في ظل استمرار الضخ الروائي الشبابي في الأعوام الأخيرة , اتجه بعض الروائيين الشباب لاختراع أساليب أكثر انفلاتا من المعاير المصقولة المتعارف عليها , طرق هي في نهاية المطاف أكثر حياة وتفاعلا من الطرق الاعتيادية.
النشر الإلكتروني الذي بات متعارفا عليه لم يعد يقتصر على الصحافة الإلكترونية أو المواضيع الخفيفة واتجه للأدب بقطع صغيرة ثم توسع بعد ذلك , ونشهد الآن معامل روائية إلكترونية تحضر وتطهو النصوص (أون لاين) على الهواء مباشرة وفي اتصال آني مع المتلقي .. وبغض النظر عن جودة المعروض إلا أنها تبقى دخيلا جديدا يحتاج إلى اعتراف رغم ما قد يسهم به مستقبلا في تشكيل الخريطة القرائية , الروائيون الرقميون أدباء قادمون بمعايير جديدة .. عن تجربتهم – شروق الخالد , خالد العجمي والروائية حياة بن طوبال – يشرحون رؤيتهم لـ "الاقتصادية":
أسباب التوجه للإنترنت وعوامله
شروق الخالد: الكتابة في حد ذاتها لا تأتي لأسباب, إنما هي من أجل الكتابة فقط ..وتضيف" هو شيء اعتاده للتنفيس والتعبير , وبعد مدة نجد أكواما ورقية بحوزتنا, وبطبيعة الإنسان وسعيه الدائم لمشاركة الآخرين كان الإنترنت الباب الأوسع, ومن هناك تبدأ الملامح والأهداف في التطور والبروز أكثر, ويصبح الأمر قائما على صناعة الدعاية للنص وصناعة اسم الكاتب حتى – إذا – تطور فيما بعد إلى مرحلة النشر الورقي يجد من يهتم ويبتاع كتابه بعيدا عن الاهتمام فقط بالنص وحبكته ومعاييره الأدبية, فقد يقرأ فقط لأنه أصبح مهتما بشخصك .. إضافة أيضا للأسباب الاعتيادية التي تجعل الإنترنت الباب الضخم .. الرقابة, مجانية النشر, التفاعل المباشر .. إلخ.
خالد العجمي: الفضاء الإلكتروني أسهم بشكل مباشر أو بآخر على الانتشار الواسع سواء كان على الصعيد المحلي أو العربي .. فحرية الكتابة أعطت مجالاً في تقديم المزيد من النجاح والإبداع الكتابي .. وكل كاتب يسعى إلى تطوير قدراته الكتابية .. لكن الواقع الحالي .. يلاحظ أن الكثير من الكتاب يدفنون أنفسهم بين صفحات المنتديات وغيرها .. من دون أعطاء أنفسهم حرية نشر إبداعهم على الورق .. وهذا يعود إلى عدم الثقة بالذات وصعوبة النشر الحالي نظراً للعدد الكبير من الكتاب .. بالتالي الكتابة الإلكترونية أعطت مساحة أشمل من حيث الكتابة وشعور الانتشار وسرعة الإبداع الثقافي الأدبي .. كما لها دور أيضاً في الحراك الاجتماعي وكل كاتب حسب ما يرى من قدرة في إيصال رسالته للجمهور.
إضافة إلى التفاعل المباشر مع القراء هنا نقطة تحول في مستوى قوة الكاتب .. كلما شعر بالمتابعة والاهتمام .. زاد لديه شعور قوة الذات والثقة بقلمه بحيث يبدأ في الانطلاقة أكثر ويطور القدرات الكتابية ويحاول المنافسة والظهور بطريقة كاتب إلكتروني يصنف من الدرجة الأولى، ويرى نفسه رقم صعب بين الكتاب والمنافسين، وعلى سبيل المثال .. من خلال تجربتي فهي بداية للنشر الورقي على شكل كتاب آملاً أن يرى النور ذات يوم فهي الطريقة المناسبة في الوقت الحالي كنوع من الحملة التسويقية.
حياة: من أهم العوامل للتوجه للكتابة الإلكترونية في رأيي هو اختبار القدرات بطريقة مجانية، أحياناً تكون النية عدم الاستمرار إنما مجرد تفريغ للذات وتدريب للغة, وحيث إن الإنترنت هو الصديق الأقرب هذه الأيام فإن البوح له يكون بسهولة خاصة أنه صديق مخلص يتقبل كل ما تقوله ويعطيك سطورا أكثر لوقت رغبتك.
بالطبع انعدام الرقابة هو عامل محفز للتوسع فيما سيطرح من قضايا لكنه ليس سبباً للكتابة الإلكترونية فبإمكان الكاتب أن يطبع كتابه في بلد الحرية التي يختار.
التفاعل المباشر محرض على "الاستمرارية" وقد يأخذ بيدك إلى مناطق لمْ تكن تنوي عبورها على الملأ, لكن كثيرا من كتاب الإنترنت يتجهون إلى مناطق إنترنتية معزولة, أي تُقرأ ولا يمكن الرد فيها, وقد فكرت أكثر من مرة في التوجه إلى هناك حيث العزلة محرض على الإبداع وقول ما تريد دون تدخل لكن أفضل الصراخ والانتحار على الملأ وكأني أتساءل عن الفرق بين الانتحار في كوخ زجاجي معزول عن الصوت وبين أن ترمي نفسك من بناية عالية فتسمع طوال المسافة كلام مَن حولك.
بعض الكتاب يبدأون النشر إلكترونياً لعمل دعاية حيث يشحذ فضول القراء لمعرفة النهاية ثم يخبرهم أنهم سيلاقونها في " كتاب مطبوع", لكني أعتقد أنها طريقة عفا عليها النت، فبمجرد طباعة الكتاب بفترة سيمكن "سرقة " نهايته لطبعها من أي قارئ " متطوع " لبقية أصحابه .
حجم النجاح والانتشار
شروق: عندما أتوجه إلى المكتبة وأجد أسعار الكتب المبالغ فيها بطريقة مجازفة أجد أن النشر الإلكتروني أفضل وأعم, فهو سيصل غالبا لشريحة أوسع بلا أي مقابل, بينما سأتحمل مبلغا لأحجز مكانا على رف المكتبة وأطبع كتابي ورقيا, وقد لا يعلم عنه أحد . الكثير من الكتاب (الصغار) عرفوا وانتشرت موادهم بسرعة بسبب نشاطهم الرقمي, وفي المقابل نجد أسماء كثيرة مرصوفة على الرفوف لم نسمع حتى بأصحابها.
خالد: حققت انتشارا واسعا عبر الفضاء الإلكتروني نظراً لثروة المعلومات وسرعة الاتصال المباشر مع القارئ .. فقد أصبح الكثير من مستخدمي عالم الفضاء الإلكتروني وبلمسة بسيطة تستطيع الحصول على المعلومة وأنت في مكانك .. عكس البحث عبر واقع الحياة .. مما أسهم كثيراً في سرعة الانتشار اللامحدود .. وعلى الرغم من ذلك مازلت أرى أننا في حاجة إلى توسيع وتطوير أكبر .. في ظل هذه التقنية الجديدة .
حياة: المقارنة الآن بين (كتاب) محسوس و(موضوع في أحشاء الإنترنت يكون رواية ! أعتقد أن الكتاب مازال يُبقي على صدارته ونجاحه، هناك كثير من الكتب التي يتم التسويق لها "نتياً", كما أن هناك كتب أكثر يتم انتشارها عبر الإنترنت، بينما الكتابة الإنترنتية مازالت محدودة في نطاق المنتدى وأعضائه فمَن لا يدخل النت هل يقرأ المواضيع؟ بينما من لا يدخل المكتبات سيجد كتبا كثيرة !
صعوبات .. ومستقبل إلكتروني
شروق: الصعوبة الوحيدة التي يشكو منها الكاتب الإلكتروني هي سرقة الأفكار, فلا أحد يضمن لك أن يبقى النص تحت جناحك , ومتصيدو النصوص كثر, أما عن مستقبل الرواية الإلكترونية فهي بلا شك تصعد بسرعة مذهلة والصحيح أن يكون التساؤل حول مستقبل المملكة الورقية في ظل الاستعمار الرقمي.
خالد: من أبرز الصعوبات التي تواجه النشر .. عدم وجود حملة تسويقية تقود الانتشار الأكبر والأعلى بين المساحات الشاسعة في هذا العالم الفضائي .. لأن الانتشار ما زال يعد في بدايته وكي يصل للمستوى المتوقع يفضل أن تعمل حملة من حيث الإعلانات عبر المنتديات والمدونات والصحف المحلية. ومن جانب آخر تعد الرواية الإلكترونية توجها جديدا نظراً لصعوبة النشر بسبب عدم إعطاء فرصة أكبر للمبدعين المبتدئين وذلك لقلة وجودهم في الحراك الثقافي والأدبي .. وكما لها مستقبل مشرق في حالة استمرارية النشر بطريقة ترضي القراء وخاصة عندما تكون الرواية ممتعة للقارئ يستطيع المتابعة بكل تفاعل وحماس.
(حياة): الصعوبات التي تواجه الطريقة الروائية الإلكترونية هي استمرارية الكتابة، تدخل البعض في مجريات ما يحدث وبعض الردود المنفرة أو المحرجة قد تجعلك تعيد نظريتك للكتابة الإلكترونية، أهم العوائق هو أنك تكتب وأنت تعلم أن السرقة سهلة بجرة قص ولصق !
الغدر بالقارئ الإلكتروني
شروق: عند النقطة التي أشعر بها أن الرواية ناجحة, وستواصل نجاحها إن طبعت ورقيا , وفي حال تيسر الخيار الورقي سأتوقف عن النشر الإلكتروني وأبدأ بإعداد النسخة الورقية وسيحرص القراء – بما أن النص يستحق العناء – على ألا يبقى مبتورا في أذهانهم وبالتالي سيحرصون على اقتناء النسخة المطبوعة .. بعدها سأكملها إلكترونيا حتى تصل لمن لا يستطيع الحصول عليها ورقيا.
خالد: هدفي من النشر الإلكتروني .. نثر النظرة الإيجابية للحياة .. وفي حالة شعوري بأنها حققت انتشارا واسعا اتجه إلى طريقة المراسلة الإلكترونية البريدية وفيها أطمح إلى أن يكون لدي ما لا يقل عن 200 ألف قارئ .. ومن خلال هذا العدد تتنقل همساتي بين الجهمور ويصل العدد إلى الضعف ويتضاعف مع الزمن حتى أحقق عددا كبيرا من القراء وصولاً إلى النشر الورقي وعلى الرغم من ذلك سأواصل طريقي بهذا الهدف لرواية ثانية وثالثة وحسب الإمكانات والقدرة الكتابية.
حياة: أكره الكتّاب الذين يحفزون القارئ بغرض "مالي" ألا ترين أن رغبة الكاتب في ممارسة الكتابة يجب أن تكون أقوى من حبه للمال ؟! وكأنه تحول من كائن حبري جميل إلى إنسان مجبول على حب المال، لا يهمني كثيراً إرضاء القراء الإلكترونيين أيضا، الأهم أن أكتب حتى أنتهي ممن يسكنني بالرواية، فعندما أضع نهاية ستكون قد لغتي انتهت منه وسأكمل حياتي الإنترنتية ولغتي مرة أخرى أفضل أن أكون كائنا حبريا فقيرا على كاتب يحصد غناه بخدعة النهاية في النشر ربما أكون أنانية لكن الأهم إرضاء ذاتي ولغتي!
التدخين السلبي , الكتابة السلبية ..!! تدخلات القراء في الأحداث
شروق: أكتب بعيداً عن مشاركات الآخرين وبانعزال تام, ومن يرغب في إفادتي سيتكبد عناء ذلك ويراسلني, فبقدر ما يشجعك البعض. البعض الآخر يحبطك, وينصرف لجوانب ثانوية من الرواية تجعلكِ تكرهينها وبذلك يسد عليك كل منافذ التنفس.
خالد: التفاعلات والردود تجاه الرواية لها تفاعل بارز وهذا ما حدث في أول رواية إلكترونية سببت الضجة الاجتماعية والإعلامية وأصبحت حديثا للكثيرين سواء من القارئ العادي أو الناقد الأدبي .. واعتبرها "فقاعة صابون" انتهت بعد فترة .. نظراً ما حدث فيها من تعرية لمجتمع كبير .. وغالباً الرواية السلبية غير الهادفة والموضوعية تنتهي مع مرور السراب .. علماً أن هذه الرواية حققت قرابة 70 ألف نسخة انتشرت (على لسان دار النشر) .. بغض النظر عن التوزيع وطريقة النسخ واللصق بين المواقع الإلكترونية.. كما أشير كلما أصبحت الرواية جميلة وجذابة للقارئ .. زاد جمهورها وتفاعلها السريع وهي التي تظل تغرد في السماء لسنوات طويلة إن شاء الله.
المرأة أم الرجل .. التوجه للإنترنت
شروق: لم يعد هناك فرق فالكل سواسية ومن عنده مادة صالحة للعرض سيعرضها والأسماء المستعارة فيها الخير ..
حياة: في الإنترنت تبقى العادات موجودة وإن كانت أقل تمسكاً بنا، يظل من حق الرجل التكلم في أمور كثيرة والتوغل فيها، بينما على المرأة التمسك بحجابها ولو بطريقة ملتوية، لكن يظل للإنترنت ميزة أن المرأة تستطيع لبس العباءة (اسم العضوية) وبالتالي تكتب بحرية أكبــر ..
تدريب للورقي , خطوة أولى .. مستقبل مادي .. ذائقة رخوة !
خالد: بالطبع مقتنع أن الخطوة الإلكترونية تدريب للخطوة الورقية, ولهذا أتعامل مع النص بطريقة حرفية جدا من الناحيتين الأدبية والتسويقية, ولا بد من المرحلة الورقية على أية حال لحفظ الحقوق الفكرية على أقل تقدير.. لا توجد أي تكاليف مادية للنشر الإلكتروني وبالطبع لا يوجد أي عائد مادي كذلك ولا أتصور أن فكرة تطوير الكتابة الإلكترونية من ناحية التسويق – كوضع رسوم رمزية للاشتراك بمجموعة بريدية روائية – فكرة ناجحة في الوقت الحالي, وإذا طبقت قد نشهد تراجعا ملموسا في عدد القراء, إتاحة الرواية إلكترونيا لجميع المستويات الفكرية والعمرية من القراء لا يخلق ذائقة رخوة على ما أعتقد فلكل شخص حقه في تكوين رأيه تجاه المادة.

