الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 11 مايو 2026 | 24 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

ما الدروس المستفادة من أحداث اقتصاد 2008 ؟

طلعت زكي حافظ
الخميس 22 يناير 2009 2:35

ودع العام الميلادي 2008 العالم مخلفاً وراءه سلسلة من الأحداث الاقتصادية والمالية المأساوية، التي تسببت في خلخلة موازين الاقتصاد العالمي، وإحداث موجة عارمة من الإفلاسات والانهيارات المالية لعدد كبير من المؤسسات بما في ذلك الحكومات، التي لعل من بين أبرز تلك المؤسسات التي تعرضت للإفلاس بسبب تلك الأزمات المالية، بنك ليمان براذرز، ومن بين الحكومات حكومة آيسلندا.

من أبرز الأحداث الاقتصادية والمالية المأساوية، التي حدثت في العام الميلادي الماضي، الأزمة المالية العالمية، التي ضربت بأطنابها شمال وجنوب وشرق وغرب العالم، والتي اعتبرها العالم وتعامل معها على أنها أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية، التي مر بها الاقتصاد العالمي منذ عقد الثلاثينيات، عندما تعرض الاقتصاد العالمي لأزمة الكساد الكبير في عام 1929.

تلك الأزمة التي فجرت قنبلتها الموقوتة خلال النصف الأخير من العام الماضي، حدثت نتيجة لحالة من التشبع التي وصل إليها نشاط التمويل العقاري في الولايات المتحدة، والتوسع غير المدروس في منح قروض الرهن العقاري، وبالذات للأفراد من ذوى الدخول المنخفضة وغير القادرين على السداد، والمسماة القروض متدنية الجودة Sup prime، مما تسبب في عجز نسبة كبيرة من المقترضين الأمريكيين عن سداد المديونيات المستحقة عليهم لتصل نسبة العجز عن السداد إلى نحو 93 في المائة، كما أن ذلك تسبب في فقدان أكثر من مليوني أمريكي ملكيتهم المنازل والعقارات المرهونة، كذلك مما أسهم في حدة مشكلة الأزمة المالية وتفاقمها، توجه عدد كبير من البنوك المانحة لقروض الرهن العقاري، إلى توريقها من خلال تجميعها في سلة واحدة وإعادة بيعها للمؤسسات وشركات مالية وعقارية أخرى، لتقوم الأخيرة بتجميع أقساط القروض من المدينين الأصليين، الأمر الذي أدى إلى امتداد الأزمة المالية وتوسيع رقعتها لتشمل عديدا من دول العالم.

من بين الأحداث الاقتصادية، كذلك التي تسببت في إرباك أداء عدد كبير من اقتصادات دول العالم، الانخفاض الحاد الذي تعرضت إليه أسعار النفط العالمية، حينما خسرت نحو 70 في المائة من قيمتها في نهاية العام، مقارنة بما كانت عليه في تموز (يوليو) 2008، عندما كان يباع برميل النفط بسعر 147 دولارا، الأمر الذي تسبب في حدوث أضرار كبيرة، وكما أسلفت بالذات بالنسبة للدول التي تعتمد اقتصاداتها وموازنتها بشكل كبير على إيرادات النفط، مثل دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت موازناتها تتنبأ وتقدر بحدوث عجز مالي في نهاية العام المالي الجديد 2009، وبالذات في حالة استمرار حالة الانخفاض الحاد في الأسعار.

من بين الأحداث الاقتصادية والمالية المأسوية أيضاً، التي حدثت خلال العام الماضي 2008، الخسائر المالية الضخمة، التي منيت بها أسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية بما في ذلك الآسيوية، رغم التدابير التي اتخذتها حكومات تلك الدول في تعزيز السيولة وسلامة البيئة الاستثمارية بتلك الأسواق. ولعل اللافت للانتباه في هذا الخصوص، توديع الأسواق الخليجية السبع العام الميلادي الماضي 2008، بخسائر في قيمة مؤشراتها غير مسبوقة بنهاية العام، تجاوزت نسبة الـ 60 في المائة مقارنة ببداية العام، وكأن الأزمة المالية تحدث في دولهم وليس في أمريكا، حيث بلغت قيمة الخسائر التي تعرضت لها أسواق الأسهم الخليجية، نحو مليار دولار أمريكي إثر تراجع قيمتها السوقية من 1.41 تريليون دولار في مطلع العام إلى 565.1 مليار دولار في نهاية العام.

في رأيي أن سلسلة الأزمات المالية والاقتصادية المتلاحقة، التي تعرض لها الاقتصاد العالمي، بما في ذلك أسواق المال العالمية، كان من الممكن جدا تفادي حدوثها، في حالة لو أحسن العالم التنبؤ بها والاستشعار عن بعد بمؤشراتها الأولية قبل حدوثها، الأمر الذي يؤكد أن تداعيات الأزمة المالية العالمية، قد بدأت شرارتها الأولي في آب (أغسطس) من العام الماضي، ولكن في الواقع الحقيقي، هي قد بدأت تتشكل وتتكون وكما يقولون قي رحم الاقتصاد الأمريكي منذ عام 2000، حينما تعرضت أسواق المال الأمريكية لمشكلة مالية عرفت آنذاك بفقاعة شركات الإنترنت، حينها عندما انخفضت أسعار الفائدة بنسبة كبيرة لتصل إلى نحو 1 في المائة، وتوجهت معظم الاستثمارات بعد ذلك إلى سوق الإقراض العقاري، أو ما يعرف بسوق الرهونات العقارية، هذا ومع بداية عام 2006، حدثت وكما أسلفت حالة من التشبع في سوق التمويل العقاري، وأخذت الأزمة تتفاقم في عام 2007، بعجز عدد كبير من المقترضين عن السداد، مما تسبب في انفجار الأزمة المالية العالمية ببداية النصف الثاني من العام، كما أن من بين العوامل التي تسببت في تفاقم الأزمة، ضعف آليات الرقابة على العمليات المالية التي كانت تتم بداخل أروقة المؤسسات المالية في أمريكا، وبالذات التي كانت تتم بداخل أروقة البنوك الاستثمارية، هذا إضافة إلى العولمة غير المنضبطة التي كانت تسود في الاقتصاد العالمي وفقما وصفها خادم الحرمين الشريفين في خطابه الذي ألقاه أمام قمة الـ 20 التي انعقدت في ولاية واشنطن في أمريكا خلال العام الماضي.

في رأيي كذلك أن الوسيلة الوحيدة، التي يمكن من خلالها للدول التي تعتمد إيراداتها بشكل كبير على النفط، في التغلب على المشاكل المالية التي قد تحدث في موازناتها نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية، وبالذات بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، هي التسريع من وتيرة برامج الإصلاح الاقتصادي، التي انتهجتها معظمها خلال العقد الأخير من القرن الماضي، والتي استهدفت في المقام الأول تنويع القاعدة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة للدولة، كما أن الأمر يتطلب في رأيي على المستوي الخليجي، الإسراع في تنفيذ خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي، التي بدأت مراحلها الأولى بالتوقيع على اتفاقية التكامل الاقتصادي في عام 1982.

أما بالنسبة للدروس المستفادة على مستوى أسواق المال الخليجية، فالحاجة لا تزال ملحة للارتقاء بالوعي الاستثماري لدى الأفراد المتعاملين في السوق، وتعميق مفهوم الاستثمار المؤسساتي، بما في ذلك اتخاذ مزيد من الإجراءات الكفيلة بتحرير الأسواق، والتنويع في قاعدة المنتجات والقنوات الاستثمارية المتاحة في السوق.

في رأيي كذلك أن الاستشعار عن بعد عن حالة الاقتصاد العالمي، والقراءة الجيدة لعدد من مؤشرات الإنذار المبكر بالنسبة لعديد من الأحداث الاقتصادية السلبية التي سبقت انطلاقة شرارة الأزمة المالية العالمية، كانا كفيلين بأن يجنبا العالم أهوال وتداعيات تلك الأزمة وأزمات مماثلة، وبالله التوفيق.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية