السويد، التي تعد عملية الإنقاذ المصرفي التي نفذتها نموذجا يحتذى، أكثر من 90 في المائة. وقد تتمكن أمريكا في النهاية من استعادة نفقات بنسبة تقارب تلك النسبة، ولكن يجب أن يكون الاستثمار الأولي كبيرا.

استرخ وأنفق

مع الأسف، فإن التكلفة السياسية لإنقاذ المصرفيين والمبالغ الهائلة التي تم إنفاقها تعني أن كثيرا من السياسيين في الدول الغنية سيترددون في إنفاق الكثير. ويشير التاريخ إلى أن هذا خطأ. فالفشل في إصلاح النظام المالي الممزق سيؤدي سريعا إلى ركود أطول؛ كما يجعل الحوافز المالية أقل فعالية بكثير. قارن بين اليابان، التي كان لديها عديد من رزم الحوافز المالية في التسعينيات ولكنها فشلت في الخروج من الركود إلى أن تم حل مشكلة ديونها أخيرا، وبين كوريا الجنوبية عام 1997، التي أنفقت 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على رزمة إنقاذ مصرفي كبيرة وبصورة سريعة.

وقد تكون التكاليف المالية لمثل هذا الخطأ هائلة. ففي دراسة جديدة، تشير تقديرات Carmen Reinhart من جامعة ماري لاند وKen Rogoff من جامعة هارفارد، إلى أن الأزمات المصرفية الكبيرة في فترة ما بعد الحرب زادت، في المتوسط، الدين العام بنسبة تزيد على 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ولم تأت معظم تلك الزيادة من عمليات الإنقاذ المالية بل من فترات الركود الطويلة والتوسعات المالية التي تهدف إلى مكافحتها. وحتى في هذا العام، نتج نصف التدهور في حالات العجز في العالم الغني من الضعف الاقتصادي.

وإذا لم تكن الحوافز المالية بديلا عن عمليات التنظيف المصرفية، فهي تشكل دعم مهم في وقت انخفاض الطلب. إلا أن الكثير يعتمد على مدى دقة وضع الخطط. وتتوقع جميع الاقتصادات الكبيرة بعض التخفيضات الضريبية، خاصة للأفراد. (تخطط القليل منها فقط، بمن فيها كندا وروسيا، تخفيض الضرائب على الشركات). إلا أن تركيز الدعم المالي العالمي يتمحور حول الإنفاق، خاصة على البنية التحتية.

وتشير النظرية الاقتصادية إلى أن هذا أمر منطقي. فحين يسيطر عدم اليقين على الشركات والمستهلكين، يكون إنفاق الحكومة طريقة أضمن لتعزيز الطلب. وقد يدخر المستهلكون والشركات المال. إلا أن الدلائل العملية ليست حاسمة. فتقديرات الاقتصاديين للتأثير "المضاعف" لإنفاق الحكومة والتخفيضات الضريبية تختلف على نطاق واسع، كما أن هناك دراسات معتمدة بالقدر نفسه تظهر نتائج معاكسة. والأهم من ذلك هو أن حجم الركود العالمي يعني أن المضاعفات التاريخية قد لا تعني الكثير. ويشير هذا إلى أنه من الحكمة تبني استراتيجية واسعة - تشمل كل من التخفيضات الضريبية والإنفاق.

إلا أنه من غير الحكمة توزيع الحوافز بين الدول. فالرزمة المالية الأمريكية، البالغة 800 مليار دولار أو أكثر، ستكون الأكبر بالقيمة المطلقة وإحدى الرزم الأكبر مقارنة بحجم اقتصادها. ومن المؤسف أن تكون رزم الدول الغنية الدائنة، مثل ألمانيا، أقل بكثير. أما في العالم الناشئ، فإن جرأة الصين تستحق الثناء، كما أن دعامات الاحتياطات الكبيرة منحت اقتصادات ناشئة أخرى أيضا مجال أكبر. إلا أن كثيرا من الدول ستكتشف أن قدرتها على الاقتراض مقيدة بسبب هروب المستثمرين من المخاطر - وزيادة الدين العام في العالم الغني. ويتوقع معهد التمويل الدولي، الذين يتكون من مجموعة من المصرفيين، في أحدث تقديرات له أن تبلغ تدفقات رأس المال من القطاع الخاص إلى الاقتصادات الناشئة 165 مليار دولار فقط هذا العام، أي أقل بنسبة تزيد على 80 في المائة عنها عام 2007.

وإذا تردد السياسيون في إنقاذ البنوك، وإذا لم تضع الدول القادرة حوافز كافية دون أن يسبب لها ذلك الضرر، وإذا ابتعد المستثمرون الخائفون عن الأسواق الناشئة، فإن احتمالات حدوث انتعاش دائم للاقتصاد العالمي تبدو ضئيلة. وسيعني هذا بدوره زيادات أكبر بكثير في الدين العام. فإذا دام الانكماش عدة سنوات، قد ترتفع نسب الدين الحكومي بسهولة بنسبة 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي أو أكثر.

وليس من الضروري أن يكون هذا كارثيا. فيمكن للحكومات أن تبذل جهودا كبيرة للتخلص من أعباء الديون الضخمة دون أن تتخلف عن السداد أو تتسبب في رفع التضخم. فخلال الحرب العالمية الثانية مثلا، ارتفع إجمالي الديون في بريطانيا إلى أكثر من 200 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ وبلغ في أمريكا 120 في المائة. وخلال التسعينيات، سمح النمو السريع والحذر المالي لدول مثل أيرلندا وكندا أن تخفض مستويات ديونها بصورة كبيرة.

إلا أن الاختلاف هذه المرة هو أن العالم الغني يواجه بالفعل تكاليف شيخوخة السكان، التي ستزيد العبء المالي عدة أضعاف أكثر مما هو متصور حتى في أحلك السيناريوهات للأزمة المالية. وفي الوقت الحالي، لا بد من زيادة النشاط المالي، إلا أن النتائج ستكون أكبر وأطول أمدا مما يدرك الكثيرون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية