الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تحتاج آسيا إلى محرك جديد للنمو

يبدو هذا غير منصف أبدا. فمعظم الاقتصادات الآسيوية تعتبر نماذج للحذر. ففي الوقت الذي كانت فيه الأسر الأمريكية والأوروبية تقترض إلى أقصى حد ممكن، كانت الأسر الآسيوية تخزن مدخراتها. وفي الوقت الذي كانت فيه البنوك في الدول الغنية تجمع أصولا خطرة، لم تحتفظ البنوك الآسيوية بالكثير من مثل تلك الأصول. وفي الوقت الذي كانت فيه أمريكا وبريطانيا تستنزفان مدخرات العالم، جمعت الحكومات الآسيوية مخزونات هائلة من الاحتياطيات الأجنبية.

ومع ذلك، يبدو أن الكثير من اقتصادات النمور الآسيوية تضررت بصورة أكبر من نظيراتها الغربية المبذرة. ففي الربع الرابع من عام 2008، انخفض الناتج المحلي الإجمالي على الأرجح بمتوسط سنوي يبلغ نحو 15 في المائة في هونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، وانخفضت صادراتها بمتوسط سنوي يزيد على 50 في المائة. وانخفضت أسعار الأسهم في آسيا الناشئة بنسبة تقارب نسبة انخفاضها خلال الأزمة المالية الآسيوية قبل عقد من الزمن. وقد كانت تلك الأزمة ناتجة عن اعتماد آسيا المفرط على رأس المال الأجنبي. ولكن هذه المرة تعثرت النمور بسبب اعتمادها المفرط على الصادرات.

ولطالما كانت الاقتصادات الآسيوية الناشئة هي الأكثر نشاطا في العالم، حيث كان ناتجها المحلي الإجمالي ينمو بمعدل سنوي يبلغ 7.5 في المائة خلال العقد الماضي، أي أسرع بضعفين ونصف من بقية العالم. وفي الصيف الماضي، حذر الأجانب العديد من هذه الدول بأنها تنمو بصورة سريعة جدا وأن عليها رفع أسعار الفائدة لتجنب ارتفاع التضخم. ويبدو الآن أن الكثير منها يتهاوى، ومن المرجح أن تكون الأخبار المستقبلية أكثر كآبة.

وفي الربع الرابع من عام 2008، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بمتوسط سنوي يبلغ 21 في المائة في كوريا الجنوبية و17 في المائة في سنغافورة، مما جعل الناتج في كل من الدولتين أقل بنسبة 3 إلى 4 في المائة عنه قبل عام. واعترفت الحكومة السنغافورية أن اقتصادها قد يتقلص بنسبة 5 في المائة هذا العام، وهو أعمق ركود لها منذ استقلالها عام 1965. وبالمقارنة، يبدو نمو الصين البالغ 6.8 في المائة خلال العام حتى الربع الرابع قويا، إلا أن التقديرات المعدلة موسميا توحي بأن الناتج كان راكدا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.

ولم تعلن اليابان بعد، التي تعد العملاقة الآسيوية الأكثر ثراء، عن أرقام ناتجها المحلي الإجمالي، إلا أن الصادرات انخفضت بنسبة 35 في المائة خلال 12 شهرا حتى كانون الأول (ديسمبر). وفي نفس الفترة، انخفضت صادرات تايوان بنسبة 42 في المائة وانخفض الإنتاج الصناعي بنسبة كبيرة بلغت 32 في المائة، أي أسوأ من أكبر انخفاض سنوي في أمريكا خلال فترة الكساد العظيم.

واستفادت اقتصادات آسيا المدفوعة بالصادرات أكثر من أي منطقة أخرى بالازدهار الاستهلاكي في أمريكا، لذا كان لا بد أن تتضرر شركات التصنيع فيها بشدة جراء الانخفاض المفاجئ. إلا أن الصادرات الآسيوية متقلبة على أية حال. وعلى الرغم من أن انخفاض صادرات المنطقة بنسبة 13 في المائة خلال 12 شهرا حتى كانون الأول (ديسمبر) يبدو أقل قليلا منه عام 1998 أو 2001، إلا أنه يبدو من المؤكد أن هذه السجلات الكئيبة ستصبح أسوأ قريبا.

وتفاقم انخفاض الصادرات جراء أزمة الائتمان العالمية التي صعبت الحصول على التمويل التجاري. وتسببت عمليات التصفية على نطاق واسع في تخفيض الناتج أكثر. وانخفض معدل التجارة داخل آسيا بنسبة أكبر من انخفاض مبيعات المنطقة إلى أمريكا أو أوروبا. وكانت الصادرات إلى الصين من بقية دول آسيا أقل بنسبة 27 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) عنها قبل عام، مما يعكس جزئيا الطلب الأضعف على مكونات التجميع إلى سلع بغرض إعادة التصدير.

وعلى الرغم من الصدمة التي أثارتها إحصاءات الصادرات، إلا أنها لم تكن مسؤولة بالكامل عن مشاكل آسيا. فإذا أمعنا النظر في الأرقام، نجد أن المستوردات انخفضت في معظم الدول بنسبة أكبر من انخفاض الصادرات، وأن ضعف الطلب المحلي يفسر جزءا كبير من الانكماش.

ففي الصين مثلا، كان ضعف الإنفاق المحلي - الناتج أساسا عن انهيار بناء المنازل - يشكل أكثر من نصف التباطؤ في الدولة عام 2008. وفي كوريا الجنوبية، أسهم صافي الصادرات إيجابا في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع، في حين انخفض الإنفاق الاستهلاكي والاستثمارات الثابتة بمعدل سنوي بلغ 18 في المائة و31 في المائة على التوالي. وتعد كوريا الجنوبية استثناء من القاعدة الآسيوية القائمة على الحذر. فديون عائلاتها تبلغ 150 في المائة من الدخل المتاح، وهي نسبة أعلى منها في أمريكا. كما تضرر أيضا النظام المصرفي بشدة، الذي اقترض الكثير جدا من الخارج لتمويل زيادة الإقراض المحلي، وذلك جراء أزمة الائتمان العالمية، مما صعّب على الشركات تمويل الاستثمارات.

وانهار الإنفاق المحلي في أماكن أخرى. فخلال 12 شهرا الماضية، انخفضت مبيعات التجزئة بنسبة 11 في المائة في تايوان و6 في المائة في سنغافورة و3 في المائة في هونج كونج. وعصفت العاصفة العالمية بالمدينتين-الدولتين بوصفهما مركزين ماليين كبيرين. وهناك مستويات عالية في كلا المدينتين من ملكية الأسهم، لذا فإن هبوط أسعار أسواق الأسهم المالية والعقارات يضعف الاستهلاك. ففي هونج كونج، انخفض متوسط أسعار المنازل بنسبة 20 في المائة تقريبا منذ الصيف، ويتوقع بنك Goldman Sachs الاستثماري انخفاضا آخر بنسبة 30 في المائة بحلول منتصف عام 2010.

وجاء في تقرير حديث من إعداد Frederic Neumann وRobert Prior-Wandesforde، وهما خبيران في الاقتصاد في بنك HSBC، أن آسيا تعاني ركودين: ركود محلي وركود خارجي. فقد كان من المتوقع أن يخفف الطلب المحلي الضربة الناتجة عن ضعف الصادرات، ولكن بدلا من ذلك، تضرر هذا الطلب بفعل قوتين. الأولى هي أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة في النصف الأول من عام 2008 أدى إلى تخفيض أرباح الشركات وإضعاف القوة الشرائية للمستهلكين. فالمواد الغذائية والطاقة تشكل جزءا أكبر من ميزانيات الأسر في آسيا عنها في معظم المناطق الأخرى. والثانية هي أنه في العديد من الدول، بما في ذلك الصين وكوريا الجنوبية وتايوان، فإن تشديد السياسة النقدية الذي يهدف إلى الحد من التضخم تسبب في خنق الإنفاق المحلي بصورة أكبر. وما تم إدراكه متأخرا هو أن قيود الائتمان في الصين التي هدفت إلى تقليل نشاط قطاع العقارات كانت، كما يبدو، ناجحة.

ويعزز هذين الركودين بعضهما بعضا. ويمكن القول إن جزءا من انخفاض الإنفاق المحلي ناتج عن انخفاض الصادرات، مما يجبر الشركات على تخفيض الاستثمار وتسريح الموظفين. ويجعل هذا من الصعب معرفة فيما إذا كان الطلب المحلي أم الخارجي هو المسؤول عن معاناة آسيا. وعلى أية حال، لطالما كانت أهمية الصادرات في تحقيق المعجزة الآسيوية موضع جدل. فالأرقام الأساسية تبين أنه في المتوسط تشكل الصادرات الآسيوية 47 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، بعد أن كانت 37 في المائة قبل عشر سنوات. وتتفاوت النسبة من 14 في المائة في الهند إلى 186 في المائة في سنغافورة. وفي اليابان، التي غالبا ما تعد اقتصادا مدفوعا بالصادرات، تبلغ الصادرات 16 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

إلا أن هذه النسبة تبالغ في تقدير اعتماد الدولة على الطلب الخارجي إذا كان للصادرات محتوى استيرادي عال. فصادرات الصين تشكل 36 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن نسبة النصف تقريبا منها هي "صادرات معالجة" تحتوي على الكثير من المكونات المستوردة. وبالتالي يتم جزئيا تعويض تأثير انخفاض الصادرات في نمو الناتج المحلي الإجمالي إذا انخفضت المستوردات أيضا. وتشير التقديرات إلى أن نسبة القيمة المضافة المحلية من الصادرات الصينية متواضعة، إذ تبلغ 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وهناك مقياس بديل لأهمية الصادرات، وهو التغير في صافي الصادرات بالقيمة الحقيقية. فبين الأعوام 2000 و2007، أسهمت زيادة صافي الصادرات بنسبة 15 في المائة فقط من نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الصين. وفي المقابل، شكل صافي الصادرات نسبة النصف من إجمالي النمو في سنغافورة وتايوان. إلا أن هذا المقياس يبخس تقدير التأثير الكلي لأنه يتجاهل الآثار الانتشارية للصادرات على الثقة بالأعمال والاستثمار والتوظيف والإنفاق الاستهلاكي. وعلى أية حال، فإن الاقتصادات الأصغر، مثل هونج كونج وسنغافورة وتايوان، تعتمد بصورة كبيرة على الصادرات، أما الاقتصادات العملاقة، مثل الصين والهند، فهي أقل اعتمادا على الصادرات.

لقد تمكنت آسيا من الوقوف على قدميها بعد فترات الانكماش السابقة بفضل انتعاش الصادرات إلى العالم الغني. وليس من المرجح حدوث ذلك في المستقبل القريب. والسؤال الآن هو هل يمكن أن يخفف الطلب المحلي الآن بعض هذا الركود؟ هناك أسباب تدعو للاعتقاد بأن هذا سيحدث. فانخفاض أسعار السلع يعزز القوة الشرائية للمستهلكين، تماما كما أضعفها العام الماضي. والأهم من ذلك هو تأثير التوسع النقدي والمالي.

وباستثناء كوريا الجنوبية والهند، تمكنت آسيا حتى الآن من تجنب الاضطرابات المالية التي ابتلي بها الغرب. ويعتقد الاقتصاديون في بنك HSBC أن المنطقة قد تعاني على الأرجح ضيقا ائتمانيا، ولكن ليس من أزمة واسعة النطاق. وعلى النقيض من أمريكا وأوروبا، التي قد تؤدي الديون المفرطة فيهما إلى تخفيض الإنفاق لسنوات عديدة، فإن ديون معظم الأسر والشركات الآسيوية (باستثناء كوريا الجنوبية) متواضعة. وبفضل أنظمتها المصرفية الأكثر قوة، ليس من المرجح أن تستجيب البنوك الآسيوية للأزمة عن طريق رفض الإقراض، كما فعلت البنوك الغربية. وبالتالي من المفترض أن تكون تخفيضات أسعار الفائدة وتخفيف الضوابط الائتمانية أكثر فاعلية منها في مناطق أخرى. ومن المهم بالقدر نفسه أيضا الإجراءات المالية الضخمة التي اتخذتها الحكومات في آسيا لتحفيز الاقتصاد. ومن المرجح أن تكون هذه أيضا أكثر فاعلية عنها في أماكن أخرى لأن القطاع الخاص في وضع أفضل وقادر على الاستجابة عن طريق زيادة الإنفاق.

ولم يسبق أن استخدمت آسيا أسلحتها النقدية والمالية بمثل هذه القوة. فكل دولة في جميع أنحاء المنطقة خفضت أسعار الفائدة وأعلنت عن حوافز مالية. وفي فترات الانكماش السابقة، كانت الحكومات الآسيوية مقيدة غالبا بالمالية العامة المريعة أو الحاجة لدعم العملات. إلا أن معظم الدول دخلت هذا الركود بحالات عجز بسيطة في الميزاينة أو حتى فوائض فيها. ونسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي منخفضة نسبيا في جميع الاقتصادات الآسيوية الناشئة الرئيسية ما عدا الهند.

#2#

وعلى الرغم من أن حجم الحوافز المالية في بعض الدول، خاصة الصين، أقل على الأرجح مما توحي به الأرقام التي تستحوذ على عناوين الصحف، إلا أنها كبيرة مع ذلك. فبعد التصحيح لتحاشي الحساب المزدوج والمقاييس غير الواقعية، ستحظى الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان بحوافز تبلغ 3 في المائة على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي عام 2009. وأشارت الصين إلى إمكانية اتخاذ إجراءات أخرى خلال الشهرين المقبلين؛ ولا شك أنها قادرة على تحمل تكاليف زيادة الإنفاق. وفي الثاني والعشرين من كانون الثاني (يناير)، أعلنت حكومة سنغافورة عن رزمة تدابير تعادل 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وسيتم تمويلها جزئيا، وللمرة الأولى، بواسطة استخدام احتياطيات الحكومة الهائلة.

وتعتمد فاعلية التسهيلات المالية على تكوينها وحجمها. فتخفيضات ضريبة الدخل المقررة في كوريا الجنوبية وتايوان سيكون لها تأثير متواضع فقط إذا تم ادخار المال بدلا من إنفاقه. أما التخفيضات الضريبية للشركات، المقررة في سنغافورة، فقد لا تشجع الاستثمار إذا كانت الأرباح في تناقص. وتحاول حكومة تايوان تعزيز الإنفاق الاستهلاكي عن طريق إصدار قسائم تسوق بقيمة 3600 دولار تايواني (107 دولارات أمريكية) للشخص الواحد. ويشكك الاقتصاديون فيما إذا كان هذا سيؤدي إلى تجديد الإنفاق، إلا أنه تتم مراقبة الخطة من كثب من قبل حكومات آسيوية أخرى.

وما يبعث على الأمل أن كل دولة تخطط لتعزيز الإنفاق على البنية التحتية. وعلى المدى القصير، قد تكون تلك أفضل طريقة لكي تعزز الحكومات الإنفاق وتزيد فرص العمل؛ وعلى المدى الطويل، من المفترض أن يسهم بناء طرق وسكك حديد جديدة في زيادة الإنتاجية. وقد أدى التشديد المالي في آسيا الناشئة بعد أزمة عام 1998 إلى أن تقلل الحكومات الإنفاق الرأسمالي؛ ونتيجة ذلك، ربما تكون البنية التحتية العامة في بعض الدول، خاصة إندونيسيا وتايلاند، أسوأ منها قبل عقد من الزمن. وبالتالي هناك مجال كبير لزيادة الإنفاق.

وإذا (وهي احتمالية لا تزال بعيدة) طبقت الصين وغيرها خطط الحوافز بصورة كاملة، قد يبدأ الطلب المحلي بالانتعاش في النصف الثاني من هذا العام حتى إن ظلت الصادرات ضعيفة. وقد ينخفض متوسط النمو في آسيا الناشئة إلى 4 - 5 في المائة فقط عام 2009 ككل، وهو نصف وتيرته في عام 2007 وأبطأ معدل له منذ الأزمة المالية الآسيوية. ولكنه سيكون أعلى من المستوى المنخفض الذي بلغه عام 1998، وهو 2.4 في المائة. ويخفي هذا المتوسط تفاوتا كبيرا. فاقتصادات هونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان ستتقلص هذا العام، في حين أن اقتصادات الصين والهند وإندونيسيا الأكبر ولكن الأقل انفتاحا ستصمد بصورة أفضل.

التسوق أم انهيار الطلب

إن لدى الحكومات الآسيوية مخاوف أكثر من مجرد معدل النمو لهذا العام. فمن أين سيأتي النمو بعد هذه الأزمة الراهنة؟ لقد توقف الازدهار الاستهلاكي في أمريكا والعجز التجاري المتسع، اللذين دفعا معظم النمو في آسيا خلال العقد الماضي. ومن غير المحتمل أن يتبين أن عودة أمريكا للاقتصاد في النفقات هو مجرد مرحلة دورية. وسيضطر الأمريكيون لسنوات عديدة مقبلة على زيادة الادخار وتقليل المستوردات. وبالتالي يبدو أن نمو آسيا المدفوع بالصادرات وصل إلى أقصى حد له.

وتحتاج آسيا إلى محرك جديد للنمو: عليها في المستقبل أن تعتمد بصورة أكبر على الطلب المحلي، خاصة الاستهلاك. وقد كان العكس هو الصحيح في السنوات الأخيرة: انخفض الإنفاق الاستهلاكي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين زادت نسبة الصادرات والاستثمار. وقبل عقدين من الزمن، كان الإنفاق الاستهلاكي يمثل نسبة 58 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لآسيا، ولكنه انخفض إلى 47 في المائة بحلول عام 2007. ويمثل الإنفاق الاستهلاكي في الصين 36 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، أي نصف نسبته في أمريكا. وقد وجدت دراسة أجرتها شركة CLSA للسمسرة أن أهمية الصادرات في الناتج المحلي الإجمالي تفوق الآن أهمية الاستهلاك الخاص في ست دول من الدول الآسيوية الإحدى عشرة التي تتعقبها.

كيف يمكن لآسيا إذن زيادة الاستهلاك؟ يعتمد هذا على سبب انخفاضه في المقام الأول. والتفسير الشائع هو أنه ناتج عن كون الأسر المقتصدة في الإنفاق كانت تدخر نسبة أكبر من دخلها استجابة لحالة عدم اليقين المتعلقة بالمعاشات التقاعدية والرعاية الاجتماعية - ومن المتوقع أن تزيد حدة عدم اليقين هذا خلال فترة الركود. إلا أن هذا لا يطابق الحقائق. ففي كثير من الدول، خاصة كوريا الجنوبية وتايوان، انخفضت مدخرات الأسر نسبة إلى الدخل في العقد الماضي؛ وكانت ثابتة بصورة عامة في الصين. (تأتي زيادة المدخرات في الصين من الشركات والحكومة، ليس من الأسر). ولكن إذا كانت العائلات لا تدخر مزيدا من المال، لماذا انخفض الإنفاق الاستهلاكي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي؟ السبب في ذلك هو أن الدخل من الأجور انخفض نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. ففي الصين، انخفضت نسبة الأجور من 53 في المائة عام 1998 إلى 40 في المائة عام 2007.

وأحد أسباب ذلك هو تباطؤ إيجاد فرص عمل، حيث إن الحكومات كانت تشجع الصناعات التي تتطلب رأس مال كبير. وقد شجعت أسعار الفائدة المنخفضة في جميع أنحاء آسيا، خاصة الصين، الاستثمار فيما شجعت سياسات مثل أسعار الصرف المقدرة بأقل من قيمتها وإعانات التصنيع وفضلته على الخدمات التي تحتاج إلى عمالة كبيرة. لذا إذا كانت آسيا ستغير مزيج النمو لتدفعه نحو الاستهلاك، فلن تكون الوصفة العادية القائمة على حث الأسر على زيادة الإنفاق كافية. فلا بد من تغيير مجموعة كبيرة من سياسات الحكومة لزيادة حصة الأسر من الدخل القومي. وتشمل تلك السياسات الحد من التحيز نحو التصنيع الذي يتطلب كثيرا من رأس المال، وتسريع التحرير المالي من أجل رفع تكلفة رأس المال، وإلغاء الإعانات والإعفاءات الضريبية التي تفضل التصنيع على الخدمات، ومكافحة الاحتكارات والحواجز الأخرى أمام الخدمات. وستسهم أسعار الصرف الأقوى أيضا في تحويل النمو بعيدا عن الصادرات وزيادة القوة الشرائية الحقيقية للأسر عن طريق تخفيض تكلفة المستوردات بأسعار العملات المحلية.

وفي المقابل، يدعو البعض في الصين بحماقة إلى تخفيض قيمة اليوان لدعم الاقتصاد. ولن يسهم هذا بكثير لدعم الصادرات، التي تضررت جراء ضعف الطلب الخارجي وليس جراء انخفاض القدرة التنافسية، ولكنه سيعوق التغييرات الاقتصادية الضرورية.

ولكن على الرغم من انخفاض معدلات ادخار الأسر، إلا أنها لا تزال مرتفعة، إذ تبلغ نحو 20 في المائة في كل من الصين وتايوان. ويعكس هذا جزئيا حقيقة أن السكان الأصغر سنا يميلون إلى ادخار مزيد من المال لتقاعدهم. وتشير تقديرات دراسة أجراها صندوق النقد الدولي إلى أنه مع تقدم السكان في العمر واستنزاف العمال المتقاعدين مدخراتهم، قد يؤدي هذا إلى زيادة نسب الاستهلاك إلى الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول بواقع ثماني نقاط مئوية أو أكثر في العقد المقبل.

وقد تساعد التغييرات في السياسات على رفع معدلات الادخار قليلا. ففي ظل الأنظمة المالية الأقل تطورا، تجد العائلات صعوبة في الاقتراض وبالتالي تحتاج إلى ادخار المال تحسبا للأوقات السيئة. ومن المفترض أن تقلل سهولة الحصول على الائتمان مثل هذا الادخار. إلا أن فترة الازدهار والانكماش الائتماني في الآونة الأخيرة ستجعل الحكومات أكثر حذرا بشأن الإصلاح المالي. وتشجع عدم كفاية شبكات الرعاية الاجتماعية الناس على الادخار. إذ قد يشجع زيادة الإنفاق العام على الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية الأسر على تقليل الادخار وزيادة الإنفاق. لذا فإن الأخبار الأخيرة التي تقول إن الصين تخطط لإنفاق 850 مليار يوان (125 مليار دولار) خلال السنوات الثلاث المقبلة لتوفير الرعاية الصحية الأساسية لما لا يقل عن 90 في المائة من السكان بحلول عام 2011 هي موضع ترحيب. إلا أن التفاصيل غامضة.

وبعد الأزمة الآسيوية، سارع كثير من الأجانب - قبل الأوان - إلى إعلان موت المعجزة الإقليمية. وانتعشت الاقتصادات، ليس فقط بسبب شهية المستهلكين الأمريكيين، بل أيضا لأن آسيا كانت لا تزال تتمتع بالمكونات الأساسية للنمو: إنتاجية متزايدة، ومدخرات عالية لتمويل الاستثمار، وحواجز منخفضة أمام الاستيراد لتحفيز المنافسة. وستساعد تلك على أن تظل آسيا المنطقة الأسرع نموا في العالم. إلا أنه يجب أن تذهب حصة أكبر من هذه المكاسب إلى العمال والمستهلكين. وانخفاض معدل الاستهلاك والاقتراض في آسيا يعني أن لديها مجالا هائلا لجعل الاستهلاك المحرك الجديد للنمو خلال العقد المقبل. وفي فترات الانكماش السابقة، اضطر الآسيويون إلى تجرع المر. وسيكون الخروج والإنفاق تغييرا لطيفا بلا شك.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية