في خضم التقارير والنتائج المالية في السنتين الأخيرتين رأينا كيف اعتلى جنون الأسعار واختلاف المصروفات وكيف وصل سعر برميل النفط إلى مستويات أربعين دولار متذبذب بين الفينة والأخرى مرتجين أن يستقر عند رقم معين، ونرى كيف هي مجهودات منظمة الأوبك في التصدي للتلاعب في مضاربات وسمسرة البترول, ولأن كل اعتمادنا على المورد النفطي وضعنا في موضع تجاهل وتغافل موارد الإنتاج الأخرى في البلد. ماذا لو أصبح لدينا نضوب فعلي في مخزون النفط ؟ وشح في أرقام السيولة والميزانية كل سنة؟
أستطيع القول إننا شعب نستهلك مخزونا أرضيا أكثر من أن ننتج باليد والعمل المستمر من الأرض نفسها، فبالرغم من توافر البيئة للإنتاج إلا أننا نواجه قلة إبداع صناعي محلي، قد يعود ذلك إلى قلة الثقافة الإنتاجية وأيضا عدم الثقة بالمنتج الوطني رغم جودته، ومن الأسباب أيضا العزوف الإنتاجي وعدم الجدية والرغبة في إيجاد فرص مفيدة تظهر نتائجها بعد عشرات السنين وفق خطط مدروسة فمقتضى حال الفرد يقول أريد إشباع رغباتي الحالية متناسيا بذرة السنوات والأجيال القادمة, بالنظر إلى لغة الأرقام كيف انتشرت البطالة في دولة تعد في مصاف الدول الغنية ورأينا كيف احتدم صراع الأسعار وارتفاعها في المواد الغذائية والإنشائية وغيرها كثير بسبب التبعية والاتكالية على المنتج الأجنبي الذي ينادي البعض الآن بحملات المقاطعة الشعبية له. هل فكرت قبل أن تقاطع بوجود منتج محلي بديل قمت أنت بصناعته أو فكرت أو اخترعت فكرة اقتصادية في بلدك؟ عملت على وجود موازنة اقتصادية بحتة تعمل على تفادي قصور الإيرادات في مستوى النفقات وتفادي تراكم الدين العام؟ بالرجوع إلى تجارب دولية وعالمية وكيف هم منتجون وعاملون على الجد والتعاون، أقرب مثال دولة ماليزيا بسبب خطط مدروسة وعمالة محلية محنكة، استفادوا عندما أرسلوا وفدا طلابيا إلى مدينة جدة في السعودية وتعلمهم حرفية ومبادئ الصناعات الإلكترونية تحت إشراف المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني السعودية قبل عشرات السنين وبعد أن استفادوا وتعلموا قاموا بنقل مفهوم جديد ونقلة نوعية فريدة دخلت بها ماليزيا تاريخ الصناعة الإلكترونية محاربين آنذاك حرب النمور السبعة الاقتصادية وآثارها والحصول على نجاحات متوالية في الصناعات التقنية فتلفازك قد يكون ماليزي الصنع سعودي التعليم.
أيضا التجربة اليابانية عندما ذهبوا بعيد الحرب العالمية الثانية إلى ألمانيا ودرسوا وتعلموا الآلة المحركة وكيف نقلوها إلى بلادهم وطوروها وأبدعوا في تطويرها حتى أصبحت اليابان الآن الدولة المعروفة الأولى في الصناعات التقنية والآلية بقدرة وذكاء والعمل الدؤوب لشبابها.
عناصر الإنتاج متوافرة وبقوة في بلاد الحرمين من توافر الأرض وتوافر الخبرة والخريجين التعليميين والفنين كذلك وجود رأس المال. وبالرجوع إلى قوائم الاستهلاك العالمية نجد أن السعودية من أكثر الدول المستهلكة مقارنة بإنتاجية أفرادها رغم استطاعة شباب وبنات هذا البلد المعطاء تحويل ترابه الأصفر إلى ذهب.
