روبرت لافلين، وهو وسيط مالي لتعاملات الطاقة، يعود بذاكرته إلى الأيام التي ساد فيها توتر كبير في المزاج العام في قاعة بورصة النفط الدولية في لندن مع اقتراب موسم أعياد الميلاد في نهاية عام 1998. يقول: "كانت هناك فوضى عارمة. كان العالم يمر في طور الهبوط الاقتصادي العميق، ولم يكن الناس يريدون شراء النفط.
كثير من الأسواق الناشئة في آسيا كانت في طور الركود الاقتصادي، إلى جانب اليابان، في حين أن روسيا خفضت قيمة الروبل ودخلت في طور الإعسار بالنسبة لدينها المحلي. ورغم أن بلدان البر الأوروبي انتعشت بفعل الموعد القريب للغاية لإطلاق اليورو، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا من بين كثير من البلدان التي كانت تشهد تراجعاً في النمو. وفي أحدث نشرة من التقرير الدوري الذي يصدره صندوق النقد الدولي بعنوان "آفاق الاقتصاد العالمي"، بذل مؤلفو التقرير جهداً كبيراً وهم يناقشون الأمور الواجب فعلها للتصدي "للأزمة الحالية".
كانت سوق النفط تعرف الجواب، وهو البيع. قبل عشر سنوات من تاريخ اليوم، كان سعر خام برنت القياسي من بحر الشمال عند الإقفال هو 9.64 دولار للبرميل، وهو أدنى سعر في التاريخ لهذا النوع من الخام.
يقول لافلين إن أصداء هذا العهد تتردد من جديد: "لا يريد الناس اليوم شراء النفط كذلك." ولكن الاختلاف هذه المرة هو في سرعة انقلاب الموقف. قبل خمسة أشهر فقط سجل خام برنت أعلى سعر له في التاريخ عند 147.50 دولار للبرميل. أما هذا الأسبوع فقد كان سعره دون 40 دولاراً للبرميل. عدد من السلع الأخرى كذلك فقدت حظوتها بسرعة عند المستثمرين. مؤشر رويترز – جيفريز سي آر بي Reuters-Jefferies CRB، الذي يشتمل على النفط وعدد من السلع من النحاس إلى القطن، يهوي إلى أدنى مستوى له منذ ست سنوات، بعد أن شهد تشرين الأول (أكتوبر) أكبر هبوط شهري لهذا المؤشر منذ أن بدأ العمل به في عام 1956.
حدة الأزمة فاجأت التنفيذيين في شركات الموارد الطبيعية، والمتداولين في السلع، ومصرفيي وول ستريت على حد سواء. ذلك أن طفرة السلع خلال الفترة من 2003 إلى 2008 كانت أكبر طفرة خلال قرن من حيث مقدارها ومدتها وعدد السلع التي ارتفع سعرها أثناءها. وبالتالي فإن الانهيار المفاجئ للأسعار يطرح سؤالاً أساسياً: هل ما حدث هو مجرد حدث صغير عارض في اتجاه عام صاعد، مع احتمال ارتداد الأسعار إلى مستوياتها العالية على المدى المتوسط، أم أن ذلك هو ختام دورة أخرى من دورات ‘الطفرة ثم الانهيار’ في عالم السلع، تتبعها فترة من الاستقرار النسبي للأسعار؟
الاعتقاد الشائع عند أهل الصناعة أنفسهم، وعند معظم محللي "وول ستريت"، هو أن السوق تشهد حالة من التصحيح، ولكن سنوات الطفرة لم تنته بعد. وكما يشير كثير منهم، فإن العوامل الرئيسة المحركة لما أصبح يعرف بالدورة الفائقة للسلع، مثل الطلب القوي الذي كان حبيساً في بلدان الأسواق الناشئة، والقيود على العرض الناشئة عن الافتقار إلى الاستثمار خلال السنوات الـ 20 الماضية، إلى جانب الارتفاع في النزعة القومية لحماية الموارد الطبيعية، هذه العوامل بقيت على حالها دون تغيير. لذلك فإن الهبوط الحالي، على حد قول أحد كبار التنفيذيين في إحدى شركات التعدين هو "إعادة ضبط" للطفرة، وليس نهاية لها. من هذا المنظور فإن الأسعار ستتعافى وتستمر في الارتفاع.
وهم يجادلون بأنه إضافة إلى ذلك فإن الانقباض الائتماني الذي يعمل اليوم على دفع الأسعار إلى الأدنى في الوقت الذي يتباطأ فيه النشاط الاقتصادي في البلدان يمكن أن ينتهي به المطاف إلى أن تكون له مضامين تؤدي إلى ارتفاع الأسعار حين تتوقف الشركات عن الاستثمار في حقول نفط أو مناجم أو مزارع جديدة، بسبب الافتقار إلى التمويل وهبوط الأسعار. وهذا يشير إلى نقص الإمدادات في المستقبل، وهو ما ينطوي على إمكانية ارتفاع الأسعار حين يتعافى الطلب.
ولكن هناك أقلية متزايدة تختلف مع هذه النظرة الوردية. حين نشر البنك الدولي تقريره أخيراً، فإنه وضع نفسه مع الفئة التي تحذر بأعلى صوتها من أن طفرة السلع قد حلت نهايتها. بعض التنفيذيين في شركات الموارد الطبيعية يوافقون على ذلك في سرهم. هذه الطفرة، شأنها شأن الطفرات السابقة، انتهت في الوقت الذي انتهت فيه فترة من النمو الاقتصادي القوي وذهبت ليحل محلها ركود اقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وتباطؤ حاد في بلدان الأسواق الناشئة، بما فيها الصين.
يقول تقرير البنك الدولي: "كما يشهد الهبوط السريع لأسعار السلع منذ منتصف عام 2008، فإن أفضل سبيل لفهم الطفرة الحالية هي باعتبارها دورة أخرى في تاريخ طويل من دورات أسعار السلع." ويقارن البنك فترة 2003 – 2008 بطفرات مماثلة خلال صدمة النفط أثناء الفترة 1973 – 1974 والفترة 1950 – 1957 بعد الحرب العالمية الثانية. هاتان الطفرتان انتهت كل منهما بالانهيار.
رغم أن معظم أنصار هذه الحجة يرون أن الأسعار ستظل أعلى بكثير من المستويات المتدنية في فترة التسعينيات، إلا أنهم لا يتوقعون العودة إلى المستويات المحمومة التي سادت خلال الصيف الماضي. السبب في ذلك هو أن عدد السكان المتزايد على نحو بطيء والارتفاعات الضعيفة في الدخل ستعمل على إبطاء النمو الاقتصادي العالمي، والطلب على السلع، خلال العقدين المقبلين.
وهم لا يقبلون بفكرة أن الانقباض الائتماني سيشعل فتيل النقص في المستقبل حين تقوم الشركات بإلغاء المشاريع الاستثمارية. أية زيادة في الطلب لا بد لها أولاً من امتصاص التراكم الحالي في الطاقة الخامدة حين تأخذ الشركات في تقليص إنتاجها. يقول أندرو بيرنز، وهو اقتصادي لدى البنك الدولي في واشنطن: "من المؤكد أنه من غير المرجح أننا سنشهد في أي وقت قريب طفرة أخرى عبر نطاق واسع من السلع تدوم كل هذه المدة وترتفع كل هذا الارتفاع".
من جانبها تشير صناعة الموارد الطبيعية إلى أن الطلب المتدني في بعض المناطق والسلع، التي من قبيل حقول النفط القديمة في بحر الشمال أو مناجم الذهب القديمة في جنوب إفريقيا، سيساند الأسعار حتى لو كان الطلب ضعيفاً. ولكن يقول المتشائمون إن الهبوط السريع في الطلب سيجعل النظام مليئاً بالطاقة الفائضة.
كل جانب من الجانبين له حجج قوية، ولكن التاريخ يقول إن طفرات السلع تدوم لعقد من الزمن تقريباً، وهي بالضبط المدة التي شهدت الارتفاع المتواصل لأسعار النفط.
بصرف النظر عن الاختلاف في وجهات النظر، فإن المتشائمين والمتفائلين يتفقون تمام الاتفاق على الفترة المقبلة من السنة إلى السنتين، حيث يرون الآفاق قاتمة بالنسبة للسلع. يتوقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ نسبة النمو العالمي في السنة المقبلة 2.2 في المائة فقط، حيث ستعاني البلدان الغنية من تقلص اقتصادي على مدى عام كامل للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، في حين أن النمو في بلدان الاقتصادات الناشئة سيتباطأ على نحو ملحوظ.
يقول توماس هيلبلينج، وهو اقتصادي لدى صندوق النقد الدولي متخصص في قضايا السلع: "الفرق الرئيس بالنسبة للسلع هو أن وجهة نظرنا بالنسبة للنمو الاقتصادي على المدى القصير في بلدان الأسواق الناشئة يغلب عليها الآن التشاؤم." بلدان الأسواق الناشئة ذات النمو المرتفع نسبياً تستهلك قدراً من الطاقة والمنتجات الأساسية الأخرى يفوق ما تستهلكه البلدان المتقدمة، حيث إنها تبني البنى التحتية وتتبنى أشكالاً جديدة من الاستهلاك، من السيارات والغسالات الكهربائية إلى اللحوم والثلاجات.
البلد الذي يعتبر الأنموذج الأساسي للنمو السريع والميل الكبير لاستهلاك السلع هو الصين، التي كانت المحرك العالمي للطلب على المواد الخام خلال السنوات الخمس السابقة. ولكن المحرك تعطل عن الحركة الآن. يقول جيم لينون، وهو محلل للسلع لدى بنك ماكواري Macquarie Bank ومقره لندن، وكان قد استضاف في الفترة الأخيرة مؤتمراً عن السلع في الصين : "حين نقول إنه لا توجد أنباء مشجعة كثيرة فإن هذا قول في غاية التحفظ".
وفقاً للبنك الدولي فإن النمو الاقتصادي في الصين سيتباطأ ليصل إلى 7.5 في المائة في عام 2009، وهو أدنى معدل له منذ عام 1990. ولكن يشعر بعض المصرفيين والتنفيذيين في شركات التعدين حتى بقدر أكبر من التشاؤم، ويقولون إن النشاط في بعض القطاعات كاد يتوقف. يقول لينون: "الواقع أن الطلب وصل مرحلة التجمد في الشهر الماضي".
العلامات الأولى على ذلك غطت عليها الألعاب الأولمبية، حين أمرت بكين الصناعات الثقيلة بالإغلاق مؤقتاً لتقليص التلوث. وحين انتهت الألعاب الأولمبية، أخذ يبدو من الواضح أن النشاط الصناعي الصيني أخفق في العودة إلى معدلاته القوية السابقة. نتيجة لذلك انهارت أسعار السلع.
كمال نقوي، الذي يقدم النصح والمشورة للعملاء من المؤسسات وصناديق التحوط بصفته مديراً للسلع في بنك كريدي سويس Credit Suisse في لندن، يقول إن المستثمرين الكبار على المدى الطويل يظلون ملتزمين بالسلع. "لم نشهد تغيراً كبيراً في موقف المستثمرين المؤسسيين تجاه السلع كإحدى فئات الموجودات." ولكن نقوي يوافق على أنه بالنسبة لعملاء التجزئة وصناديق التحوط فإن الآفاق تغيرت. ويضيف: "انخفض النشاط الاستثماري ونتوقع أن نشهد المزيد من استرداد الأموال من الصفقات الاستثمارية خلال الأشهر الستة المقبلة".
بصورة عامة يوافق المصرفيون على أنه رغم أن الهبوط الحاد في الأسعار خلال الأشهر القليلة الماضية يمكن أن يكون فرصة للشراء بالنسبة لمستثمري الأجل الطويل من الذين فاتهم القطار في أوائل هذا العقد، فإن الرغبة بزيادة انكشافهم أمام الموجودات الخطرة مثل السلع لا يرجح لها أن تعاود الظهور إلى أن تخف حدة الأزمة المالية العالمية.
هذا سيعتبر علامة على حدوث تغير لا يستهان به منذ أن بدأ المستثمرون بصب أموال بكميات كبيرة في السلع قبل نحو خمس سنوات. بالنسبة للبعض كان الدافع هو إغراء العوائد القوية، وبالنسبة لغيرهم كان نوعاً من التحوط ضد التضخم. بالنسبة للجميع كان هناك إغراء التنوع، وسط الفكرة القائلة إن أسعار السلع في العادة لا تتحرك في الاتجاه نفسه الذي تتحرك به الأسهم أو السندات.
بنهاية شهر حزيران (يونيو)، ارتفعت موجودات السلع للمستثمرين والتي وضعت تحت إدارة شركات الاستثمار لتصل إلى 270 مليار دولار، بعد أن كانت نحو عشرة مليارات دولار في عام 2000. لم تأت جميع هذه الزيادة من تدفقات جديدة من الأموال، فهناك قسم لا بأس به من الزيادة جاء من ارتفاع أسعار الموجودات نفسها. ولكن الموجودات المدارة هبطت في الربع الثالث للمرة الأولى منذ عام 2003 إلى نحو 211 مليار دولار، وفقاً لبنك باركليز كابيتال Barclays Capital.
لكن معظم الهبوط في قيمة الموجودات يعود إلى تراجع الأسعار وليس إلى التدفقات الخارجة. إن قيام المستثمرين من جديد بصب الأموال في فئة الموجودات المذكورة يتوقف على وجهة النظر السائدة من بين النظرتين، وهي أن الهبوط الحالي في الأسعار يعتبر مجرد مرحلة عابرة، أو أن الطفرة بلغت منتهاها.
ولكن بالنسبة للمستثمرين والتنفيذيين والمصرفيين على سواء فإن دورات ‘الطفرة والانهيار’ في السلع تُعلِّمنا أن نقل أحداث اليوم إلى تصورات المستقبل يمكن أن يتبين أنه رهان خاطئ. قبل عشر سنوات من تاريخ اليوم، حين هبط سعر البرميل إلى أدنى مستوى له عند 9.64 دولار، كانت الحكمة السائدة هي أن أسعار السلع في سبيلها إلى الهبوط. وبالتالي فإن توقعات اليوم يمكن أن يتبين أنها خاطئة بالقدر نفسه.

