تلعب البنوك التجارية دورا محوريا في التنمية الاقتصادية، فدورها يتجاوز حفظ الأموال إلى تدويرها في الاقتصاد عن طريق منح الائتمان لمنشآت القطاع الخاص وفتح خطابات الضمان والاعتمادات المستندية والاستثمار وغيرها من الخدمات التي تصب في خدمة الاقتصاد، وكلما توسعت البنوك في منح الائتمان، زاد حجم الاستثمارات الجديدة أو توسعت المشاريع القائمة وهذا مهم لحفز الاقتصاد وتحقيق نسب نمو جيدة تكفل توفير وظائف للخريجين وترفع إجمالي الناتج الإجمالي وتزيد من حجم الصادرات.
في خضم أزمة المال العالمية عانت الأنظمة المصرفية في كثير من دول العالم أزمة خانقة في توفير السيولة التي تساعدها على تحقيق أهدافها السابقة، من هنا لجأت الدول الغربية لضخ سيولة نقدية ضخمة في أنظمتها المصرفية من أجل مساعدة البنوك على الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها والبنوك الأخرى، وهذه الأموال التي ضخت ليست مساعدات أو هبات بل قروض مسترجعة، لكن غرضها تسييل الدم الجامد في عروق النظام المصرفي إذا جاز لنا التعبير .
وحتى اليوم لم تتمكن البنوك في الاقتصاديات الغربية من العودة إلى سابق عهدها من حيث سهولة الإقراض البيني بينها، لأن السيولة أضحت شحيحة وتكاد تكفي لمواجهة التزامات تلك البنوك، من هنا فإن موجة الركود التي أصابت العالم ربما تسهم في عجز بعض الشركات المقترضة عن الوفاء بمواعيد تسديد قروضها بسبب ضعف مبيعاتها من جهة وانخفاض أرباحها وأسعار منتجاتها من جهة أخرى، وهذا سيجعل النظام المصرفي العالمي على شفير الانهيار إذا لم تتمكن الحكومات الغربية من تحفيز اقتصادياتها خلال العام المقبل.
نحن في المملكة لا نواجه أزمة سيولة، فمؤسسة النقد تعهدت بتوفير أية سيولة قد تحتاج إليها البنوك، بل قامت بخطوات من شأنها رفع حجم السيولة لديها عن طريق خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للودائع أكثر من مرة وخفض معدل الفائدة العكسي (الريبو) أكثر من مرة كذلك، كما أن النظام المصرفي في المملكة لا يعتمد على الاقتراض الخارجي لتوفير السيولة لعملياته الداخلية، كما أن البنوك لم تتجه للخارج لتوسيع عملياتها الاقراضية، وهذا أمر أسهم في خفض المخاطر التي يمكن أن تلحق بها نتيجة الأزمة التي تمر في العالم اليوم.
وعندما شدد خادم الحرمين الشريفين على أن اقتصاد المملكة بخير وأنه لم يتأثر بما يحدث في العالم فهو لم يقل سوى الحقيقة التي يعلمها الاقتصاديون داخل المملكة وخارجها، لكن استمرار النمو الاقتصادي على وتيرته يحتاج إلى استمرار البنوك في منح الائتمان لمنشآت القطاع الخاص بالوتيرة السابقة نفسها، أي قبل حدوث الأزمة العالمية، لسبب بسيط وهو أن اقتصادنا بما فيه النظام المصرفي لم يتضرر من الأزمة التي تعصف بالعالم، ولا يوجد تبعا لذلك سبب وجيه لتقييد عمليات الائتمان الجديدة أو التوسع فيها لأن هناك سيولة إضافية أسهمت مؤسسة النقد في توفيرها.
نأمل أن تواصل البنوك عملياتها الاقراضية على الوتيرة السابقة نفسها بل والتوسع فيها إن أمكنها ذلك حتى لا يتضرر اقتصاد المملكة وتتأخر المشاريع أو تؤجل وحتى لا تنخفض نسبة النمو الاقتصادي للقطاع الخاص في العام المقبل عن النسبة المستهدفة، فالقروض هي الدم الذي يجري في عروق أي اقتصاد ومتى ما توقفت أو ضعفت فإنه يتوقف عن النمو وهذا ما لا نرجو حدوثه.
