قلة تدرك أفضل من جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي، نطاق وتعقيد الأزمة الاقتصادية العالمية. وهو يختار تعبيراً مجازياً بسيطاً، على أية حال، لتوضيح سبب المسار الخاطئ للغاية الذي آلت إليه الأمور في النظام المالي. وكأن الأمر: "وكأننا كنا متحمسين لإزالة عدد لا بأس به من الأكياس الهوائية من السيارة." ومع ذلك، فإننا: "الآن وبعد أن واجهنا حادثاً، فإننا مندهشون لرؤية هذا العدد الكبير من الجروح".
في مقابلة مع "فاينانشال تايمز" في مكتبه بالقرب من قمة برج أوروبا Eurotower في فرانكفورت، يقول تريشيه بوضوح إنه تم دفع الرأسمالية العالمية بطريقة متهورة، وإنه آن الآوان لصناع السياسة لإعادة قراءة قوانين الطرق السريعة.
"مثل تلك الأحداث "خطيرة للغاية"، وتدعو إلى التساؤل بشأن مرونة الجسد الكامل للتمويل العالمي، ولأجزاء من الاقتصاد العالمي، ولا يمكننا تحمل حدوث مثل هذه الأمور على نحو متكرر. وعلينا أن نستقي كافة الدروس... دون أية محظورات".
تحمل كلمات تريشيه قيمة جوهرية ليس في أوروبا فقط لأنه كان، منذ مغادرة ألان جرينسبان على الأقل منصبه كرئيس للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مثالياً رفيع المستوى بين صانعي السياسة العالميين. والآن، بعد مرور خمس سنوات في منصبه، فإنه لفت أنظار العالم إلى البنك المركزي الأوروبي في شهر آب (أغسطس) 2007، عندما اتخذ المبادرة في ضخ السيولة الطارئة في أسواق المال المشلولة، الأمر الذي ترك البنوك المركزية الأخرى تتدافع لكي تحذو حذوه. ومنذ انهيار بنك ليمان براذرز Lehman Brothers، البنك الاستثماري الأمريكي، وذلك قبل ثلاثة أشهر، فإن البنك المركزي الأوروبي وسع بشكل هائل عمليات إنقاذ الحياة لأسواق المال.
إن تريشيه الذي درس الهندسة في الجامعة، ويحب الأدب، حيث تشتمل تفضيلاته على قصائد شكسبير، فضلاً عن الشعر الفرنسي، تعلم حيل الأزمات المالية منذ أكثر من 20 عاماً. ومن المغري الإشارة إلى أنه كمسؤول سابق للخزانة الفرنسية، ثم محافظاً لبنك فرنسا، فإن هذا الرجل البالغ من العمر 65 عاماً رأى كل ذلك قبلاً – فيما عدا أن الأزمة الحالية ذات أبعاد لم يشهدها تاريخ البنك المركزي الأوروبي الذي يعود إلى عشر سنوات.
غير أن وصفته لإعادة وضع العجلات للنظام المالي هي بشكل مثير للجدل خارجة عن المألوف، مقارنة بوجهات النظر السائدة في أماكن أخرى، على الأخص في واشنطن، ولندن حيث يتم تمزيق أدلة التعليمات في محاولة لتلطيف الهبوط الاقتصادي الحاد. ويجادل رئيس البنك المركزي الأوروبي – يبدو متعباً بعد نهاية عام من السفر إلى شتى أرجاء المعمورة للتنسيق بشأن إجراءات الإنقاذ – بالقول بقوة إن الاستجابة تعتمد بشكل حاسم على بصيرة دقيقة لأعمال الاقتصادات المختلفة.
يبقى البنك المركزي الأوروبي مستعداً لأي حادث. ويشير تريشيه إلى ستة أجهزة هاتف سوداء اللون موضوعة على طاولة المؤتمرات في مكتبه، جاهزة لعقد المؤتمرات عبر الهاتف مع المجلس الحاكم القوي للبنك المركزي الأوروبي الذي يضم 21 عضواً في أية ساعة كانت (تم عقد مؤتمر واحد على الأقل عندما تجاوز الوقت منتصف الليل في بعض بلدان منطقة اليورو.) والمطلوب فقط هو إشعار مسبق مدته 90 دقيقة لعقد أي اجتماع، حسبما يقول متفاخراً. ويضيف: "القارة بأكملها ستكون هنا. وهذا أمر مذهل للغاية لأن ذلك يعني حضور جميع الأعضاء.. من لوبليانا إلى هيلسنكي، ومن لشبونة إلى دبلن".
تقتضي السمات الثقافية والهيكلية لأوروبا استجابات سياسة معيارية إزاء الظروف الاقتصادية المتدهورة بسرعة. ويبدو ذلك أكثر وضوحاً فيما يتعلق بحزم حوافر السياسة المالية. ففي حين أنه يتم تقرير السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت، إلا أن سياسات الضريبة والإنفاق الحكومي يتم تحديدها في عواصم البلدان.
لمنع تصادم السياسات النقدية والمالية، فإن مهندسي الاتحاد النقدي الأوروبي – الذين كان من بينهم تريشيه، – وقعوا اتفاق "الاستقرار والنمو"، ووضعوا القوانين بشأن حجم عجوزات القطاع العام، ومستويات الدين. والاتفاق، حسبما يصر تريشيه، هو بمثابة "شيء مقابل آخر، بسبب حقيقة أنه ليست لدينا ميزاينة اتحادية، وحكومة اتحادية"، ويجب الاستمرار في احترامه. ويضيف: "إننا سوف ندمر الثقة إذا قضينا على اتفاق الاستقرار والنمو."
لم يرغب تريشيه في مناقشة البلدان المختلفة، ولكنه يبدو أنه يحترم رفض ألمانيا إزالة جميع الموانع المالية. وبسبب توافر مصادر التمويل العام القوية نسبياً، فإن أكبر اقتصاد في أوروبا في المكان الأفضل لاستغلال حيز المناورة المسموح به بموجب اتفاق الاستقرار.
يقول تريشيه: "لا أريد أن أعلق على أية دولة محددة، لأن من واجبي النظر إلى القارة بأكملها التي تضم 320 مليون مواطن زميل. ولكنني أقبل تماماً أن هناك اختلافات في قدرة الأسر في الثقافات المختلفة على تقبل التدهور في الوضع. ويورد ما يطلق عليها "التأثيرات الريكاردية" – التي سميت باسم ديفيد ريكاردو، عالم الاقتصاد في أوائل القرن التاسع عشر – والتي يخشى فيها المستهلكون من أن قيام الحكومة بالإنفاق اليوم، سوف يعني فواتير ضريبية أعلى في المستقبل، وبناء عليه يخفضون من إنفاقهم. ويضيف: "ربما يخسر المرء أكثر بفقدان الثقة مما يحصل عليه بالإنفاق الإضافي".
إن العوائد على المخاطر المتصاعدة بسرعة للسندات الحكومية لمنطقة اليورو تؤشر أيضاً إلى خشية الأسواق من التبذير المالي، حسبما يشير تريشيه. ويضيف: "لديك التوزيعات المالية، والتأثيرات الريكاردية المحتملة، لكي تأخذها في الحسبان. ويؤكد ذلك أن من المناسب احترام قوانين الاتفاق كما هي، وبطبيعة الحال، استغلال الحيز للمناورة الذي يقدسونه".
يسلط رئيس البنك المركزي الأوروبي الضوء أيضاً على الدور الذي لعبته منطقة اليورو بواسطة "عوامل الاستقرار التلقائية" – التي يزداد وفقها الإنفاق الحكومي، وتنخفض العوائد في ظل أي هبوط دون أن تتخذ الحكومة أية إجراءات. ويقول: "يمكن أن يكون هناك نظام بهذا الحجم الكبير لأي انخفاض مماثل في الناتج الإجمالي المحلي، وربما يكون لديك ضعف تأثير عوامل الاستقرار التلقائية كنسبة من الناتج الإجمالي المحلي في منطقة اليورو مقارنة بالولايات المتحدة. وإن مستوى كبيراً من الإنفاق العام، كنسبة من الناتج الإجمالي المحلي، ليس أمراً نكون فخورين به للغاية بالضرورة، ولكن مرة أخرى، فإنه يمثل نوعاً ما من "الإطفاء" في الفترات الصعبة للغاية."
ماذا، بناء على ذلك، يستنتج تريشيه من التدخلات المالية في المملكة المتحدة – حيث يتوقع أن يصل اقتراض القطاع العام إلى 8 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي في العام المقبل – وخطط الإنفاق الخاصة بالإدراة الأمريكية الجديدة؟ إن رئيس البنك المركزي الأوروبي دبلوماسي أيضاً، بحيث لا ينتقد أية حكومة. ولكنه يجادل بالقول إن العالم "يدفع ثمن الغياب خلال فترة طويلة من الوقت للتوازنات المناسبة في الاقتصادات المختلفة في شتى أرجاء العالم... وإن ما يقال لنا– وهو مرة أخرى بمثابة رسالة إلى جميع البلدان الصناعية بحسب مفهومي الشخصي – هو أنه أمر خطير من حيث أن تكون محلياً وخارجيا في مركز اختلال بشكل ملحوظ".
يدرك صناع السياسة في الولايات المتحدة، حسبما يجادل تريشيه، أن "هناك حدوداً... فإذا كنت تعتقد أنه ليست لديك حدود، فعندئذ تتعلم أن هناك حدوداً بواسطة التأثيرات الريكاردية، وبواسطة الأسواق المالية ذاتها".
بعد انهيار فقاعة الإنترنت، حسبما يقول تريشيه، كانت هناك "درجة من التشاؤم المفرط". وكانت البنوك المركزية تتعرض لضغوط تخفيض معدلات الفائدة إلى مستويات متدنية للغاية. ويضيف: "إنني شخصياً لا أنتقد أي شخص، وأعرف الضغوط التي كان البنك المركزي الأوروبي يقاومها في ذلك الوقت." في بداية عام 2004، حسبما يتذكر، "كان هناك ثلاثة رؤساء دول، وحكومات لبلدان كبيرة، ممن كانون يطالبون البنك المركزي الأوروبي علناً بأن يخفض معدلات الفائدة. وأنا افترض، بميزة الإدارك المتأخر، أن الأمر كان سيبدو استثنائياً، مع الأخذ في الحسبان ما حدث فيما بعد".
شهدت السنوات التي تلت ذلك مستثمرين يبحثون عن عوائد أعلى، والتي إلى جانب عوائد المخاطر المتدنية، والمستويات المتدنية من التقلبات، شجعت على تكوين فقاعة الأصول – الأمر الذي أدى إلى زرع بذور الأزمة الحالية. ويؤكد تعليق تريشيه على خشية صانعي السياسة الأوروبيين من إرث جرينسبان. ويبدو أن الدروس علقت بصانعي السياسة في البنك المركزي الأوروبي. وخلال الشهرين الماضيين، خفض البنك المركز الأوروبي سياسته الرئيسة لمعدل الفائدة بنحو 175 نقطة أساس هائلة، إلى 2.5 في المائة – لكن البنوك المركزية الأخرى خفضت الفائدة بشكل أسرع، ويشير تريشيه إلى أن البنك المركزي الأوروبي لن يتخذ الخطوات الاستثنائية قيد الاعتبار، على سبيل المثال التي اتخذها الاحتياطي الفيدرالي، لتحسين النمو. ولدى سؤاله عما إذا كان البنك المركزي الأوروبي سوف يفكر في شراء الديون الحكومية، يجيب قائلاً: "إننا سوف ننظر إلى الوضع دائماً على أساس تحليلاتنا الخاصة، مع أخذ كل الأمور بعين الاعتبار. واليوم، لن نفكر بالتأكيد بأن ذلك سيكون مناسباً على الإطلاق".
مع ذلك، ورغم قلقه البالغ بشأن القيود التي يواجهها صانعو السياسة، فإن تريشيه يتمتع بالجرأة فيما يتعلق بأجندته لتفادي حدوث انهيار في المستقبل. وعلى صانعي السياسة أن يتقبلوا "الهبوط والصعود" الاقتصادي، ولكن منوط بهم "واجب غامر... وهو إزالة قدر الإمكان تماماً، جميع العناصر المترسخة في التمويل العالمي التي من شأنها أن تضخم الطفرات والانفجارات". ويعني ذلك تفحص إدارة المخاطر في النظام المصرفي، وقوانين المحاسبة، والإشراف على الاقتصادات المهمة في العالم بشكل شمولي.
يحذر تريشيه قائلاً: "إن الضعف، ليس في التمويل العالمي فحسب، وإنما أيضاً في الاقتصاد العالمي ذاته، هو أمر يجب أن نفكر فيه ملياً. وهناك بعض المدخلات الوسيطة الرئيسة التي يتم إنتاجها في ثلاثة مصانع في العالم فقط. وهذا أمر لا يمكن الاعتماد عليه. ولدينا هذا النظام الذي جاء في الوقت المناسب، بوجود الحد الأدنى من المخزون المتوافر لدينا، والذي في حالة حدوث أي صدمة يمكن أن يجعل جسم الاقتصاد الفعلي بأكمله أكثر انكشافاً على الفور." وبالمثل، فإننا "مثلما في أي نظام مالي، قمنا بإزالة عدد لا بأس به من الدعائم، ومصدات الصدمات التي كانت موجودة هنا وهناك".
باستدعاء العقود الزمنية الماضية التي كانت فيها السوق الحرة في الغرب في مواجهة الشيوعية الشرقية، فإنه يشير إلى أن بلداناً أخرى "كانت تستنبط أفكاراً أخرى فشلت، وهو أمر مناسب للغاية من حيث أنها فشلت. وعلى أية حال، فإن الثقة التي تم وضعها في مرونة اقتصاد السوق هي على المحك الآن".
يصبح تريشيه شديد اللهجة عندما يقول: "لا يمكننا أن نتحمل في المستقبل أن نضع مفهوم اقتصاد السوق في خطر كما فعلنا".

