شركة جويي شوز هي من نوع الشركات الريادية التي ساعدت الصين على التحول من بلد ريفي فقير إلى مركز صناعي مهم. وكانت كي انليان قد اقترضت أموالاً من أقاربها، عام 1988، لإنشاء مشغل لصناعة الأحذية من قطع الجلود الزائدة. وأما الآن، فيدير ابنها هذه الشركة التي توظف 3,800 شخص، كما تصنع عشرة ملايين زوج من الأحذية سنوياً لزبائن من بينهم شركة زارا الإسبانية.
لدى كثير من جيران لي قصص مشابهة. وتقع شركة جويي في مدينة ونزهو على بعد 250 كم إلى الجنوب من شنغهاي، حيث حولها مؤسسو المشاريع ذوو المرونة العالية إلى الحامل القياسي لاقتصاد القطاع الخاص في الصين. وتفيد بعض التقديرات أن في ونزهو 300,000 شركة صغيرة.
غير أن هنالك أمراً في شركة جويي لا ينسجم تماماً مع سمعة ونزهو ذات النزعة الفردية الصارمة. وهنالك طابق كامل من مكاتب الشركة مخصص لاحتفالات الحزب الشيوعي الصيني، كما أن هنالك قاعة لأعضاء الحزب على جدرانها ست صور ذات إطارات لكل من ماركس، وإنجلز، ولينين، وستالين، وماوتسي تونج، ودنج.
تحتفل الصين حالياً بالذكرى الثلاثين لإطلاق سياستها "الإصلاحية والانفتاحية" حين خفف دنج هسياوبنج القيود على الاقتصاد، وأطلق سلسلة طويلة من النمو مرتفع الأوكتان أدى إلى إخراج عشرات الملايين من براثن الفقر. وسوف تتضمن الاحتفالات العزف الموسيقي، والندوات، والخطابات.
غير أن هذه الذكرى تمر في فترة تتسم بالبحث عن الروح حول ما إذا كانت المسيرة المثيرة للإعجاب للنمو سوف تستمر، وما إذا كان بإمكان الرأسمالية الصينية أن تستمر برغم تناقضاتها العميقة. وتعتبر ونزهو، في الأجل القصير، محطة قياس لصحة الاقتصاد العالمي، وقوة الطلب الاستهلاكي. ويعني تراجع في نشاطات مراكز التصدير، مثل ونزهو، وجود مستهلكين محبطين في مكان آخر. غير أن الأهم من ذلك هو أن رواد المشاريع في ونزهو سوف يمثلون اختباراً مهماً لقدرة الصين على التحول من التصنيع متدني التكاليف، وتأسيس اقتصاد أكثر تقدماً.
يأتي التهديد المباشر من جانب التباطؤ العالمي، حيث إن أنباء تراجع الصادرات الصينية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) سوف تمتد آثاره إلى فترات لاحقة. غير أن الاقتصاد الضعيف أطلق كذلك نقاشاً حول ما إذا كانت ديناميكية الإقدام على تأسيس المشاريع التي كانت من أسس النجاح الصيني تتم إعاقتها من جانب ما تبقى من القيود الحكومية على الاقتصاد. وبعد ثلاثة عقود من الإصلاحات، فإن النظام المالي مازال تحت هيمنة دولة الحزب، الأمر الذي يعني أن التمويل غالباً ما يتبع العلاقات والولاءات السياسية، بدلاً من قواعد النشاط التجاري.
يقول ياوهسيانغو، عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة زهجيانج: "لم ينفتح النظام المالي الصيني بما فيه الكفاية، حيث يزداد اعتماد الشركات الخاصة الكبرى على الحكومة ، بينما تعاني الشركات الصغرى عدم قدرتها على الحصول على القروض من جانب البنوك التي تمتلكها الدولة".
تساعد ونزهو على إظهار كيف ازدهرت الرأسمالية من لا شيء، بعد تولي دنج زمام الأمور . وإن هذه المدينة غير معروفة إلا بصورة محدودة خارج الصين، ولكنها أسطورية داخل الصين، حيث تدل على ذلك التفسيرات الكثيرة لنجاحها. وتعزل الجبال هذه المدينة من ثلاث جهات، حيث تمضي الشركات في ونزهو في طريقها، كما يقول بعض الناس في الوقت الذي لا تزال فيه بكين تقطب جبينها في وجه الرأسمالية.
يقول البعض كذلك إن ماوتسي تونج رفض تأسيس الشركات المملوكة من جانب الدولة في هذا الإقليم لأن قربه من المضيق الفاصل بين الصين وتايوان يجعله عرضة للغزو، الأمر الذي يعني أن عليه إنشاء قاعدته الاقتصادية الخاصة به. وهنالك عدد من الكنائس ذات الصلبان بالإضاءة الحمراء ضمن حدود أفق المدينة، الأمر الذي يدعم النظريات التي تقول إن ثقافة الشركات في ونزهو متجذرة في صورة فردية بروتستانتية.
أياً كان السبب، فإن مصانع هذه المدينة أصبحت قوة عالمية في مجال التصنيع الخفيف. وبالنسبة لأي من الذين يستخدمون القدّاحات ، فإن هنالك فرصة تصل إلى 70 في المائة بأن تكون القدّاحة مصنوعة في ونزهو. وينطبق الأمر ذاته على أجهزة التشغيل الخفيفة، والسحابات، وحتى الدمى. وتعتبر البلدات القريبة منها مراكز كبرى لإنتاج الفصالات، والقوابس الكهربائية، والقطع النحاسية، والجوارب، وربطات العنق.
هنالك الكثير من قصص المشاريع الإنتاجية الحاذقة. وقد ظل نان تشونهوي يصلح الأحذية، حتى بدأ مع عدد قليل من أصدقائه بتصنيع أدوات تشغيل خفيف من قطع الغيار في ساعات المساء. وانطلق من ذلك لإنشاء شركة شنت، وهي أكبر شركة في الصين لتصنيع المعدات الكهربائية ، حيث تبلغ مبيعاتها السنوية 2.3 مليار دولار (1.5 مليار جنيه استرليني، أو 1.7 مليار يورو). وانفصل أحد أصدقائه الذين شاركوه في البدايات المبكرة لشركته لتأسيس شركته الخاصة، "ديلكسي"، التي تعتبر الآن ثاني أكبر شركة في الصين في مجالها.
يقول كسي جيان، الأستاذ في جامعة ونزهو: "الأمر المثير للانتباه هو أن هؤلاء الشباب في شركة شنت، وغيرها، بدأوا حياتهم كفلاحين، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه بجهودهم الخاصة". ويجادل بأن النجاح في التصنيع حدث في الغالب على الرغم من السلطات في بكين، وليس بسببها، وكانت الشركات على الدوام متقدمة بخطوة على الحكومة".
يتجذر القطاع الخاص في ونزهو كذلك في شبكة المدينة من البنوك غير الرسمية. واستطاع عدد كبير من المصانع الانطلاق باستخدام أموال تم جمعها من عدد قليل من الأقارب، وأصدقاء الأسر، من بنوك سرية توجد في مجال ليس بالقانوني تماماً، حيث تقبل بها السلطات، ولكن دون أن توافق عليها رسمياً. ويمكن العثور على مثل هذا المزيج من التصنيع الخفيف، والتمويل الصغير من جانب الأسر الممتدة في أنحاء أخرى من الصين بصور أصغر، ولكن غالباً ما يشار إليه "بنموذج ونزهو". غير أن ذلك النموذج يتعرض للضغط. وتشعر شركات التصنيع متدني التكلفة، أكثر من غيرها، بلسعة ألم تراجع الصادرات.
الحصول على صورة صحيحة ودقيقة لما يحدث في صناعة ونزهو أمر صعب. وكان هنالك عدد قليل من التقارير المتعلقة بالإفلاس بين الشركات، أو البنوك السرية، وذلك خلافاً للمركز التصديري في غوانغدونج في جنوب الصين. غير أن زهو ديوين، رئيس الاتحاد الذي يمثل شركات المدينة صغيرة ومتوسطة الحجم يقول إن الإنتاج توقف، أو تم تخفيضه في 20 في المائة من مصانع ونزهو، بينما تراجعت الصادرات بنسبة 15 في المائة هذا العام.
يقول لين كيفو، نائب رئيس شركة شنت: "شهدنا بالفعل عاماً قوياً للغاية، ولكن أثر الأزمة مازال في بداياته".
تبدو آثار التباطؤ واضحة في شوانغيو، وهي إحدى ضواحي ونزهو التي تكتظ شوارعها بالورشات الصغيرة التي تصنع الأحذية، حيث أغلقت بعض الورش أبوابها، كما تكدست مخزونات كبيرة لدى بعضها الآخر. ويقول يي يونغلين الذي يمتلك شركة ديلون لصناعة الأحذية، إن معظم المصانع اضطرت إلى تخفيض الإنتاج. ويضيف: "إذا كنت صاحب شركة صغيرة، ولم تكن لديك عقود منتظمة مع العملاء، أو بعض الميزات الخاصة بالجودة، أو العلامة التجارية، فإنك تعاني بصورة شديدة في الوقت الراهن".
إن تأسيس علامة تجارية، والاستثمار في التقنية، يكلفان أموالاً، حيث يصطدم التراجع بين مصنعّي ونزهو مع واحد من أكبر النقاشات حول مستقبل الإصلاح الاقتصادي في الصين .
وإذا كان نموذج ونزهو الخاص بالتمويل غير الرسمي مفيداً لانطلاق المصانع من الصفر، فإنه ليس فعالاً بصورة كافية لنقل الشركات إلى المرحلة التالية. وليست القروض في السوق غير الرسمية صغيرة للغاية فقط، وإنما نجد أن معدلات الفائدة بالغة الارتفاع، حيث يمكن أن يدفع المقترضون فوائد سنوية تراوح بين 40 و50 في المائة.
تسيطر الدولة في الصين على التمويل الرسمي، حيث تقدم البنوك التجارية الرئيسة معظم الائتمان في البلاد، كما أن معظم قروضها تكون من نصيب الشركات الأخرى المملوكة من جانب الدولة. ولذلك فإنه مع نمو الشركات الخاصة، وحاجتها إلى المزيد من رأس المال، أو الأرض، فإن البعض يشعرون بالحاجة إلى التقرب من الأذرع المختلفة لدولة الحزب.
أدى ذلك إلى تودد غريب من نوعه في ونزهو خلال العقد الماضي، حيث إن الشركات التي تتطلع إلى المحاباة الرسمية، وكذلك من جانب الحزب الشيوعي، يثير أعصابها قيام قاعدة جديدة للسلطة، وبالتالي فإنها تسعى لاختراق القطاع الخاص. وما إجلال الحزب، وستالين في شركة جويي، إلا أحد الأمثلة على ذلك . غير أن شركة شنت تفاخر بأنها الشركة الأولى في ونزهو التي تنشئ خلية للحزب، على الرغم من أنه لم يتم قبول عضوية مؤسس الشركة، نان كونهوي، في الحزب. وأفادت وسائل إعلام الدولة أنه تم خلال العام الماضي إنشاء 3,400 خلية حزبية في شركات ونزهو.
إن إقامة علاقات وثيقة مع الحكومة يعتبر عملاً جيداً في أي بلد، وما عليك سوى أن تنظر إلى صور المصافحة مع الرؤساء القائمين في أجنحة الرؤساء التنفيذيين للشركات في الولايات المتحدة. غير أن ياشنغ هوانغ، الأستاذ في معهد ماساشوستس للتقنية، ومؤلف الكتاب الجديد بعنوان الرأسمالية بخصائص صينية، يقول إن ذلك هو جزء من توجه أوسع من جانب دولة الحزب لخنق الغرائز والدوافع الخاصة بإنشاء المشاريع المستقلة في البلاد. ولا تكمن المشكلة في الصور مع كبار الزعماء، كما يقول، وإنما في صفقات الغرف الخلفية التي يضطر أصحاب المشاريع إلى عقدها إذا أرادوا الحصول على الحماية السياسية.
ويرى الأستاذ هوانج أن الصين لم تشهد تحولاً تدريجياً من سلطة الدولة إلى الرأسمالية خلال العقود الثلاثة الماضية. وبدلاً من ذلك، فإن الانتعاش الحقيقي لتأسيس المشاريع جاء في الثمانينيات حين تم تخفيف القيود في المناطق الريفية. ولكن منذ التسعينيات، فرضت الحكومة مزيداً من السيطرة على القطاع الخاص طري العود، وركزت أكثر على الاستثمارات التنموية التي تقودها الحكومة في المناطق الحضرية. وبحرمان الشركات الخاصة من التمويل، فإنه يجادل بأن الصين تخاطر بتراجع في الإنتاجية سوف يعمل على تدمير النمو المستقبلي.
ويقول كذلك: "إن أحد أسباب المشكلات التي تعانيها ونزهو في الوقت الراهن هو أن شركاتها لا تملك رأس المال الكافي للتحديث. وإن الصين تشبه في الوقت الراهن نموذج رأسمالية تقودها الدولة شبيه بصورة دولة حكم القلة التي يمكن أن تصبح رأسمالية محاباة قائمة على الفساد الشامل، والسلطة السياسية الفظة".
إن وجهة نظر الأستاذ هوانج هذه لها منتقدوها الذين يشيرون إلى أن سياسات مثل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، أحدثت دفعاً كبيراً لتحفيز القطاع الخاص. غير أن كتابه جاء في وقت يتصف بالجدل المكثف داخل الصين حول تحرير القطاع المالي، بما في ذلك مقترحات أولية لإضفاء صفة الشرعية على البنوك السرية.
تعارض بعض البنوك الكبرى المملوكة من جانب الدولة هذه الفكرة، حيث تخشى من مزيد من المنافسة، كما يعارضها بعض المسؤولين الذين يخشون من أن تؤدي إلى انفجار في ائتمان البنوك الجديدة. وهنالك كذلك معارضة عقائدية للتخلي عن مزيد من سيطرة الدولة على التمويل. غير أن مؤيدي الفكرة يقولون إنها سوف تكون بمثابة حقنة في الذراع للاقتصاد في وقت حرج من خلال تقديمها لائتمان أكثر وأرخص للشركات الأصغر حجماً المدارة بصورة جيدة.
يقول زهو، من اتحاد الشركات الصغيرة في ونزهو: "إن من أهم الأمور التي يمكن للحكومة القيام بها من أجل مساعدة الاقتصاد، إضفاء الشرعية على البنوك السرية".
سوف يكون الزعماء الصينيون على حق بأن يفاخروا بالإنجازات الاقتصادية التي تحققت خلال العقود الثلاثة الماضية. غير أنهم إذا أرادوا استدامة ذلك السجل من النمو، فإنهم يواجهون أسئلة قاسية حول مدى اتساع مجالات الاقتصاد التي يودون الاحتفاظ بالسيطرة عليها.

