الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 14 يوليو 2026 | 28 مُحَرَّم 1448
Logo

المباني الشاهقة ترتفع إلى عنان السماء بين عشية وضحاها، التقاليع الجديدة لا تمكث مدة أطول من الزمن الذي تحتاج إلى انتشاره بين الناس، تصنيفات اعتماد الرؤساء هبطت من 70 إلى 20 في المائة في طرفة عين. أما أولى المقولات المحلية التي يتعلمها الأجانب لدى ذهابهم إلى هناك هو "بالي .. بالي bballi bballi "، أي بسرعة، بسرعة.

عندما انتقلت إلى سيئول قبل أربعة أعوام، أعجبت على الفور بالعزيمة والإصرار والقدرة التي يتمتع بها الكوريون، أكبر صفقتان تقفان وراء تحول هذه البلاد من مجرد بلد زراعي متخلف يقبع في مؤخرة الركب إلى مركز للتكنولوجيا الحديثة. أنا أستعد للمغادرة، ما زلت مندهشا للحيوية والنشاط اللذين تتمتع بهما هذه البلاد، ولكنني لا أستطيع أن أتمالك نفسي عن التساؤل ما إذا كان بوسع كوريا الجنوبية تفادي الوقوع في براثن نمط العلة الاقتصادية التي أصابت اليابان. تظل البلاد بشكل كامل معتمدة على تصدير السلع والبضائع وقطاع الخدمات متخلف وغير كفؤ بشكل مخيف. ولكن من ضمن التحديات كافة التي تواجه كوريا الجنوبية هناك واحد مهمل غالبا، المجال الذي يمكن أن يجلب فيه الإصلاح منافع لا نظير لها: التعليم.

محرومة من الموارد الطبيعية، فإن كوريا تعول بالكامل على رأسمالها البشري. ونجح الشعب في رفع كوريا للمكانة التي تحتلها في يومنا الحاضر ويعود الفضل في ذلك لحد كبير إلى بارك شونغ هي، الرئيس السابق والعسكري القوي الذي وجه الكوريين لدراسة الهندسة بصفة خاصة. وأوضح لي أحد التنفيذيين المرموقين في "سامسونج" قائلا إن أهم مكونين "للبصمة الوراثية DNA لنجاح المجموعة هما قدرتها على الحركة السريعة والعيار الثقيل لمهندسيها. والآن أكثر من أي وقت مضى، سيكون رأس المال البشري العامل الحاسم في تحديد مستقبل كوريا الجنوبية وما إذا ستنجح في النقلة التالية إلى اقتصاد المعرفة.

يعتبر أداء الكوريين أفضل بشكل خاص في تصنيفات الأداء العالمية فيما يتعلق بالمواد الدراسية بما فيها مهارة القراءة، الفهم والاستيعاب، الرياضيات، العلوم وحل المشكلات وأن نسبة السكان في الفئة العمرية بين 25 ـ 34 عاما حصلوا على تعليم ثانوي عال هي الأعلى ما بين مواطن الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. يمثل الكوريون الآن أكبر مجموعة من الطلاب الأجانب في الجامعات الأمريكية، ولكنهم يصلون إلى هناك بشق الأنفس بعد اجتياز أكثر إجراءات التأشيرة تعقيدا، مدفوعين بضغوط اجتماعية هائلة للالتحاق بالمدارس المناسبة ومن ثم الوصول إلى الجامعة المناسبة، الحصول على وظيفة والاقتران بشريكة/ شريك الحياة المناسب. روت لي إحدى الصديقات كيف أنه عندما أجرت روضة الأطفال التي يدرس بها طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات الاختبار الخاص بقياس القدرات العقلية، بادرت أمهات الأطفال الآخرين إلى تدوين النتائج بسرعة، إلى جانب الملاحظات ما إذا كان من الأنسب دفع أطفالهن إلى دراسة القانون، الطب أو الاقتصاد فيما بعد.

يقضي الكوريون وقت أطول في المدرسة مقارنة بنظرائهم الطلاب في أية دولة متقدمة أخرى وينفقون معظم أموالهم على التعليم (8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وتبلغ نفقات التعليم الخاص ضعف مثيلتها في الولايات المتحدة، ثاني أكبر دولة منفقة على التعليم الخاص. وتوضح بيانات البنك المركزي "بنك أوف كوريا"، أن العائلات أنفقت ما يربو على 12 مليار دولار على التعليم ما بعد المدرسي في العام الماضي.

يعتمد النظام التعليمي إلى حد كبير على عملية التلقين واستظهار الدروس ولا يعطي أي قيمة تقريبا للتحليل، التفكير الإبداعي أو التطبيق العملي. والواقع أن طلاب المدارس العليا الذين بمقدورهم الحصول على 99 درجة في مادة اللغة الإنجليزية ليست لديهم القدرة غالبا حتى على التعبير البسيط بالإنجليزية، بينما الطلاب الجامعيون الذين يعبرون عن وجهة نظر مخالفة لأساتذتهم يرسبون ببساطة.

وبالتالي فإن هناك ضغوطا رهيبة للغاية للحصول على تقديرات جيدة لدرجة أن التلاميذ في عمر 12 عاما، بعد مكوثهم طوال اليوم في المدرسة، يلتحقون بشكل روتيني بحجرات دراسة مكتظة أو ما تسمى بـ hagwon حتى منتصف الليل.

هذا الهوس بالتعليم يسهم في عدد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، تراوح من نسبة الخصوبة المنخفضة، تحدث جزئيا نتيجة تكلفة تعليم الأطفال في المدارس الخاصة إلى فقاعة العقارات في جنوب العاصمة سيئول، التي توجد بها أفضل المدارس hagwons.

كذلك لا يبشر ذلك بالخير فيما يرتبط بالمستقبل، لأن كوريا الجنوبية لن تكون بحاجة إلى عدد كبير من العمالة التي تبني السفن وتجمع السيارات، ولكن ستحتاج إلى مزيد ومزيد من الأشخاص لديهم قدرة على الإبداع والابتكار ويقومون بمهمة تطوير وتطبيق المعرفة. وبالطبع، على الرغم من التقدم المقنع للأداء الكوري في درجات الاختبارات الدراسية، فإن المنتدى الاقتصادي الدولي يصنف جودة نظام التعليم في البلاد بدرجة 60 على اللائحة العالمية ـ درجة متدنية بشكل مخجل بالنسبة إلى أحد أكبر 12 اقتصادا في العالم.

ستكون القدرة على خلق اقتصاد مؤسس على المعرفة أمرا حاسما إذا رغبت كوريا الجنوبية في استدامة معدلات النمو المعقولة ـ المعدل المحتمل الآن 25 في المائة ـ وبلوغ مستويات الدخل السائدة في الدول الأكثر تقدما في العالم. والواقع أن أحد أكبر تعهدات الرئيس لي ميونغ باك هو أن يرى دخل الفرد في كوريا يتضاعف إلى 40 ألف دولار في غضون عقد.

بات الكوريون يحرزون أداء لافتا للنظر الآن في مجال تقنية المعلومات، ولا سيما في جانب الأجهزة والمعدات،ولكن تحسين النظام التعليمي يمكن أن ينتج عمالة أكثر كفاءة في تلبيته احتياجات الصناعات التكنولوجية سريعة الحركة في البلاد.

يمكن إحراز مزيد من النمو عبر مكاسب القدرة الإنتاجية، القدرة الإنتاجية لكوريا أقل بنسبة 60 في المائة من مستواها في الولايات المتحدة. كذلك فإن إنتاجية قطاع الخدمات تبلغ نصف الصناعة التحويلية، وتظل راكدة منذ 15 عاما تقريبا. آخذين في الحسبان طبيعة النظام التعليمي، لا يمكن أن يكون قد حدث ذلك اعتباطا.

إجراء إصلاح شامل لهذا النظام سيكون صعبا بشكل استثنائي. إذن، فإن صديقة أخرى، أم مستنيرة تفضل أن يمارس ابنها البالغ 14 عاما كرة السلة عقب المدرسة ويخلد للنوم قبل الساعة الواحدة صباح كل ليلة، لا يمكن حتى أن تثني ابنها عن الذهاب إلى المدرسة الليلية hagwon.

ولكن من أجل ازدهارها في المستقبل واستدامة قوتها الاقتصادية، سيكون من المفيد إذا رفعت كوريا قدميها عن دواسة السرعة قليلا، والتفكير بشأن استخدام تطورها المقنع ورأسمالها البشري بطرق أكثر كفاءة، وبالتالي فإن الاقتصاد سيستفيد والأطفال سيعشقونه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية