مقدمة
في الوقت الذي تقوم فيه شركات الشحن البحري بسحب الحاويات من الخدمة وحفظها في أماكن خاصة حتى تتحسن الأحوال، وسط أسوأ هبوط اقتصادي خلال العقود الخمسة من عمر هذه الشركات، يستفيد الزبائن من الأسعار الرخيصة للشحن، ولكنهم يواجهون خدمة أدنى من ذي قبل.
أي شخص نظر إلى الخارج من نوافذ المطاعم والمكاتب في الشاطئ الجنوبي الذي تزينه الأشجار من سنغافورة خلال السنوات القليلة الأخيرة كان يشاهد من عل تجليات العولمة. عشرات السفن التي تكون إما راسية أو عابرة في واحد من أكثر الخطوط البحرية حركة في العالم. ومن المشاهد المألوفة تماماً أن ترى سفن الحاويات الضخمة، وهي تُحمِّل كميات هائلة من البضائع المصنعة من آسيا باتجاه أوروبا، أو أنها فارغة إلى حد كبير ومتجهة لتحميل المزيد.
هذا المنظر أخذ بالتغير خلال الأشهر القليلة الماضية. إضافة إلى الخطوط التجارية التي لا تزال تتولى أعمال السفن، فإنك ترى الآن أعداداً كبيرة من السفن الراسية بلا عمل، في انتظار نهاية الانهيار المفاجئ والعميق في قدرتها على تحقيق الدخل.
في البداية حلت الأزمة في شركات الشحن الجاف، التي تنقل خام الحديد والفحم الحجري إلى أنحاء العالم. وبدأت الآن تظهر بينها سفن الحاويات، التي أوقفتها عن العمل الشركات التي شهدت تباطؤ النمو في الطلب أو تراجعه إلى الوراء. ذلك أن المستهلكين في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية باتوا الآن يشترون كميات أقل من الألعاب وأجهزة الكمبيوتر والأثاث والبضائع المصنعة الأخرى، من التي يمكن وضعها وتحميلها داخل الحاويات التي تحملها تلك البواخر.
في حديثه عن التراجع الاقتصادي، يقول ميشيل ديلوران، وهو أحد كبار التنفيذيين في خطوط مايرسك Maersk الدانمركية، وهي أكبر شركات الشحن في القطاع: "يبدو أن التراجع يسير على نحو أسرع وأعمق مما كنا نتوقع".
تجارة النقل بالحاويات بين آسيا وأوروبا، التي ازدادت في السنة الماضية بمقدار 16.5 في المائة، تتقلص الآن للمرة الأولى في تاريخها، وفقاً لبعض التقديرات. وبعد أن كان السعر الفوري لنقل حاوية طولها 40 قدماً من هونج كونج إلى روتردام نحو 2,700 دولار في خريف السنة الماضية، هوى السعر الآن إلى مستويات متدنية في حدود 200 دولار.
الأرقام التي من هذا القبيل تمثل صدمة قاسية لصناعة اعتادت على معدلات النمو السنوي من خانتين، وعلى أسعار الشحن العالية التي ظلت تتمتع بها خلال سبع سنوات كاملة تقريباً منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.
القطاع لم يكن في وضع مثالي يؤهله للاستفادة من العولمة فحسب، وإنما كما يقال هو الذي تسبب في نشوئها، على خلاف في وجهات النظر. كان من شأن إدخال الحاويات في الستينيات والسبعينيات أن انخفضت بصورة حادة تكاليف نقل البضائع مقارنة بسفن الشحن العامة التي حلت محلها الحاويات، وشجعت شركات التصنيع على نقل أعمالها إلى أماكن بعيدة عن أسواقها.
بالنسبة لشركات التجزئة والتصنيع وشركات الشحن الأخرى من زبائن شركات خطوط الحاويات فإن انهيار الأسعار يواصل الاتجاه العام الذي بدأ منذ إطلاق أول باخرة للحاويات في عام 1956. تستطيع كثير من الشركات الآن نقل البضائع آلاف الأميال بين آسيا وأوروبا أو أمريكا الشمالية مقابل جزء بسيط من التكاليف التي كانت تُدفع للنقل البري عبر مسافة بضع مئات من الأميال بالشاحنات أو القطارات.
ولكن وفقاً لما يقوله جون فوسي، محرر مجلة "كونتينرازيشن إنترناشنال" Containerisation Internationa، المتخصصة في أخبار صناعة الحاويات، فإن الزبائن، مقابل التمتع بأسعار رخيصة، سيحصلون على خدمة رديئة. في معظم الخطوط فإن شركات الحاويات أو تحالفات الشركات تسيِّر معاً مجموعة من البواخر، تبلغ في العادة ثماني بواخر لرحلة الذهاب والإياب من الصين إلى شمال أوروبا، مرة كل أسبوع على خط دائري.
بدأت الخطوط والتحالفات الآن بتقليص الخدمات، ودمج خطوط بحرية مختلفة وإبطاء حركة السفن للتوفير في تكاليف الوقود وضمان أن تسير الباخرة بكامل حمولتها. وهذا يتطلب في العادة استخدام سفينة إضافية للمحافظة على معدل خدمة أسبوعية – رحلات الذهاب والإياب بين آسيا وأوروبا تستغرق الآن في العادة 63 يوماً وتحتاج إلى تسع بواخر، في مقابل 56 يوماً و ثماني بواخر في السابق.
يقول فوسي في هذا الصدد: "الشركات التجارية التي استفادت في السنوات الأخيرة استفادة هائلة من شركات الشحن التي كانت تؤمن لها رحلات أسبوعية متعددة من عدد كبير من الموانئ المختلفة، من المحتمل أن تعاني الآن بسبب تقلص عدد الرحلات الأسبوعية. ومن المحتمل أن تجد هذه الشركات نفسها غير قادرة على الوصول إلى العدد الكبير من الموانئ التي كانت تصل إليها في السابق، ومن المحتمل أن تواجه أوقات رحلات أطول من ذي قبل، حيث إن شركات الخطوط تعمل على إبطاء سفنها".
كثير من الشركات الأوروبية ذات النمو النشط والتي استطاعت الهيمنة على شحن الحاويات خلال السنوات الخمس الأخيرة، هذه الشركات تبدو الآن أنها في سبيلها إلى الدخول في سنوات من المعاناة والجهد لتسديد تكاليف الخطوط الطموحة لتوسعة أساطيلها. الصناديق الألمانية في معظمها والمالكة لأجزاء كبيرة من أساطيل الشحن المذكورة يمكن أن تجد نفسها حتى في مواجهة أوقات عصيبة حين تقوم خطوط الشحن بإلغاء الرحلات الخاصة وتكافح في سبيل تمويل ما وصفه نيك سيوبيرج، من برايكر شبنج سيرفسيز Braemar Shipping Services، وهي شركة تتخصص في الوساطة لأعمال الشحن، على أنه "حمى متغذية" من طلبات السفن.
ويقول سيوبيرج شارحاً: "الشخص الذي طلب هذه السفن يعاني الآن مشكلة. عليه أن يؤمن رأس المال والأسهم، وليس هناك من يريد تمويله. وهذا ينطوي على إمكانية خلق مشكلات كبيرة للبنوك والمستثمرين".
في قلب المشكلات التي تعانيها الصناعة ما حدث من التطابق الزمني بين تباطؤ الطلب وبين بداية موجة من تسليم سفن هائلة تم طلبها في أوج الإثارة حول طفرة التصنيع الصينية.
أكبر سفن الحاويات الموجودة الآن، يبلغ طولها تقريباً 400 متر، وعرضها 55 متراً، وتستطيع حمل 13 ألف حاوية، تبلغ طاقتها نحو مرة ونصف المرة ضعف طاقة أكبر السفن التي كانت موجودة قبل خمس سنوات فقط. وقد تم تصميمها أساساً للتعامل مع الصادرات الصينية والبلدان الآسيوية الأخرى إلى أوروبا، رغم أن بعضها يمكن استخدامه للخدمات بين آسيا والساحل الغربي للولايات المتحدة.
يقول سيوبيرج إن مالكي السفن بحاجة إلى تأمين مبلغ 500 مليار دولار لتسديد أثمان السفن التي التزموا بشرائها. وبالنسبة للشركات ذات الطلبات الكبيرة لزيادة أسطولها، فإن هذا سيشكل عبئاً ثقيلاً على عاتقها.
تستطيع البواخر الكبيرة، حين تكون بكامل حمولتها، نقل الحاوية الواحدة بسعر رخيص. ولكن يرى كثيرون أن السفن العملاقة ستصبح عبئاً ثقيلاً في طور الركود الاقتصادي. يذكر أن سفن الحاويات، على خلاف الناقلات أو سفن البضائع الجافة السائبة، تعمل وفقاً لجداول ومواعيد ثابتة، شأنها شأن الحافلات أو القطارات أو الطائرات. ومثل جميع الشركات تقريباً، فإنها بحاجة إلى اجتذاب عدد من الزبائن يكفي لتغطية التكاليف التشغيلية الثابتة قبل تحقيق الأرباح. تستطيع السفن الكبيرة أن تجعل ملء الفراغ المتوفر أصعب من ذي قبل وتضطر الشركات المشغلة إلى تقديم حسميات كبيرة في الأسعار.
يقول مارك بيج، مدير قسم الأبحاث في مؤسسة دروري شبنج كونسلتانتس Drewry Shipping Consultants في لندن، إن وصول السفن الجديدة الكبيرة على خطوط خدمات آسيا – أوروبا لشركة سي. إم. إيه. سي. جي. إم CMA CGM في مرسيليا، وهي شركة الخطوط البحرية الثالثة في العالم، ساعدت على دفع الأسعار إلى الأدنى على كامل خط الرحلة. ويقول في هذا السياق معلقاً: "حين تكون السوق هابطة فإن آخر شيء يريده الناس هو وجود باخرة ضخمة جديدة تكون متعطشة للحمولة في الميناء كل أسبوع وبحاجة إلى تحميل".
ترد الشركة الفرنسية ومعها الشركات الأخرى التي تؤمن بالسفن العملاقة إن السفن الجديدة هي جزء من الجواب بالنسبة للصناعة وليست المشكلة. يقول نيكولا سارتيني، المسؤول عن خطوط آسيا – أوروبا، إن شركة سي. إم. إيه. سي. جي. إم تستفيد من شبكتها العالمية، التي لا تزال بعض أجزائها، مثل خطوط آسيا – غرب إفريقيا، لا تزال في طور النمو. وهي تتصدى للتراجع في أحجام الحمولات على خطوط آسيا – أوروبا بزيادة حجم البضائع المتجهة إلى غرب إفريقيا، التي يتم تفريغها في طنجة بالمغرب ليصار إلى تسليمها إلى سفينة ثانية.
وحتى لو أن من غير الممكن إلغاء الطلبات المستقبلية على السفن فإن شركات الخطوط البحرية ستسعى لتأجيل مواعيد التسليم، حتى تتجنب أثر الإغراق من الطاقة الجديدة على الأسعار ودفعها إلى الأدنى. وستتمكن كثير منها كذلك من التخلص من السفن المستأجرة من الشركات المالكة المتخصصة لتقليص تكاليفها وحجم أسطولها. وتتمتع شركة سي. إم. إيه. سي. جي. إم بخيار إعادة 150 سفينة من السفن التي تقوم بتشغيلها حالياً من أصل 385 سفينة وأعادتها إلى الشركات المالكة خلال عام 2009، وفقاً لما يقوله سارتيني.
مع ذلك، فإن من المرجح أن يعمل التراجع الاقتصادي على تحويل توازن القوى في الصناعة باتجاه الشرق. شركات التشغيل الآسيوية، مثل شركة نبتون أورينت لاينز Neptune Orient Lines السنغافورية وشركة أورينت أوفرسيز كونتينر لاينز Overseas Container Lines في هونج كونج، التي كانت سفنها الصغيرة حتى عهد قريب تعتبر نوعاً من العبء والضعف، تبدو الآن في وضع أفضل من الشركات الأخرى. وقد امتنعت إلى حد كبير خلال السنوات السابقة عن تقديم طلبات لبناء سفن كبيرة.
تتوقع شركة إيه. إكس. مارين AXS Marine، وهي شركة وساطة للشحن البحري في باريس، إن طاقة الأسطول للشركات ستنمو بأكثر من 14 في المائة سنوياً في المتوسط بين هذا العام ومطلع عام 2011. وحتى لو تم تصحيح النسبة لاحتساب آثار السرعات البطيئة والتخلص من السفن، تتوقع شركة دروري أن تزداد طاقة السفن بحوالي 12 في المائة هذا العام والعام الذي يليه، وهي نسبة تزيد كثيرا على أية توقعات حول نمو الحركة.
الواقع، أن من الممكن المجادلة بأن المشكلات يمكن أن تكون هي البداية فقط. الأرقام المبدئية من التقرير السنوي لشركة دروري حول القطاع، والذي سينشر قريباً، توحي بأن أسعار شركات خطوط الشحن كانت لا تزال في ارتفاع هذا العام بنسبة 4.1 في المائة. وبالنسبة للعام المقبل فإنها تتوقع هبوطها في متوسط الأسعار بمقدار 20 في المائة تقريباً. يمكن لهذا أن يجعل شركات خطوط الشحن تواجه حتى المزيد من الخيارات المرة. سفن الحاويات التي سحبت من الخدمة قبالة ساحل سنغافورة هي في معظمها سفن قديمة وصغيرة تعمل الشركات على سحبها من الخدمة للتركيز على ملء سفنها الحديثة. يشير سيوبيرج من شركة برايمار أنه إذا استمر التراجع الاقتصادي فترة أطول بكثير فإن الشركات ربما تكون بدلاً من ذلك بحاجة إلى إرسال سفن جديدة لامعة تكلفة الواحدة منها 170 مليون دولار وإيصالها مباشرة إلى رصيف الميناء.

