(صدرت رواية في السوق السعودية) .. أما قبل، فلا بأس من التأكيد على أهمية التحلي بأكبر قدرٍ من الحكمة في مواجهة التحولات الزمنية التي تطرأ على مشهدنا الروائي، ووجوب الإلمام بتداعيات مرحلة ما بعد (بنات الرياض) وأثارها المحتملة على المجتمع الأدبي. وأما بعد، فلن نعود مجدداً لنقاش تقليدي حول مصطلح (الرواية القضية) وتشهيدها بالمجتمع ضمن سياق أدبي ستهم الجميع انتقاده بعد أن اتضح أنه يحتوي كل شيء فيما عدا الأدب بمعناه الأوسع، وعلى كل حال فمزيد من الجدل لن يكون أفضل ما يمكننا فعله الأن، كما أنه لا جدوى من القول علناً للجميع بان فن الرواية لم يعد حكراً على أحد بعد أن قبل المجتمع استقالة الذائقة الأدبية، ولا جدوى كذلك من الحديث عن ملامح أزمة روائية، فالأكثر جدوى ربما أن يكتشفها المشهد الثقافي بنفسه!!
لاداعي للتشكيك ..تأكد فقط
(شباب الرياض) قبل فترة ولاحقاً جاءت ( بنات من الرياض) –وربما (بنات في الرياض) فيما بعد-وفي كل الحالات نلحظ التماس اللفظي المتكرر مع مسمى الرواية الجدلية بشكل يجعل منها أنموذجا أيضاً، أو ربما يرسخ لمرحلتيها التي شهدت فيما بعد انطلاقة محمومة نحو تناول كل ما هو اجتماعي وذلك ضمن التحرر العشوائي حتى من الأدوات الفنية، فالأمر لا يستدعي ذلك كما يبدو لاسيما في ظل فلسفة زوابع الفناجين، (والرواية الممنوعة.. مرغوبة) وفي حالة (بنات من الرياض) لكاتبتها الإعلامية فايزة إبراهيم، فلا ينبغي التشكيك في احتماليةٍ لاستنساخ اللفظي لاسيما بعد التغيير (النوعي) الذي حدث بإضافة (من) التي تتفادى مأزق التعميم الذي وقع فيه العنوان الأصلي، كما لا ينبغي التشكيك في كونها نسخة أخرى، وتتناول المواضيع ذاتها حول مجموعة المراهقات واختلاف شخصياتهن ، فالمسألة لا تحتاج سوى التأكد من ذلك فقط!!
المقدمة .. غياب الاحتمالات منذ البداية
لا يحق لنا كذلك السؤال عن عبارة (رواية شبابية) تلك فهي ربما تكرس تصنيفاً عمرياً لا ندرك معاييره، أو ربما هو تلميح لفئة اجتماعية يعنيها الأمر دون غيرها، أو ربما في تلك العبارة مالا تستطيع مداركنا المتواضعة الوصول إليه!!
ويبدو الاحتمال الأخير أكثر واقعية لإنسان كان يبحث بمشروعية عن حقه في الوصول إلى سقف كفايته الذائقية في رواية جديدة!!
فعلى نحوٍ لا يمكن فهمه، بدأت المقدمة بما يفترض أنه مشاعر حب وتقدير لمدينة الرياض سرعان ما تحولت إلى عبارات رمزية يمكنها أن تكون أي شيء إلا أن تكون تعبيراً عن حب مدينة تستحق أن يحبها بأي طريقة أجمل لا نضطر فيها إلى الحديث عن "زكام أنوف الحاسدين" أو "ساكني القيعان.. والفئران المذعورة التي تصطادها الصقور"!! فيما بعد ستبقى حائراً أمام موازنات منطقية لن تصل إلى إقناعك غالباً ، لتفتح الكاتبة بعدها المجال لإسقاطات عدة وتقول "من السهل على سكان القيعان أن يقتاتوا من وراء سرد فضائحهم، ومن الأسهل تسريبها لعاشقي الفضول، والأكثر سهولة أن يجدوا من أمثالهم من يرفع لهم الرايات وليقيم لهم المنابر كي يحاولوا التجذر من خلالها وبكل جرأة"
لم تكن بحاجة لكل هذا ورغم ذلك استمرت في مقدمتها لتكشف فيما بعد ملامح الرواية مستعرضة أسماء بطلاتها الست الذي جعلت من كل منهن ضحية لمشاكل كالعادات الجاهلية والتفكك الأسري والخلافات والمظاهر، لتتضح الرؤية ويبدو الأمر أشبه بمأساوية مسلسلٍ خليجي معتاد!!
تقول المؤلفة: (روايتي المتواضعة: بطلاتها من هذه الأرض، تعثرن ثم ما لبثن أن استقمن على أقدامهن عندما أردن ذلك)...
ربما فات عليها أن تعنون ذلك بـ (نهاية أجمل لرواية رجاء الصانع) أو تختمه بعبارة (عزيزي القارئ... يمكن التأكد من ذلك في الرواية!!)
ولك أن تتخيل مدى التشويق في رواية تبدأ هكذا، ولاتكاد تعيش أحداثها حتى تصدمك على نحو مفاجئ بعبارات على نحو (هو عموماً قد ندم في نهاية المطاف على كل محاولاته وأقواله) ص88
(انتظمت مها في مدرستها الجديدة مع أحدى قريبات سارة والتي ستصبح أخت زوج المستقبل) ص99
وربما هي تحاول أن تقول لك (لستَ بحاجة لتوقع ما يحدث، اقرأ فقط لتعرف كيف سيحدث ذلك!!)
عامية ، وأخطاء ، ونهاية بلا ملامح
لا أدري عن علاقة كون الرواية (شبابية) بقابليتها ذلك الطرح السردي البسيط حد السطحية، وتمريرها ما بقيت تردده تحت مسمى المفردات (العربجية) من قبيل (وش فيها أم الشباب تستهبل!) و(ليش انتحرت هالمستلجة) ص120
ولا أدري عن علاقة ذلك بإدخالها ضمن دائرة التوجيه الاجتماعي المطلق أوتجريدها من كونها (رواية) يفترض أن تمتلك حداً أدنى من البعد الفني والعمق الأدبي أو المتعة الفكرية على الأقل..
ودون أن نمنح الأمر كثيراً من الجدل الذي لا يستحقه، نجد أنفسنا أمام حلقة مفرغة من الأحداث التي يتم افتعالها ومن ثم تداركها، تعليقات غير منطقية أحياناً، اسطوانات مكررة لخيانات زوجية وحالات اكتئاب وصراع أسري، سردية متسارعة بلا هدف واضح ،مع عدد لا بأس به من الأخطاء النحوية والإملائية، ونهاية غير واضحة لا يمكنك التأكد منها إلا عند فهرس الموضوعات ، هي ليست سوى رواية أخرى حول فتيات عاصمتنا مجدداً، يمكن اعتبارها فصلاً إضافية للرواية الجريئة،حاولت أن تأخذ شيئاً من وهجها فإذا بها تزيدها وهجاً دون أن تشعر ، (بنات من الرياض) لم تكن خياراً مؤهلاًً للتغلب على نموذجها ، ربماهي (كلاكيت مرة ثانية)، هذه المرة أكثر ضعفا فنياً وأقل جرأة!!

