100 نوع من الأجبان، 200 نوع من الحلوى، 300 خيار من القنوات الفضائية، ومن البنوك والأطباء وحتى الأفكار والنظريات.. فنحن محظوظون (أو الذي يتمتع بقدر من السعة المادية على الأقل) بهذه المساحة الواسعة من الحرية التي تتيح لنا انتقاء ما يناسب ميولنا وأذواقنا الشخصية. والافتراض الضمني الذي بات من المسلمات هو أنه كلما زادت الخيارات المتاحة زادت الحرية الشخصية وبالتالي علت نسبة السعادة والرضا. كلام جميل.. فمن منا لا يحب أن يزداد حرية وسعادة ورضا؟ومن منا لا يُقَدر حقه في الاختيار؟ فما نحن إلا بشر, وهؤلاء هم في نهاية الأمر مجموع خياراتهم. ولعلكم بعد هذه التقدمة تنتظرون كلمة (ولكن)، ولن يخيب أملكم. فلا شك أن هناك اتفاقا بدهيا على أن قدرا من الخيارات شيءٌ مرغوب وصحي بل ضروري, إلا أن بعض العلماء يشيرون إلى بعض الجوانب السلبية لهذا الانفجار الكمي في الخيارات المعروضة علينا. وبما أن فائدة أي شيء أو ضرره تعتمد على وعي الإنسان بأثر ذلك الشيء عليه سلبا وإيجابا، يجدر بنا محاولة فهم هذه الظاهرة من كل جوانبها. وقد بدأ الموضوع بمقارنة أجراها علماء النفس والاجتماع بين درجات السعادة والرضا النفسي في المجتمعات المتقدمة أو الغنية وبين تلك في المجتمعات الفقيرة والنامية، كما قاسوا نسبة تفشي الاكتئاب في تلك المجتمعات. وتشير معظم النتائج إلى ظاهرة قد تُعد غريبة: إن السعادة والرضا يقلان في المجتمعات المتقدمة باطراد مع ارتفاع الدخول وزيادة الوفرة المعيشية. فمثلا أظهرت دراسة أن انتشار الأمراض النفسية والاكتئاب في أمريكا يفوق ذلك في نيجيريا بستة أضعاف وهي فجوة تستدعي التساؤل، إلا أن الأغرب هو أن النيجيريين الذين يهاجرون إلى أمريكا تظهر عليهم الأعراض نفسها بالنسب نفسها بعد بضعة أجيال. وقادتهم مثل هذه الدراسات إلى تشخيص مرض نفسي وروحي يصيب كثيرا من الناس في المجتمعات الغنية أسموه (آفلونزا – أو مرض الوفرة)، وتتمثل أعراضه في التعلق الشديد بالمال والممتلكات والمظاهر(الجسدية والاجتماعية) والشهرة حتى أصبحت "قيما" اجتماعية يسعى إليها الجميع. وبالطبع فإن صناعة الإعلان التي تتخصص في ترويج هذه "القيم" واختلاق الحاجات الوهمية في أذهان الناس تُغذي هذا المرض باستمرار وتنشر فيروساته أينما استطاعت. فما هي وسيلة التلقيح التي يستخدمونها؟ هي فكرة (الزيادة دائما أفضل) التي حولت الوسائل إلى غايات وأصبح الانفجار الكمي في الخيارات والمتزامن مع تراجع مخيف في القيم والمعايير وصفة للفوضى غير الخلاقة. فما اعتراض هؤلاء العلماء على هذه الفكرة؟ يقول باري شوارتز (عالم نفس أمريكي ومؤلف كتاب: متناقضة الاختيار: عندما تتحول الزيادة إلى نقصان) وغيره من المختصين إن هناك خللا منطقيا في هذه الفكرة, فكما أن التسليم بأهمية الطعام لا يعني أن الشراهة فيه مفيدة, فالتسليم بأهمية وجود خيارات لا يعني أن التكاثر فيها مرغوب. وإثباتا لذلك قام العلماء بأبحاث كثيرة مثل ما قام به بروفيسوران من جامعات, أما إنفورد وكولومبيا، حيث أجريا دراسة تحليلية على اشتراكات الموظفين في خطط التقاعد التي توفرها شركة كبرى, وشملت 800 ألف موظف من 647 شركة (مع العلم أن امتناعهم عن الاشتراك يسبب لهم خسارة مالية). وعندما عرضت الشركة خطتين فقط على الموظفين انتهى الأمر باشتراك 75 في المائة منه, أما عندما عرضت 59 خطة انخفضت نسبة الاشتراك إلى 60 في المائة. كما لاحظوا أنه كلما زادت الخيارات المتاحة قل تفكير الناس في قرارهم ولجأوا إلى الاختيار العشوائي مما يؤثر طبعا في نوعية القرار. وحتى على مستوى الرضا النفسي وجد المختصون أن زيادة الخيارات تجعل الإنسان عرضة للندم على قراره ومقارنة ما في يده بالمتوافر بل ويدفعه للبحث دوما عن البديل. وقد يكون كل ذلك مقبولا في حالة شراء هاتف مثلا فليس هذا قرار مصيري, إلا أن عقلية الإنسان لا تتجزأ، ولعل فكرة (مزيد من الخيارات أفضل) تخللت مجالات أخرى في الحياة مثل الزواج مثلا. ويقول الدكتور شوارتز إن الناس هضموا هذه الفكرة تماما فأصبحوا يبحثون عن الخيارات في كل شيء، حتى جنس الإنسان يحق له أن يختاره ويغيره. ولعل الرسم الكاريكاتيري التالي يعبر عن هذه الحالة بذكاء: لوح حجري (مثل لوح موسى عليه السلام الذي يسطر الوصايا العشر ويصوره الغرب دائما في إعلامهم) إلا أنه في هذا الرسم فارغ لم يُكتب عليه شيء. وفي أسفل الرسم تقرأ: "الوصايا العشر: املأ الفراغ كما يروق لك!". وكما ذكرنا سابقا فإن هذه الإشكالية تخص المجتمعات الغنية، حيث إن الدول الفقيرة تعاني العكس: شبه انعدام الخيارات، مما دعا الدكتور شوارتز للتأمل في المسألة. فقد قال في إحدى محاضراته إن المطلوب هو نوع من التوازن بين انعدام الخيارات وبين طفرة من الخيارات المرهقة والمضللة, وذلك بإعادة النظر في توزيع الثروات بغية سد تلك الفجوة العظيمة، فتزيد وفرة الفقير وتقل وفرة الغني نسبيا فيستعيد بعض البساطة المفقودة مما يزيد سعادة الطرفين. قد تبدو فكرة خيالية إلا أنها تستحق التفكر لأنها تشير إلى حقيقة مهمة: الوضع الاقتصادي غير المتكافئ لا يضر الفقير فقط, بل غالبا ما يضر الغني كذلك.
