الثلاثاء, 21 يوليو 2026|5 صَفَر 1448
الاقتصادية

هناك ثورة هادئة تكتسب سرعة في البنوك المركزية، بينما يحفر الاحتياطي الفيدرالي في أعماق أبعد لنصب جسور سياسة نقدية غير متشددة في العالم الجديد. كذلك تفكر البنوك المركزية الأخرى ملياً في المدى الذي يمكنها الوصول إليه في اتباع خطواته.

بالفعل، شهدت البنوك المركزية في العالم تغييرات دراماتيكية منذ بدء أزمة الائتمان قبل أكثر من عام، فخفضت أسعار الفائدة بسرعة غير مسبوقة، حتى بلغت في بعض الأحيان مستويات تاريخية، وزادت احتياطيات البنوك بصورة هائلة لتلبية الطلب المتزايد على السيولة من جانب القطاع الخاص.

بذلك أصبحت هذه البنوك أطرافاً مقابلة فعلية في أسواق المال، وفي بعض الحالات أصبحت مقرضة للشركات. والأكثر من ذلك أنها من خلال توفير السيولة مقابل ضمانات بشروط أكثر مواتاة من تلك السائدة في الأسواق الخاصة، صارت في واقع الأمر جهات تأمين نهائية على المخاطر المدمرة لفئات كاملة من الموجودات المالية، مقدمة بذلك على مخاطر توحي بأن الأزمة يمكن أن تصل إلى وضع بالغ السوء، بحيث لا تستطيع استرداد قروضها.

لكن أحدث خطوات الاحتياطي الفيدرالي الذي خفض أسعار الفائدة إلى مستوى الصفر فعلياً، في الأسبوع الماضي ـ وقال إنه سيوفر الأموال لتمويل عمليات ائتمان أوسع ـ تعتبر اختراقاً جديداً.

ولدى الاحتياطي الفيدرالي، جدلياً، رفيقاً وحيداً هو بنك اليابان. فقد خفض بنك اليابان أسعار الفائدة الأسبوع الماضي إلى ما يقارب صفرا في المائة، وزاد مشترياته من السندات الحكومية، وقال إن من المحتمل أن يشتري الأوراق التجارية.

وتلجأ البنوك في العادة إلى تخفيض أسعار الفائدة حين تريد تحفيز الاقتصاد المتباطئ، لكن حين تبلغ تلك المعدلات نقطة الصفر، فلابد من تطبيق تكتيكات أخرى.

وشأنه شأن الاحتياطي الفيدرالي، من المتوقع أن ينتهي الأمر ببنك اليابان وهو يمول هذه العمليات الشرائية من خلال توسيع ما لديه من احتياطيات بنكية. ولذلك سيوسع أيضا أضيق إجراء لديه في مجال عرض النقد. وعلى عكس الاحتياطي الفيدرالي، لدى بنك اليابان خيار إصدار ديونه الخاصة بدلاً من ذلك.

وبالنسبة لبنك إنجلترا، فهو يحذر من افتراض أنه سيتبع الاحتياطي الفيدرالي فيما يتعلق بالسياسة النقدية غير المتشددة، لكنه يفكر فيما يمكن أن يفعله في ظروف معينة إذا تراجعت أسعار الفائدة في المملكة المتحدة كذلك باتجاه الصفر.

البنك المركزي الأوروبي، بصورة إجمالية، أقل استعداداً لتأييد احتمال أن تنتهي أسعار الفائدة في منطقة اليورو إلى حدود انخفاض مماثلة، غير أن مسؤوليه يقولون إن ذلك لا ينفي وجود بعض العمليات المبتكرة.

إن كون هذه القضايا يتم نقاشها في عدد كبير من الاقتصادات الكبيرة، أمر مهم بالفعل. فالأمور الكامنة فيما بعد أسعار الفائدة الصفرية لا تزال غير مألوفة بدرجة أعلى، على الرغم من أنها راديكالية بدرجة ما اتخذته كل البنوك المركزية من إجراءات جماعية حتى الآن.

ولدى اليابان وحدها خبرة متعلقة بالسياسة النقدية غير المتشددة. فهي تبنت في بداية هذا العقد استراتيجية التخفيف الكمي بزيادة عرض النقد من خلال زيادة احتياطيات البنوك، على أمل أن يعمل ذلك على إنهاء الانكماش وتعزيز الإقراض.

والاستراتيجيات التي تتم دراستها الآن تحمل بعض أوجه الشبه بالتخفيف الكمي الخاص باليابان، لأنها تتضمن نفخ وتوسيع ميزانية البنك المركزي بأكثر من الكمية المطلوبة كي تتماشى مع زيادة في طلب القطاع الخاص للسيولة.

يقول ريتشارد بيرنر، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في مورجان ستانلي، إن استراتيجية الاحتياطي الفيدرالي ترقى إلى كونها "تخفيفاً كمياً مستهدفاً". غير أن كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لا يعتقدون أن التخفيف الكمي حقق نجاحاً كبيراً في اليابان. ويقول الاحتياطي الفيدرالي إن استراتيجيته الخاصة به هي تحفيز الاقتصاد بتخفيض فائدة الإقراض الحقيقية وزيادة الاحتياطيات كمنتج ثانوي فقط. ويفضل أن يطلق على ذلك وصف سياسة الائتمان، أو التخفيف القائم على الائتمان.

والواقع أنه حتى بنك اليابان لم يعتقد أن التخفيف الكمي كان نجاحاً هائلاً، وينفي أن ما يقوم به اليوم يرقى إلى الأمر ذاته.

ويظل البنك المركزي الأوروبي قلقاً بشكل خاص إزاء مزيد من تخفيض تكاليف الاقتراض الرسمي التي تبلغ الآن 2.5 في المائة. وبعض المسؤولين متخوفون من نفاد الذخيرة، وهو مصدر قلق معاكس بصورة مباشرة لتفكير الاحتياطي الفيدرالي، أو لزراعة بذور الفقاعة التالية.

مع ذلك ، ما زال بإمكان البنك المركزي الأوروبي اتباع خطى الاحتياطي الفيدرالي في اتخاذ إجراءات سياسات غير تقليدية إذا لزم الأمر. وقال جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي، لـ "فاينانشيال تايمز"، إن ميزانية البنك المركزي الأوروبي زادت بنسبة معتبرة تصل إلى 55 في المائة، مقارنة مع العام الماضي. ولم ينف احتمال شراء البنك المركزي الأوروبي ديونا حكومية خلال المرحلة ذاتها، على الرغم من أن هذا الخيار ليس قيد الدرس في الوقت الراهن.

من جانبه، يؤكد بنك إنجلترا أنه ما زال في عالم السياسات التقليدية، عند معدل فائدة بنسبة 2 في المائة، وأنه لا يواجه صعوبات في الحفاظ على هذا المعدل. وقد ضاعف تقريباً الاحتياطيات المالية، فأصبحت 44.6 مليار جنيه استرليني على مدى العام الماضي، انسجاماً مع قناعته بأن بإمكان البنوك طلب أي مستويات احتياطيات تختارها مرة في كل شهر.

غير أن البنك يعد خطط طوارئ لما يمكن أن يحدث إذا ما اقتضت الظروف هبوط سعر الفائدة إلى ما يقارب الصفر. وقال نائب محافظ بنك إنجلترا، تشارلز بين ، لـ "فاينانشيال تايمز"، إن من الممكن أن يجبر البنك على دراسة مثل هذه السياسات قبل أن تصل أسعار الفائدة إلى الصفر، وتكون لدى البنوك دوافع قليلة لإدارة السيولة. وأضاف أن "الهدف الأساسي" هو تخفيض أسعار الاقتراض وتحفيز الإنفاق، وهو المنطق ذاته الذي يدفع تحركات الاحتياطي الفيدرالي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية