على قدم وساق تجرى الاستعدادات في حي الكاظمية في بغداد لإحياء أيام عاشوراء ذكرى مقتل الإمام الحسين في واقعة الطف قبل أكثر من 14 قرنا في مدينة كربلاء. وقال أبو قاسم (63 عاما) وهو صاحب أحد المواكب في مدينة الكاظمية: "يبدوأن الأجواء الأمنية ستلقي بظلالها هذا العام بما أن المدينة ربما تستقبل أعدادا غفيرة من الزوار". وأضاف: "لقد أنجزنا استعداداتنا لاستقبال شهر الأحزان واعتقد أن هذا العام سيكون مميزا من حيث الإعداد والتهيئة وإقامة المراسم والطقوس بشكل يتلاءم وهذا الشهر ومعانيه النبيلة". وقال: "سيحظى زوار المدينة من المناطق الأخرى للمشاركة في إحياء أيام عاشوراء بكرم الضيافة والاستقبال". وتضم الكاظمية التي كانت تسمى زمن الدولة العباسية "مقابر قريش" مرقد الإمامين موسى الكاظم الذي دفن فيها عام 802 ومحمد الجواد وهما من المراقد المشهورة في بغداد. وبني حول المرقدين عام 1515 مسجد واسع الأطراف تعلوه قبتان وأربعة منابر مطلية بالذهب. وشرع المئات من الأشخاص في أرجاء المدينة في تهيئة مستلزمات المواكب، التي ستنطلق ابتداء من اليوم الأول من شهر المحرم، الذي سيصادف هذا الأسبوع والتي تتضمن نصب سرادق وأماكن لتجمع الأشخاص للاستماع إلى رواة يستعرضون رحلة الإمام الحسين إلى مدينة كربلاء بصحبة أهل بيته وأنصاره وتختم بأداء طقوس الحزن والبكاء والضرب على الصدر والوجه تأثرا بما حدث للإمام الحسين وأنصاره وأهل بيته. وإلى جانب هذا ستنطلق يوميا وطول الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم، التي يطلق عليها "عاشوراء" مواكب عزاء يشارك فيها المئات يتقدم كل موكب رجل يمتطي صهوة الجواد حاملا سيفا وراية ومرتديا درعا وخلفه العشرات من حملة الطبول والدفوف وعربة سفينة النجاة المزينة بالسيوف والأجراس. ويسير في المرحلة الأخيرة من الموكب أشخاص يرتدون ملابس سوداء وتغطي رؤوسهم عمائم خضراء ويضربون أجسادهم بسلاسل حديدية على وقع أصوات الطبول فيما يقوم آخرون بعروض مسرحية في الشوارع تحكي واقعة الطف وتحظى بتعاطف الناس الموجودين في المدينة. وتحرص مئات الأسر العراقية من أرجاء بغداد على الوجود في مدينة الكاظمية طوال شهر المحرم لمشاهدة هذه المواكب والتفاعل معها في مشهد يغطي عليه الأسى والحزن وهو لم يكن مألوفا طوال حقبة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي كان يمنع بشدة إقامة مثل هذه الفعاليات لكن الأمر اتسع وأخذ مدا أوسع بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 . وقالت زينب حسين (34 عاما) وتعمل معلمة: "منذ ثلاثة أعوام وأنا أحرص على زيارة مدينة الكاظمية كل يوم لمشاهدة مواكب الحزن، التي تنظم يوميا لمناسبة شهر عاشوراء وهي فرصة للتعبير عما يختلج دواخلنا من الحزن والأسى على سيرة أهل البيت فضلا عن أنها فرصة للتعبير عن مشاعر الحزن التي بداخلي على فقدان أخي خلال أعمال العنف التي اجتاحت البلاد ولم نعرف مصيره حتى الآن". ورغم أن هذه الفعاليات تنظم طوال شهر المحرم في الأحياء الشيعية في بغداد مثل الصدر والكرادة والشعلة وأحياء أخرى إلا أن حي الكاظمية يستقطب المئات من الأشخاص من مناطق أخرى نظرا لدقة التنظيم وكونها تقام بجوار مرقد الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد وهما من أئمة الشيعة. وإلى جانب ذلك فإن المدن الشيعية وخاصة كربلاء والنجف تشهد هي الأخرى مواكب وجلسات عزاء يشارك فيها المئات من الأشخاص يوميا في ظل تدابير أمنية مشددة وانتشار عشرات الآلاف من قوات الجيش والشرطة. كما تقدم في مدينة الكاظمية يوميا وجبات طعام من خلال متبرعين حيث يشاهد المئات من قدور الطهي الكبيرة وهي تنتشر في جميع مداخل المدينة وشوارعها وقرب المنازل ويشرف عليها طهاة من الرجال. وتوزع أطباق الطعام على زائري المدينة مجانا فضلا عن تقديم العصائر والشاي والقهوة العربية. وفي كل الأحوال فإن مدينة الكاظمية يطغى عليها السواد في جميع الشوارع والأزقة وتعلو الأعلام السوداء المراقد والجوامع والحسينيات والمنازل والفنادق والساحات العامة فيما تقوم العشرات من المحال ببيع أنواع مميزة من الرايات الملونة والسيوف والدفوف والسلاسل والقمصان مطبوع عليها آيات قرآنية لجميع الفئات العمرية بمن فيهم الأطفال الرضع. وتسمع في أرجاء المدينة منذ ساعات الصباح الأولى وحتى منتصف الليل تسجيلات صوتية لرجال دين وخطباء وشعراء وآخرين ينشدون تراتيل وأهازيج تمجد واقعة الطف وذكرى الإمام الحسين وتحظى مكاتب التسجيلات وباعة الأرصفة بإقبال من قبل زوار المدينة لشراء هذه التسجيلات. وتشهد المدينة إلى جانب ذلك تدفقا كبيرا من المواطنين الإيرانيين لزيارة المدينة خلال هذا الموسم، الذي تنشط فيه الحركة التجارية والسياحة الدينية نظرا لاستقبال المدينة أعدادا كبيرة من العراقيين والإيرانيين والشيعة من بلدان الخليج، الذين يتوافدون لإحياء أيام عاشوراء في العراق. وشرعت السلطات الأمنية في العراق بتعزيز تواجد القوات العسكرية والأمنية في أرجاء المدينة، إضافة إلى مشاركة أبناء المدينة في السيطرة على الأوضاع الأمنية من أجل توفير أجواء آمنة لإحياء المراسم التي ستبلغ ذروتها في فجر العاشر من المحرم حيث تجري عملية ضرب الرأس بآلات جارحة وضرب الظهر بسلاسل كبيرة حتى يخرج الدم منها وأغلبية من يقومون بهذه الفعاليات يرتدون ملابس بيضاء. وتحاط المنطقة في حي الكاظمية بإجراءات أمنية استثنائية حيث تمت إحاطة شوارعها الرئيسة بجدار حديدي يشرف عليه أفراد من قوات الجيش والشرطة والعراقية بجانب متطوعين من أبناء المدينة يقومون بتفتيش الزائرين من الرجال والنساء لضبط الأمن والاستقرار.

