الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

توقعت عدة مؤسسات دولية انخفاض معدل نمو اقتصادات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمقدار النصف في العام المقبل نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية والتراجع الشديد في أسعار النفط.

وفي المتوسط، سيصل نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة إلى ما بين 2.5 و2.8 في المائة، مع تباين كبير في معدلات النمو في الدول المختلفة.

تظل تلك النسب أفضل من معدلات النمو في الاقتصادات الكبرى في العالم، في وقت يتوقع أن ينكمش فيه الاقتصاد العالمي بنحو نصف نقطة مئوية في المتوسط في 2009، لكنها إذا قورنت بمعدلات النمو في المنطقة في السنوات الخمس الأخيرة تصبح مشكلة حقيقية.

وتكمن أزمة المنطقة في انخفاض أسعار النفط إلى حد كبير، فبعدما وصلت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها قرب 150 دولارا للبرميل، هبطت الآن إلى مستوى 40 دولارا وأقل.

ولم يفلح خفض منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" سقف إنتاجها بأكثر من 3.5 مليون برميل يوميا، منذ نهاية تشرين الأول (أكتوبر) حتى الآن، في وقف تدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية.

الواقع أن "أوبك" لم تفعل أكثر من أنها سحبت القدر الأكبر من فائض العرض من السوق، وإن ظل مستوى الطلب أقل من المعروض.

وإذا كانت تقديرات الإنتاج والتصدير تعتمد على نمو الطلب العالمي، فإن الطلب على النفط تراجع هذا العام بنحو 0.2 في المائة ويتوقع أن يتضاعف التراجع في الطلب عام 2009 إلى 0.4 في المائة على أقل تقدير في ظل أكثر التقييمات تفاؤلا للركود الاقتصادي العالمي.

لذا أخذ المحللون والمعنيون بأسواق الطاقة العالمية يضعون احتمالات متشائمة لمنحى الأسعار يمكن إجمالها في المتوسط بتقدير أن يتحرك سعر برميل النفط في نطاق 25 - 35 دولارا خلال العام المقبل.

والأرجح أن أعضاء "أوبك"، أو كبار المصدرين من غير أعضائها لن يكون بمقدورهم عمل الكثير لتغيير الوضع.

ومن شأن تراجع عائدات الدول النفطية العربية، خاصة في الخليج، أن يؤثر في ميزانياتها وخطط التنمية فيها.

ورغم أن الحسابات الجارية لمعظم دول الخليج المصدرة للنفط لا تزال جيدة، بسبب وفرة العائدات في السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط عن المستويات التي حددتها في ميزانياتها، إلا أن ذلك لن يمنع تأثر تلك الاقتصادات بأزمة الركود العالمي وتراجع أسعار النفط في العامين المقبلين.

أما الدول غير النفطية، خاصة كثيفة السكان منها، فإنها ستعاني معاناة مضاعفة، إلى جانب تراجع النمو الاقتصادي الذي كانت تحتاج إلى زيادته لمواجهة مشكلات البطالة والفقر, فإن فترة الوفرة والنمو الاقتصادي لم تنعكس تحسنا ملحوظا على قطاعات واسعة من سكانها.

ومن ثم ستتضاعف المشكلات في تلك الدول مع احتمال أن يؤدي التباطؤ الاقتصادي في الدول النفطية المستوعبة للعمالة منها إلى تقليص مشاريعها، وبالتالي عودة تلك العمالة إلى دولها لتزيد من الضغوط على اقتصادها الذي يعاني أصلا.

أضف إلى ذلك أن وفرة العائدات النفطية في دول الخليج أسهمت في زيادة استثماراتها في اقتصادات بعض دول المنطقة كـ: الأردن, مصر, لبنان, سورية, وغيرها. ولن تجد تلك الدول الآن موردا استثماريا خليجيا يعزز نمو اقتصادها.

كما أنه سيكون من الصعب على كثير من دول المنطقة الاستمرار في مشاريع التنمية الطموحة التي بدأت أو تم التخطيط لها في فترة الوفرة والنمو في السنوات الخمس الأخيرة.

وإذا كانت دول كقطر والسعودية والإمارات لديها من الأموال ما يمكنها من الاستمرار في بعض مشاريع تطوير الطاقة الأساسية، فإن أي استثمارات متوقعة من الشركات الكبرى أو احتمالات اقتراض أو تمويل من السوق العالمية تتضاءل الآن في ظل الركود.

وتفاديا لاحتمالات العجز في الميزانية أو الحساب الجاري، تتردد معظم حكومات المنطقة في التوسع في تلك المشاريع في الفترة المقبلة, ما يعني المساهمة في انكماش النشاط الاقتصادي ولا يساعد على زيادة النمو.

ولا يمكن هنا تجاهل وضع الأسواق المالية في المنطقة، رغم حداثتها وصغر حجمها، التي تشهد تراجعا مطردا في الآونة الأخيرة.

فمن شأن خسارة المستثمرين في البورصة أن تزيد من الشكوك وعدم اليقين لدى هؤلاء المستثمرين فيحجمون عن النشاط والإنفاق. ويسهم ذلك أيضا في عدم زيادة النمو الاقتصادي، وإن كان بنسبة أقل نتيجة عدم الانتشار الواسع لثقافة الاستثمار في الأوراق المالية في غالبية دول المنطقة.

بالطبع لن يكون التأثير السلبي للأزمة الاقتصادية العالمية وتراجع أسعار النفط متساويا في دول المنطقة، حتى لو تقاربت نسب النمو الاقتصادي.

فعلى سبيل المثال يمكن للإمارات، التي شهدت نسب نمو وصلت إلى 9 في المائة، أن تتحمل انخفاض تلك النسبة إلى النصف دون مشكلات كبيرة.

أما بلد كمصر، الذي وصلت معدلات النمو فيه إلى نحو 7 في المائة، فإن تراجع النمو إلى ما بين 4 و5 في المائة سيعني مشكلات صعبة, إذ إن الاقتصاد المصري كان في حاجة إلى زيادة نسبة النمو بمقدار النصف ليتمكن من حل مشكلاته.

لكن مع تراجع العائدات والاستثمارات وتضاعف مشكلة البطالة نتيجة احتمال عودة العمالة من الخليج، ستتضاعف مشكلات البطالة والفقر بشدة.

والحال كذلك مع بلدان أخرى في المنطقة، بعضها يمكنه التعايش مع التراجع لفترة وبعضها لا يتحمل مجرد عدم النمو.

وكانت وزارة المالية السعودية قد أوضحت مع إعلان الميزانية منتصف الأسبوع الماضي، أنها تتوقع أن يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام ‏‏2008 ‏‏نحو 1.753 تريليون ريال بالأسعار الجارية، محققاً بذلك نمواً نسبته 22 في المائة مقارنة بنسبة ‏‏7.6 في المائة للعام السابق، وأن يُحَقِّق القطاع النفطي نمواً نسبته 34.9 ‏ في المائة بالأسعار الجارية. كما يتوقع أن يحقق القطاع الخاص نمواً نسبته 8 ‏ في المائة بالأسعار الجارية.

أما بالأسعار الثابتة، فيتوقع وفقاً لتقديرات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي نمواً تبلغ نسبته ‏‏4.2 في المائة، حيث يُتَوَقَّع أن ينمو القطاع الحكومي بنسبة 3 في المائة، والقطاع ‏الخاص بنسبة 4.3 في المائة. وحقق جميع الأنشطة الاقتصادية المكونة له ‏نمواً إيجابياً، إذ يُقدر أن يصل النمو الحقيقي في الصناعات التحويلية غير ‏النفطية إلى 5.4 في المائة، وفي نشاط الاتصالات والنقل والتخزين 11.4‏ في المائة، نشاط الكهرباء والغاز والماء 6.3 في المائة، نشاط التشييد ‏والبناء 4.1 في المائة، نشاط تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق ‏‏4.2 في المائة، وفي نشاط خدمات المال والتأمين والعقارات 2.2 في المائة.

وكان للإجراءات والقرارات التي استمرت المملكة في تبنيها في مجال ‏الإصلاحات الاقتصادية أثر فاعل في تحقيق معدلات النمو الإيجابية التي ‏يشهدها القطاع الخاص، التي أدّت إلى توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني وتنويعها، ‏حيث بلغت مساهمته في الناتج المحلي هذا العام نحو 46 في المائة كنسبة من ‏الناتج المحلي - عدا رسوم الاستيراد - بالأسعار الثابتة، وهذه المؤشرات تدل ‏على زيادة فاعلية هذا القطاع، خصوصاً نشاطي الصناعات التحويلية والخدمات ‏اللذين يشهدان نمواً مستمراً وجيداً منذ عدة سنوات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية