في الأسبوع الماضي، أرسلت رسالة إلكترونية إلى صديق كان قد فقد وظيفته للتو. فكتبت "أنا آسفة، لابد أن يكون مديروك أغبياء حتى قاموا بالتخلي عن نابغة مثلك. ولا يسعني سوى أن أتخيّل طابوراً يمتد في غضون فترة وجيزة حولك بينما يصرخ أصحاب العمل الأقل غباءً لتعود إليهم. آمل أنك في حال جيدة".
كانت الرسالة نابعة من القلب باستثناء كلمة واحدة، وكانت تلك "في غضون فترة وجيزة". فأنا لا أتوقع أن يتشكل طابور يتدافع على صديقي في غضون فترة وجيزة. فحتى النوابغ لا يتم اختطافهم بسرعة، إلا إذا كانوا يعملون كحراس أمن، أو موظفين اجتماعيين، أو محاسبين، أو معلمين.
وفي لمح البصر، تلقيت ردّاً على الرسالة. قال فيها إنه كان مذعوراً بعض الشيء حيال الرهون العقارية، والرسوم المدرسية، ولكن فيما يتعلق بغير ذلك، فإنه كان مسروراً حقاً. وبالفعل، كانت روحه عالية، لدرجة أنه أرسل لي حكاية مضحكة. (ولأنه كان يشعر أنه بحاجة إلى مزيد من إدخال السرور إلى نفسه، فسأسرد لكم القصة التي بعثها لي صديقي المفصول، والتي سمعها من شخص يعمل في قسم رعاية الأطفال في مدرسة باول ماكرتني. ففي إحدى الأمسيات التي أقيمت لأولياء الأمور خلال الفترة الأخيرة، قيل لهيذر ميلز إن طفلتها كانت جيدة في عزف المزمار، فردت ميلز بكل وضوح: أخذت ذلك الشيء مني).
لم يكن بإمكاني التوقف عن مقارنة نبرة رسالته برسالة أخرى تلقيتها ما بعد ظهيرة ذلك اليوم بالتحديد من صديقة أخرى، تعمل لدى شركة بدت تستعد للاحتفال بالأعياد بتقليص وحشي في عدد الموظفين. وكما قالت، لم تكن معنوياتي سيئة إطلاقاً مثلما هي الآن. لقد كان العمل يؤول إلى حالة من الشلل، بينما كنت أقوم بوظائف ثلاثة أشخاص. وكان هنالك حديث عن خصومات في الأجور. وبدا المكتب هادئاً بصورة عصبية أيضاً؛ حيث إن أغلب أصدقائها تمت إقالتهم، ولم يكن هنالك حتى أي شخص في الجوار يمكن العويل إليه. وكان أسوأ ما في الأمر هو الخوف من أن تكون وظيفتها هي التالية.
من المغري الاستنتاج من هاتين الرسالتين، إذا كان هنالك أمر واحد أسوأ بالنسبة لأولئك الشخصين الناجحين حتى الآن، ومدفوعي الأجر الجيد من أن يتم فصلهما، فإنه ليس أن يتم فصلهما. وإن أولئك الذين تم صرفهم ليسوا بحاجة إلى أن يأخذوا عملية الفصل بصورة شخصية، وإن عدم وجود وظيفة لهم قبل الأعياد يمكن أن يكون مبهجاً بالأحرى. بينما، بالنسبة لأولئك الذين لم يتم فصلهم، فإن موسم الأعياد غير السار للغاية هذا العام سيكون مليئاً بالخوف والعمل الشاق.
ربما يكون هنالك شيء من الحقيقة في هذا الأمر الآن، ولكن لن تستمر حتى فترة طويلة. وسيزداد مقت العاطلين عن العمل سوءاً، بينما لا تتشكل الطوابير الراغبة بضمهم، بينما مقت أولئك الموجودين أصلاً في العمل سيبدأ بالتراجع مع مرور الوقت. وذلك ليس لأن الاقتصاد سوف يتحسن، بل لأن الكره بحد ذاته سوف يخلق أسلوباً يتسم برمته بمزيد من الدقة، والواقعية في العمل.
على مدار العقد الماضي، شكّلت الطبقات الثرية والماهرة من العاملين أسلوب تعامل غير سليم بصورة متزايدة تجاه وظائفها. فنحن نأخذ وظائفنا، وأجورنا المرتفعة كأمور مسلّم بها، ونشعر بالأسى إن لم تكن مكافآتنا أكبر من السنة التي مضت. وطالبنا بأن يكون العمل ممتعاًَ بحد ذاته، والأمر الأخطر، والأشد منافاةً للعقل، هو أننا طالبنا بأن يكون للعمل مغزى.
إن نتيجة كل تلك المطالب كانت بالطبع عدم الرضا. ولقد تسلقنا أعلى قمة هرمية ماسلو من الحاجات، واكتشفنا عند قمة الهرم أن نسبة الأوكسجين أصبحت منخفضة فعلاً. وكوني كاتبة عمود للاستشارات، وجدت أن أغلب القراء، إلى أبعد حد، ممن أرسلوا لي بالمشكلات كانوا من الأثرياء، وكبار المحترفين في مجالهم، حيث توفرت لهم جميع احتياجاتهم الأساسية أكثر مما كانوا هم بحاجة إليها، تاركةً أرواحهم معذّبة. ساعديني، أنا أشعر بالملل، هكذا كانوا يعولون، أو الأسوأ من ذلك: ما المغزى من عملي؟
خلال الأشهر القليلة الماضية، تلاشى ذلك النوع من الأحزان. فحين يكون عمل أحدهم في خطر، وكذلك مدخرات آخر عبارة عن ظلال لنفسه الماضية، فإن البحث عن مغزى للعمل، شيء لا معنى له. وتصبح مسألة الوظيفة أمراً أكثر جوهرية: فالهدف هو المأكل، والمأوى، (والتعليم، إذا لزم الأمر) لنفسك، ولعائلتك. وإذا كنا قادرين على القيام بكل ذلك، حينها فإن كل ما نقدر على تحمّل تكاليفه فوق كل ذلك هو أمر إضافي. وبمجرد أن تم تعديل التوقعات بالكامل مع هذا الواقع الجديد، وبدأنا ننظر إلى المال الذي نحرزه كسبب رئيس للعمل، فسيتبع ذلك رضا كبير.
هنالك أمور كثيرة لابد من توجيهها للتوقعات المتدنية. فقد تبيّن في دراسات الاستطلاع أن النساء يشعرن برضا أكبر تجاه عملهن من الرجال، على الرغم من أنهن يحرزن أموالاً أقل مقابل القيام بالوظائف نفسها، والقيام بأغلب الأعمال المنزلية أيضاً. والسبب بسيط: إن توقعات النساء في الحياة العملية أقل. وعلى نحوٍ مماثل، فإن الدنمارك هي الدولة الأسعد في العالم على الرغم من الطقس البارد، والمناخ المعتم، وأعلى معدل ضريبي يصل إلى 68 في المائة. وإن الدنماركيين الرزينين لا يتوقعون كثيرا من الحياة، وإن وبتوقعهم الأقل، يفرحون بالقليل الذي يحصلون عليه.
إن نزول هرمية ماسلو أمر مؤلم، والتقدّم بطيء. على أية حال، هنالك أمر يمكن للمديرين أن يقوموا به لجعل القليل الكافي أقل مقتاً. والطريقة الأسهل والأرخص لإسعاد العاملين المنهارين معنوياً هي إخبارهم بأنهم يقومون بعمل رائع. وإنها واحدة من أعظم الألغاز في حياة العمل، حيث من الغريب مقاومة أغلب المديرين لها في حين أنها لا تكلّف فلساً واحداً. هذا كل ما عليهم القيام به: اختر الأشخاص واحداً تلو الآخر، (إن القيام بالأمر ضمن مجموعات يدل على الكسل، ويعكس التأثير)، وقل شكراً، وأحسنت، ولتظهر على ملامحك أنك تعني ذلك فعلاً.

