الجمعة, 17 يوليو 2026|1 صَفَر 1448
الاقتصادية

الآن تستطيع البنوك المركزية أن تكف عن القلق والانشغال بشأن التضخم. فقد أصبح انكماش الأسعار أكثر ترجيحاً في المدى القريب. ولكن الانكماش المؤقت لا ينبغي أن يكون مصدر الرعب الذي يخشاه محافظو البنوك المركزية، على الأقل إذا ما أعيد تمويل النظام المصرفي وإذا ما هبطت أسعار الفائدة في البلدان الصناعية بصورة حادة. منذ وقت قريب، وبالتحديد أثناء شهري أيلول (سبتمبر) و تشرين الأول (أكتوبر)، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة والبنك المركزي الأوروبي ينظران إلى خطر التضخم باعتباره مساوياً تقريباً للمخاطر التي تحيط بالنمو. وكان الاثنان كارهين لتخفيض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ. والحقيقة أن الأسواق المالية ربما اتخذت وجهة نظر بنك الاحتياطي الفيدرالي بشأن التضخم في الولايات المتحدة بوصفها ممثلاً لتوقعات البنوك المركزية الأخرى بشأن التضخم، وهو الاتجاه الذي تعزز بالقرار الذي اتخذه البنك المركزي الأوروبي في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) بتجميد تحركات أسعار الفائدة. وفي تشرين الأول (أكتوبر) كانت الولايات المتحدة على أعتاب نقطة التحول الأعظم خطراً فيما يتصل بخطر التضخم طيلة الـ 20 عاماً الماضية. لا شك أن توقع التضخم ليس بالأمر اليسير على الإطلاق. فقد شهدت بنية الاقتصاد العالمية تحولات ضخمة (على سبيل المثال، التجارة العالمية والعولمة المالية) فضلاً عن التغيرات التي شهدتها الأنظمة الاقتصادية الفردية (مثل انحدار قوة النقابات التجارية). وحتى السياسة النقدية ذاتها تحولت بوضوح نحو التركيز بشكل أعظم على التضخم. فضلاً عن ذلك فإن الصدمات المتصلة بأسعار الطاقة والغذاء قد تكون في غاية الضخامة ولا يمكن التكهن بها إلى حد كبير، بينما تميل سرعة تغير الأسعار إلى الزيادة مع حدوث الصدمات. وعلى هذا فإن أغلب نماذج التكهن التي استخدمتها البنوك المركزية كانت تركز بشكل كبير على معدلات التضخم الحالية. والحقيقة أن هذا النهج قادر على تتبع التضخم بقدر كبير من النجاح، إلا في المنعطفات الحادة، وذلك لأن هذه النماذج تعجز عن التكهن ببعض التأثيرات الأساسية أو التأثيرات طويلة الأمد. إن نقطة التحول التي تواجهها الولايات المتحدة واقتصاد العالم الآن واضحة ومباشرة. فهي تتلخص في أن الناتج العالمي ينحدر بمعدلات قد تكون غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، ربما باستثناء الفترة ما بين العامين 1974 و1975. وفي ظل هذه الظروف تتزايد احتمالات الفوائض الضخمة وتهبط أسعار السلع الأساسية. في واقع الأمر، يبدو من غير المرجح أن تتمكن الحكومات في الصين وغيرها من الأسواق الناشئة المماثلة من التعويض بالسرعة الكافية لتعزيز الاستهلاك المحلي. ومع نمو الفائض في الطاقة الإنتاجية فقد تتزايد حدة الانحدار في الاستثمار في إنتاج السلع، فضلاً عما يصاحب ذلك من تهديدات خطيرة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي. وعلى هذا فقد شهد الطلب على السلع الأساسية، الذي كان مدفوعاً بنمو الأسواق الناشئة، هبوطاً حاداً، الأمر الذي لابد وأن يساعد على انخفاض مستويات التضخم العالمية. وفي النهاية، سيعمل انخفاض أسعار السلع الأساسية وانخفاض مستويات التضخم عمل التخفيض الضخم للضرائب بالنسبة للأسر، الأمر الذي سيسمح بالمزيد من الانخفاض في أسعار الفائدة، وبالتالي استقرار النشاط الاقتصادي. ومن عجيب المفارقات هنا أنه كلما كان هبوط أسعار النفط أسرع كلما كانت فترة الانكماش التالية أقصر، وذلك مع نجاح الاقتصاد في البلدان الصناعية في تجنب المزيد من الضرر. وما دامت أسعار النفط والغذاء قد شهدت هبوطاً حاداً، ومن المحتمل أن تشهد المزيد من الانحدار، بينما ترتفع مستويات البطالة إلى عنان السماء، فإن النماذج المتاحة لدينا تشير إلى أن تضخم الأسعار الاستهلاكية، وبخاصة في الولايات المتحدة، لابد وأن يهبط بمعدلات غير مسبوقة على مدى الأشهر الستة أو الـ 12 المقبلة. أما مستويات التضخم في الولايات المتحدة، إذا ما قيست على مدى 12 شهراً، فمن المحتمل إلى حد كبير أن تكون سالبة بحلول منتصف عام 2009. وفي حين ما زال بعض المراقبين يشعرون بالانزعاج الشديد بشأن خطر التضخم، فإن آخرين يخشون الآلية المعتادة للتحول النقدي التي باتت متعطلة عن العمل، وأن الولايات المتحدة قد تخسر عقداً كاملاً من الزمان كما حدث مع اليابان، بينما يخشى آخرون حدوث انهيار اقتصادي في البلدان الصناعية على غرار ما حدث أثناء ثلاثينيات القرن الـ 20. وعلى هذا فإن المناقشة الحالية تدور حول ما إذا كانت السياسات النقدية قادرة على منع الانكماش وماذا قد يحدث حين تبلغ أسعار الفائدة "حد الصفر الأدنى". والمقصود بحد الصفر الأدنى أن أسعار الفائدة الوطنية ليس من الممكن أن تهبط إلى ما دون الصفر. ولكن إذا ما ظلت أسعار الفائدة الوطنية أعلى من مستوى الصفر بينما كانت مستويات التضخم أقل من الصفر، فقد تصبح أسعار الفائدة الحقيقية أعلى مما ينبغي بالنسبة لاقتصاد يمر بحالة من الركود، وبالتالي تشتد حدة الركود ويطول أمده. كانت المخاوف بشأن الانكماش قد أثيرت على نحو غير صحيح في الفترة ما بين عام 2001 وعام 2003، في حين كان ينبغي للاستجابة القوية من جانب سوق الإسكان في الولايات المتحدة والإنفاق الاستهلاكي في مواجهة انخفاض أسعار الفائدة أن تجعل من هذه المناقشة كلاماً معاداً لا قيمة له. وبتأثير من التفسير الخاطئ للتجربة اليابانية، أدى ذلك إلى الإفراط في نزعة الحماية ضد خطر الانكماش. ومن المفارقات أن هذه الاستجابة السياسية ساعدت على تغذية فقاعتي الائتمان والإسكان اللتين كان انهيارهما سبباً في الركود الحالي، وهو ما قد يؤدي في واقع الأمر إلى الانكماش. ثمة اختلافات مهمة بين بنيتي اقتصاد الولايات المتحدة واقتصاد اليابان، بما في ذلك المستوى الهائل من الأصول السائلة التي تحتفظ بها الأسر اليابانية، والتي تؤدي إلى انخفاض الاستهلاك حين تنخفض أسعار الفائدة. والحقيقة أن هذه الاختلافات، علاوة على الدروس المستفادة من "العقد الضائع" في اليابان، فيما يتصل بضرورة إعادة تمويل النظام المصرفي، تشير إلى أنه من غير المرجح أن تمر الولايات المتحدة بتجربة "العقد الضائع" نفسه. أما الآثار المترتبة على هذه السياسات خارج الولايات المتحدة واليابان، حيث اقتربت أسعار الفائدة من الصفر، فتتلخص في قدرة البنوك المركزية على الاستمرار في خفض أسعار الفائدة بأمان ومواصلة عمليات دعم السيولة النقدية مع التعرض لأقل قدر من خطر التضخم. وفي كل الأحوال، فمع تضاؤل الثقة بالنظام المالي، وتقيد الائتمان بفعل المخاوف المرتبطة بأسعار الإسكان المستمرة في الهبوط، أصبحت قنوات التحول المعتادة عن الأسعار التي تفرضها السياسة النقدية مسدودة. وهذا يعني أن التركيز الناشئ على إعادة تمويل النظام المصرفي، ثم في وقت لاحق التركيز على السياسات غير التقليدية، بما في ذلك شراء أوراق ائتمان القطاع الخاص المالية، كان في محله. مع عودة الثقة بعض الشيء في النظام المصرفي بعد إعادة تمويله في نهاية المطاف، ومع انحدار العائدات على السندات طويلة الأجل بفعل انخفاض مستويات التضخم، فإن أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري وغيرها من القروض ستنخفض بالتالي، فتعود آليات التحول النقدي إلى العمل من جديد، وهو ما من شأنه أن يعزز من النشاط الاقتصادي ويؤدي إلى استقرار أسعار الإسكان الحقيقية، ولو عند مستوى أدنى إلى حد كبير. وختاماً، هناك اختلافان رئيسيان بين أزمة الثلاثينيات والأزمة الحالية. إذ إن العالم الصناعي الآن أصبح أكثر اعتماداً على النفط مقارنة بما كانت عليه الحال آنذاك. وكان الارتفاع الهائل في أسعار النفط الحقيقية من بين الأسباب الرئيسة التي أدت إلى الركود الحالي، ولسوف يكون انعكاس ذلك الاتجاه من العوامل الرئيسة المؤدية إلى تعافي الاقتصاد العالمي. أما الاختلاف الرئيس الثاني فهو يتلخص في أننا أصبحنا الآن أكثر دراية وحكمة من أن نكرر أخطاء الثلاثينيات ـ وبالأخص الاستسلام لنـزعة الحماية التجارية.

جانين آرون زميلة بحث لدى قسم الاقتصاد في جامعة أكسفورد وجون ميولبور أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة أكسفورد، وكان يعمل خبيراً استشارياً لدى بنك إنجلترا، والخزانة البريطانية، ومكتب نائب رئيس الوزراء البريطاني.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية