بيتر مندلسون في حالة ارتباك، وهو يقول: عليّ أن أواصل تذكير نفسي بأنني عضو في هذه الحكومة"، وحتى الأكثر إرباكا أن وزير التجارة البريطاني والملك البارع بدا لفترة قصيرة بأنه سيصبح شعبياً، وقد روى اللورد مندلسون في هذا الأسبوع قائلاً: دأب توني بلير على القول أن مهمته سوف تكتمل حين يتعلم حزب العمال أن يحب بيتر وفي أول أسابيع قليلة من عودتي إلى الحكومة، كانت هنالك مخاطرة بأن يتحقق ذلك، ووجدت أن ذلك مضلل بعض الشيء".
بعد أقل من ثلاثة شهور من عودة اللورد مندلسون فإن الأمور تعود إلى الوضع المعتاد، فقراره الذي اتخذه في هذا الأسبوع بخصخصة البريد الملكي قد أحيا مشاعر اشمئزاز قديمة، وقد علق أوستن متشل، وهو نائب برلماني عن حزب العمال قائلاً: الكلاب تعود إلى قذف تقيئها، في إشارة إلى محاولة اللورد مندلسون الرامية إلى خصخصة البريد الملكي قبل عقد في تجسيد سابق في الحكومة.
ويتنهد الوزير البالغ من العمر 55 سنة قائلاً: العادة يا سعادة!.
إن عودة اللورد مندلسون إلى عالم السياسة البريطاني في التعديل الوزاري الذي أجراه براون في شهر تشرين الأول (أكتوبر) ربما تجيء كأكثر تطور سياسي مثير للدهشة في ويستمنستر طوال سنوات، ولم يفاجأ أحد أكثر من المفوض التجاري السابق للاتحاد الأوروبي الذي ظهر في 10 داوننج ستريت، وهو يحمل تذكرة ذهاب وإياب بالقطار إلى بروكسل، ودون أن يحمل أي ملابس إضافية.
والعودة إلى الوزارة لمرة ثالثة أمر كاف جداً، فعرض الوظيفة من قبل براون كان كذلك: طوال أكثر من عشر سنوات خاض الرجلان ما يصفها اللورد مندلسون "بحرب غير مدنية"، وهي واحدة من أشد العداوات في عالم السياسة.
ومع أن إحياء براون مرتبط بمعالجته للأزمة الاقتصادية، وكانت عودة اللورد مندلسون اللحظة الرمزية التي قام بها حزب العمال، الذي يواجه كارثة اقتصادية وانتخابية بدفن المنافسات القديمة، وحظي اللورد مندلسون بكثير من الفضل إزاء هذا، ولم يكن في الحقيقة ليعرض عن قبول العرض أيضا، قائلاً إنه "أضفى الاستقرار" على المزاج المصاب بحمّى في الحزب، وهو ينسب إليه في أغلب الأحيان صلاحيات أسطورية في ويستمنستر، وخصوصاً من جانب حزب المحافظين المعارض، الذي يشير إليه بصفة "أمير الظلام".
لقد جاءت أحداث بارزة بعد عودته، فأعضاء البرلمان العماليون توقفوا فجأة عن محاولة الإطاحة ببراون، وتحول رئيس الوزراء من روبوت يكثر من الاتصالات الهاتفية إلى زعيم واثق، وبدا أن الحكومة حصلت على هدف جديد، ومحا الحزب تفوق المحافظين بـ 20 نقطة في استطلاعات الرأي، وتوحي بعض الاستطلاعات الآن بأن التفوق يبلغ خمس نقاط مئوية فقط.
واللورد مندلسون، الذي يحتل الآن مقعداً في مجلس الأعيان البريطاني، موجود في كل مكان: على الإذاعة والتلفزيون حيث تراوده بشكل مرح فكرة الظهور كضيف في برنامج هيئة الإذاعة البريطانية Strictly Come Dancing وهو يشترك في 31 لجنة وزارية من أصل 39 ، ويشكل شخصية مهيمنة في مناقشات الوزارة.
وفي الأسبوع الماضي كان في قلب المحادثات مع البنوك، يضع حزمة مساعدة صناعة السيارات ويرسم سياسة صناعية جديدة، وهو على اتصال مستمر مع براون، وقبل بيان عن الميزانية الحكومية في الشهر الماضي عقد معه خمسة اجتماعات منفصلة في يوم واحد، وبالنسبة لبعض العارفين بالأمور سياسياً فإنه تحول من عدو لبراون إلى نائب رئيس وزراء بكل ما تحمله الصفة من معنى.
ولد بيتر بنجامين مندلسون لعائلة سياسية راسخة في لندن عام 1953، وكان جده، هيربرت موريسون، في الوزارة بعد انهيار وول ستريت، ويستذكر اللورد مندلسون قائلاً: الأزمة فسخت الحزب إلى قسمين. وهو مصمم على أن التاريخ ينبغي ألا يعيد نفسه، وفي خطابه الأول في مجلس اللوردات في شهر تشرين الأول (أكتوبر) أشار إلى والده توني، الذي كان يستمتع بالسياسة إلى درجة أنه قاد سيارته إلى فناء قصر ويستمنستر، معتمداً على "موجة مبتهجة ونسخة من تقرير هانسارد تركت على زجاج السيارة الأمامي لطمأنة الشرطي الوحيد
(وهو التقرير الرسمي لمداولات المجلس التشريعي في الكومنولث).
وكان أقرب إلى والدته، ماري، التي توفيت في عام 2006، وكانت شخصية أكثر تحفظاً، تزدري تسليط الأضواء الاجتماعية والسياسية. وطلبت من والدها ذات يوم بأن "يبقيها بعيدة عن عالم السياسة البغيض".
واكتسب مندلسون صورته كمناور إعلامي شرير في ثمانينيات القرن الماضي كرئيس اتصالات في حزب العمال، وغير صورة حزب اشتراكي، غير العلم الأحمر بالوردة الحمراء، وعندما مات جون سميث، زعيم حزب العمال في 1994، اعتقد براون أن صديقه يمكن أن يدعم محاولته لقيادة الحزب وبدلاً من ذلك فإنه دعم توني بلير، الأمر الذي أدى إلى سنوات من الضغائن.
وأصبح مندلسون نائباً في البرلمان عن هارتلبول وانضم إلى حكومة بلير عام 1997، وأعلن أن نسج الحكايات قد انتهى، وحاول صنع مسيرة عملية كوزير لكنه اضطر إلى الاستقالة مرتين – عام 1998 وعام 2001 – كانت المرة الأولى بسبب قرض سكني لم يكشف عنه النقاب من نائب برلماني زميل من حزب العمال، وكانت الاستقالة في المرة الثانية – بسبب دوره في حصول رجل أعمال هندي على جواز سفر بريطاني (وهو أمر تمت تبرئته في وقت لاحق من أنه تصرف خاطئ).
وطوال سنوات بلير ظل مندلسون كبير استراتيجيي حزب العمال، لكن كثيراً من أنصار حزب العمال كانوا يكرهونه لازدرائه الجلي للماضي الاشتراكي للحزب، وفي عام 2004 انتقل إلى بروكسل للإشراف على السياسة التجارية الأوروبية، وأغرق نفسه في سعي غير مجد عن اتفاقية تجارية عالمية، وكان عملاً فنياً مملاً، اتصف بين الحين والآخر بتبادل العبارات الغاضبة مع بوب زويلك، المندوب التجاري الأمريكي السابق، وأبرزها حين كان أحدهما يغلق الهاتف في وجه الآخر.
وعاد براون إلى حياته في آذار (مارس) 2008، حين التقى الرجلان في بروكسل، وكانا بالكاد يتحادثان أحدهما مع الآخر، لعدة سنوات، واعتقد عدد قليل من الناس أن اجتماعهما سيدوم مدة الـ 20 دقيقة المخصصة للاجتماع، لكنه استمر لأكثر من ساعة، وهنا يقول صديق للورد مندلسون: الشيء الرئيسي أن توني بلير خارج المعادلة حالياً، فقد عادا إلى وضعهما السابق.
لكن هنالك اختلافات، فبينما كان براون يلتقي بقلق مع طبقة رجال الأعمال والطبقة الاجتماعية، فإن مندلسون ركيزة في المشهد الاجتماعي النخبوي، ارستقراطي سياسي يستأنس مع أبناء السلالات المؤسسية الذين يستضيفهم في بيته الفخم قرب ريجنتس بارك، وروابطه بهذا العالم، بمن فيه روبرت مردوخ ونات روتشيلد وأوليج إيريباسكا، ابنة القطب الروسي وهي التي أدخلته في متاعب في شهر تشرين الأول (أكتوبر) عندما ذكرت صحيفة الصاندي تايمز أن اللورد مندلسون" دس السم الشديد" في أذن جورج أوسبورن، وزير مالية الظل، خلال عطلة كورفوا مع ديريباسكا.
وأضرت الفضيحة باوسبورن أكثر، لكنها وفرت تذكيراً بأن اللورد مندلسون يجتذب المتاعب، وسيرته الوزارية حتى الآن تقاس بالشهور ولا يمكن لأحد أن يكون واثقاً من أنه سيظل في الوزارة في الانتخابات العامة المقبلة، لكنه إذا ساعد حزب العمال في تحقيق نصر انتخابي رابع غير محتمل فإن بعض أعضاء أحزابه قد يتعلمون أن يحبوه.

