يبدو أن مجتمعنا له مبتكرات وتقاليد خاصة أصبحت من سماته، بسبب سيطرة الرجل على معظم شؤون الحياة، نيابة عن المرأة، مرة بحجة الدين، ومرة التقاليد، ومرات الخصوصية التي حملناها أكثر مما تحتمل، وكل هذا يأتي في إطار ادعائنا حماية المرأة واحترامها، وإبعادها عن مظانّ السوء، وهو ادعاء مبطن بالرغبة في إبقاء المرأة تحت سيطرة الرجل، لأن منعها من ممارسة حقوقها يبقيها أسيرة داخل حيطان البيت، وتحت إمرة هذا الرجل.
ولم أجد أغرب من تعبير (تأنيث) هذا الذي نطلقه عندما نتكلم عن منح المرأة فرصة العمل في المجالات المناسبة لها، والتي حددتها ونصت عليها قرارات الدولة، وكأننا بهذه التسمية نقر بأن كل شيء ذكوري في المجتمع، حتى ما لا تسوغ تسميته ذكوري، مثل ما يدخل ضمن خصوصيات المرأة، من ملابس وعطور ومواد تجميل، ومن هنا جاءت الدعوة من المجتمع والأوامر الحكومية (بتأنيث) المحال التجارية، التي تبيع المستلزمات الخاصة بالمرأة، أي جعل من يبيعها من النساء بدلاً من الرجال.
ورغم مضي سنوات على قرار الدولة، فلا يزال هذا الأمر تتنازعه تجاذبات شتّى، بعضها يستهدف الصالح العام بحجة سد الذرائع، وعدم التغيير، لما قد يجلبه ذلك من تفتح المجتمع على أمور أخرى يطالب فيها بالتغيير، لكن ما من أحد ينظر إلى الموضوع من زاوية الواقع، والموضوعية، والحيادية، إلا ويدرك أنه لا يستحق كل هذه المجادلة، عندما يتبين أن الموضوع في أصله نسائي، ويجب أن يكون العمل فيه مقتصراً على النساء، إلا أنه بسبب حداثة تعليم المرأة في بلادنا، وحداثة اكتشافها لمعطيات التجميل الصناعي وإقبالها من ثم عليه، لم يكن لها وجود في ساحة العمل التجاري الذي سيطر عليه الأجانب ممن سبقونا بالخبرة، وأحيانا بالجرأة، أو التعلم من أخطائنا، وإلا فإن مستلزمات المرأة ومواد تجميلها الطبيعية، قبل بضعة عقود، كانت المتاجرة والبيع فيها للنساء وحدهن في حوانيت خاصة بهن.
إن ما نتجادل فيه اليوم هو عبارة عن محال تجارية تبيع مستلزمات الرجل والمرأة على حد سواء، من ملابس خارجية وداخلية، وعطور ومواد تجميل، ومستلزمات أخرى، والزبائن خليط من الرجال والنساء، لكن البائعين فيها رجال، وفي الأيام العادية يختلط الزبائن بعضهم بعضا، في هذه المحال، وتضطر المرأة إلى الاحتكاك بالبائع ومحادثته، كاشفة وجهها في الغالب، أو مادة يدها ليجرب عليها النوع الذي تسأل عنه من العطور أو المساحيق، وفي أحيان كثيرة تدلي للبائع بمعلومات عن قياسات جسمها، مثل حجم الصدر، أو الخصر، أو ما هو تحت ذلك، لكي يحضر لها المقاس المطلوب، وفي غفلة من الرقباء يتجرأ البعض ليأخذ لها القياس بنفسه، هذا في الأيام العادية، أما في المواسم وأيام التخفيضات، وهي كثيرة، هذه الأيام، فيختلط الحابل بالنابل، في وسط الزحام من البائعين والزبائن رجالاً ونساء، حيث تكاد تحتك الأجساد في مشاهد يتجلى فيها مظهر الاختلاط الذي نحسب أننا، بمواقفنا المتصلبة نجنبه المجتمع.
هذه هي الصورة على أرض الواقع، أنقلها بأمانة أراعي فيها مغبة حملها لمن لا يراعيها.
أما الصورة التي أرادت الدولة أن يكون عليها الوضع، فهي أن مستلزمات المرأة، الخاصة منها والداخلية، يكون البائعون لها من النساء، والهدف هو منع الرجل (البائع وغيره) من الاحتكاك بالمرأة، أثناء عملية عرض وبيع هذه المستلزمات، وإعفاء المرأة بالتالي من الحرج الذي تواجهه عند التصريح بمعلومات خاصة بجسمها، لا يعلمها إلا زوجها، لرجل أجنبي عنها، هذه هي الصورة أما الإطار لتنفيذ القرار، فهو تجنب ذلك كله، بفصل تلك المستلزمات في محال تبيع فيها نساء، ولا يسمح للرجال بالدخول إليها لأنه لا يوجد فيها شيء لهم، وبطبيعة الحال لن يجرؤ أحد من غير المسموح لهم بالدخول ولدينا محال مشابهة خاصة بالنساء.
وهنا أتساءل وقد يتساءل معي المجتمع كله، أي الوضعين أفضل وأي من الوضعين يمكن أن تتسلل منه المحذورات التي نحاول تجنبها؟ أليس في الوضع الجديد جلب للمصالح، بل درء للمفاسد الناجمة عن الوضع الحالي؟ وهي كثيرة أعرض فيما يلي نماذج منها مما يرويه لي من أثق بروايتهن من أقاربي:
1- معظم تلك المتاجر تختار البائعين من ذوي الوسامة والأناقة والجاذبية ولا لوم عليها في ذلك فهذه الصفات متفق عالميا على أنها تعمل عمل السحر في إقناع المشتري بالشراء حتى لو لم يكن عازما عليه كما أن أسلوب البائع ولباقته واهتمامه بمظهره يجعل الزبون يخجل أحياناً ويشتري مجاملة، فما بالك إذا كان هذا الزبون امرأة تواجه كل هذه المغريات التي قد تذهب بها بعيداً إلى ما يتجاوز عملية البيع؟!
2- بعض البائعين يعطون أرقام هواتفهم لزبائنهم من النساء بحجة الرغبة في إشعارهن عندما ترد بضائع جديدة، أو عندما تكون هناك تخفيضات وهذا الأمر شائع رغم ما فيه من احتمال نشوء علاقة ما بين البائع والمرأة تتجاوز مسألة الهدف المعلن لإعطاء الرقم هذا فضلا عن نشوء مشكلات في بعض البيوت بين الأزواج عندما يكتشف الزوج أرقاما لا يعرفها في هاتف زوجته أو ترد الزوجة مكالمات في حضرة الزوج تحرجها أمامه فتنشأ بسبب ذلك شكوك ربما تهدم بسببها بيوت!
3- بعض البائعين يغري المرأة، عندما تكون نيته خبيثة بتقديم السلعة دون مقابل أو يبدي استعداده للبيع بالآجل بخاصة عندما تبدو له مؤشرات مثل التلطف في الكلام والابتسامات أو تبادل غير بريء للنظرات فتنشأ من هنا علاقات تقود إلى صداقات تفضي إلى ما تفضي إليه مما يسببه الوضع الحالي.
صحيح أن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمرون على الأسواق لكنهم غير مقيمين فيها ولا يدرون ما يحصل من أمور ربما تكون أكثر مما ذكرت نماذج منه. أما في الوضع الآخر المقترح فلن يحدث شيء من ذلك لأنه لا وجود للرجل في المحال، أما ما يخشى منه من أن الشبهة قد تكمن في مسألة الاحتكاك بين مالك المحل والبائعات لأغراض الإدارة والمحاسبة فيمكن تجاوزه بجعل إدارة المحل هي الأخرى نسائية، أما المحاسبة فإن الوسائل الحديثة للتقنية تتكفل بأن لا تكون موضع احتكاك.
أقول هذا مدفوعاً بحرصي على تماسك المجتمع وترميم ما يعانيه من شروخ وانقسامات في الوقت ذاته الذي أثق فيه بأن حرص رجال الهيئة وفي مقدمتهم الرجل الفاضل الشيخ إبراهيم الغيث هو ما يدفعهم إلى المعارضة بيد أنهم على استعداد كما يبدون دائماً لتصحيح أي أمر يتبين أن في تصحيحه مصلحة عامة.
وفي الأسبوع المقبل أستكمل الحديث في هذا الشأن
والله من وراء القصد.
