الأحد, 26 يوليو 2026|10 صَفَر 1448
الاقتصادية

لاشك أن الغارة الوحشية الإسرائيلية لا يمكن لأي عاقل أن يبرر همجيتها كما لا يمكن نفي صفة إرهاب الدولة عن إسرائيل وممارساتها. لكن في المقابل نحتاج في العالم العربي إلى شيء من المنطق في التعامل مع الأحداث التي تدور بنا وتدور من حولنا. إضافة إلى حاجتنا الملحة إلى وضع الأصبع على الجرح الفكري الذي يقودنا من مصيبة إلى أخرى ليدفعنا لاحقا إلى رد فعل نندم عليه عقود من الزمن قبل أن نكتشف أننا قدمنا خدمة مجانية للعدو وألحقنا ضررا بأنفسنا فاق ما كان يخطط له. بعد الضربة الجوية المتوحشة التي قتلت الأبرياء خرج سماسرة السياسة في عالمنا العربي متاجرين بالقضية ولكن هذه المرة مركزين على قطاع غزة متهمين دول عربية بالمشاركة بالحصار إضافة إلى اتهام أخرى غنية بتمويل العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين في مشهد مسرحي هزيل ساده دس الاتهامات المغلفة بالدموع المزيفة لتسجيل هدف في مرمى الفريق الخصم لكنه هذه المرة مضرج بدماء الأبرياء من أبناء غزة. وهذا المشهد المسرحي الهزيل يذكر بليلة الهجوم على لبنان في تموز (يوليو) 2007 حين خرج حسن نصر الله مكابرا طالبا من العرب أن يخلو بينه وبين مغامراته فما أشبه الليلة بالبارحة.

الاتجار السياسي بالموضوع الفلسطيني بات يوظف من قبل أطراف إقليمية وتحديدا إيران في نزاعات السيطرة على القرار في المنطقة حتى أصبح جر المصائب التي ترتكبها إسرائيل صك على سلامة الموقف ونزاهة المقصد. فحين حوصر المشروع السياسي لحزب الله في لبنان بادر إلى افتعال حرب مع إسرائيل. وحين تكون المواجهة مع إسرائيل يصعب على أي كان توجيه الانتقادات إلى من جر إسرائيل لاستباحة بلاده كونه يظل يصرخ أن من ينتقده يقف ضده بمعنى أنه يقف مع إسرائيل. وهذا التوجه أصبح ديدن العديد من الفصائل والمجموعات في العالم العربي فكلما إحاطة بها ملمة سياسية أعطت إسرائيل ذريعة مجانية لاستباحة الأبرياء. هذه المرة أعطيت الذريعة من قبل حماس التي رفضت بقرار إيراني المساعي المصرية لاحتواء النزاع الفلسطيني تحت عناوين عديدة ثم رفضت تجديد الهدنة مع إسرائيل التي تمت برعاية مصرية ومع اقتراب استحقاقات سياسية في الداخل أبرزها الدعوة إلى انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة مطلع العام المقبل كثفت حماس من إطلاق صواريخها التي وكأنها صنعت لتهشم زجاج المنازل الإسرائيلية فقط. وضربت بعرض الحائط كل التحذيرات العربية والفلسطينية من استجلاب الدمار الإسرائيلي. والآن بعد أن وقعت الواقعة فلابد من الإشارة إلى المتسبب إلى جانب إسرائيل في قتل الأبرياء من أبناء غزة وعدم ترك الاتهامات تتجول في عقولنا دون وقفة صدق نشير فيها إلى الشركاء في الجريمة ممثلين في الجماعات التي حولت شعوبها إلى وقود يحترق ليوصلها إلى أهدافها. التاريخ لا يعيد نفسه إلا عند العرب فنكبة غزة أمس شبيهة بنكبة لبنان 2007 فالمشهد ذاته الأبرياء سيقتلون لمصلحة مطامح إقليمية وما بقي من غزة سيدمر لكن بالتأكيد "النصر الإلهي" سيسجل وستنهزم إسرائيل في نظر المنتصرين لأنها لم تقضي على معنويات الصامدين على الرغم من الجوع والخوف والدمار ومئات القتلى. وكل من طالب بشيء من التعقل وعدم التحول حطبا لمصلحة إيران أو غيرها عليه أن يستعد لهجوم تخويني وعلى الدول العربية الحريصة على فلسطين في الخليج أو مصر أو الأردن أن تستعد لحملات التعريض والإساءة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية