بعد خمس سنوات من التوسع المكون من خانتين، فإن الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم خضع للرياح الاقتصادية الباردة التي تجتاح المعمورة، فاقتصاد الصين تباطأ إلى تراجع في النمو السنوي بنسبة 9 في المائة في الربع الثالث من 10.1 في المائة في الربع السابق – دون التوقع المجمع عليه بنسبة 9.7 في المائة.
وفي ضوء أزمة الائتمان التي ضربت النمو الاقتصادي العالمي، فإن إنتاج الصين الصناعي وقطاع البناء فيها قد تراجع نتيجة طلبيات أضعف للصادرات وإغلاقات المصانع لأولمبياد بكين، وسوق العقارات الضعيف لكن النمو في مبيعات التجزئة ظل قوياً بينما خف التضخم وسط أسعار سلع متراجعة.
وعلى أي حال فإن دومنيك بارتون Dominic Barton ، وهو رئيس المؤسسة الاستشارية مكنزي آند كومباني، في أسيا – المحيط الهادئ "متفائل جداً إزاء الوجهة التي ستأخذ بها الصين خلال السنتين إلى الثلاث المقبلة".
وخلال حديثه في منتدى المعرفة العالمي في سيئول، World Knowledge، يقول بارتون إنه بينما تشير التوقعات الاقتصادية المجمع عليها إلى انخفاض محتمل بنقطتين مئويتين في نمو الصين الاقتصادي عام 2009، فإن محركات نموها الأساسية تظل هائلة- نتيجة قاعدتها الاستهلاكية الضخمة وإنفاقها الكبير في البنية التحتية والوضع المالي القوي للحكومة الصينية.
والحكومة، من جانبها، والتي تملك احتياطيات عملة تبلغ 1.9 تريليون دولار، أعلنت عددا من الإجراءات لمخاطبة المستقبل الاقتصادي القاتم. فالحكومة سوف تزيد الأنفاق في البنية التحتية، وتزيد من التنزيلات على ضريبة التصدير وتقلص من رسوم المعاملات العقارية وتشجع البنوك على إقراض أموال أكثر للشركات صغيرة ومتوسطة الحجم، وتطبق برامج جديدة لدعم المزارعين. وإضافة إلى ذلك فإن الاقتصاديين يتوقعون من البنك المركزي أن يخفض معدلات الفائدة للمرة الثالثة في هذه السنة.
#2#
ويقول بارتون:" نعتقد أن النمو سوف يستمر في الصين في كل قطاع تقريباً، وهنالك بعض القطاعات التي سيكون النمو فيها صفراً"، ويضيف أن بعض القطاعات والشركات تنمو بمعدل يراوح بين 40 و 50 في المائة.
ومثال ذلك فإن شركات صناعات الصلب التي تزود شركات البناء في شنغهاي وشنزهن وجوانجزو، تضررت كثيراً من هبوط سوق العقارات، لكن الشركات في قطاعات البرمجيات والأدوية تنمو بسرعة.
#3#
والجدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي يقدر نمو الصين الاقتصادي في عام 2009 عند 9.3 في المائة، مقارنة بنمو الصفر تقريباً في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان.
ومما لا شك فيه أن نسبة النمو المتوقعة، 9.3 في المائة "ما زالت رقماً قوياً جداً" حسبما يقول ستيفن أكسو، المندوب الرئيسي لمجموعة ايكونومست في الصين، Economist Group ، الذي يضيف أن التضخم في الصين "ليس تهديداً".
ويذكر أكسو، الذي كان يتحدث في منتدى المعرفة العالمية في سيئول، ثلاثة أسباب دورية رئيسية لما يعتقده، أولها أن هنالك قدرات مفرطة جداً في كثير من قطاعات الأعمال في الصين- لذلك سيكون على الشركات أن تخفض الأسعار في السوق المحلية في الوقت الذي تتباطأ فيه صادرات الصين إلى أمريكا، والتي تشكل 21 – 23 في المائة من السلع والخدمات الصينية.
ثانياً: العملة الصينية المرتبطة بشكل غير ثابت بالدولار الأمريكي كانت ترتفع بشكل مترادف مع الدولار، والذي تعزز بشكل غير حدسي، بأزمة الائتمان. وهذا يعود إلى المخاوف بأن الأزمة المالية في أوروبا أسوأ مما هي في أمريكا. لذلك فإن تقوية العملة الصينية أمام معظم العملات تؤدي إلى انخفاض التضخم في الصين، حسبما يقول اكسو.
وأخيراً، وفيما يتعلق بسوق الأسهم في الصين، فإن سوق الأسهم الممتازة هبطت من ذروتها التي بلغت 6300 نقطة إلى معدل متدن من ألفي نقطة، وهنا يوضح أكسو قائلاً:" ولهذا فإن سوق الأسهم قامت بأمور معينة أراد البنك المركزي أن يقوم بها لكنه لم يستطع أن يفعل ذلك بالنسبة لمحاربة التضخم".
وعلى أي حال فإن الصين شكلت جزءاً كبيراً من النمو الاقتصادي العالمي طوال سنوات كثيرة. ومن هذا المنظور، فإن صعود الصين الاقتصادي في العقدين الماضيين عبارة عن "نهوض من جديد"، حسبما يقول بارتون، الذي عاش في كوريا والصين في السنوات الثماني الأخيرة.
وبعيداً عن الوصول إلى استقرار نسبي, فإن اقتصاد الصين سيواصل الارتفاع، حيث سيهاجر 350 مليون صيني من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية في السنوات العشرين المقبلة، وبالتالي سوف تصل الصين إلى "منعطف حاسم" حيث يقدر أن 270 مليون شخص سوف يدخلون فئة الطبقة المتوسطة (إجمالي الناتج المحلي للفرد خمسة آلاف دولار)، والتي ستحرك نمواً أسياً في الطلب على السلع والخدمات.
وهذا التحول الزلزالي للاقتصاد الكلي يؤدي بدوره إلى دعم ازدهار ضخم للبنية التحتية، فالصين تبني 24 مطاراً جديداً بحلول عام 2010 وبوابة مطار بكين الجديدة الثالثة، التي تبلغ مساحتها 986 ألف متر مربع هي وحدها أكبر من المساحة المجتمعة لبوابات مطار هيثرو في لندن، الخمسة، ووفقاً لبارتون فإن الصين تبني مولدات طاقة باستطاعة تبلغ ثلاثين ضعفاً لاستطاعة مدينة نيويورك.
ويقول بارتون :" إن قطاع الطاقة، الطاقة التي تحتاج إليها الصين لتحريك ذلك النمو.. عليك أن يكون لديك أنظمة المياه، الطاقة، الكهرباء، كل هذه تجيء مع النمو".
ويضيف :" إننا نتحدث عن الطرق والجسور، 50 ألف ناطحة سحاب، أكثر من 200 مدينة تضم الواحدة مليون نسمة، كل هذه يتوجب بناؤها، لذلك سوف ترى في كثير من القطاعات - أكثر من نصف استهلاك العالم لتلك المنتجات هناك – لذلك السبب نرى أسعار السلع على المدى البعيد، وأنا لا أرى أن الضغط يتراجع، وقد لا تكون هذه الأسعار عالية جداً كما هي الآن لكن ذلك الطلب سوف يستمر".
والاستثمارات الأجنبية ما زالت تتدفق، ويجذبها نمو الصين السريع، وهنا يقول بارتون:" إننا نشهد زيادة كبيرة جداً في عدد الشركات الأوروبية والشمال أمريكية التي تقول: كيف نضع بصماتنا هنا؟ كيف نشارك في النمو؟"
ومع هذا فإن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يكن عاملاً رئيسياً في نمو الصين، الذي حركته الاستثمارات والاستهلاك المحليين بصورة أكبر، حسبما يقول بارتون.
ولا تحتاج الصين إلى الاستثمار الأجنبي المباشر بسبب مدخراتها المحلية الضخمة (للأفراد والشركات والحكومة)، لكن الاستثمار الأجنبي المباشر ساعد نمو الصين بإحضار قدرات تكنولوجية متقدمة.
كما أن الشركات الصينية بدأت تشب عن الطوق، ويقول بارتون:"هذه الشركات تحصل على النطاق الذي يجعلها تقدر فعلياً على شراء الشركات الأخرى، فنحن نرى نشاط الاندماج والاستحواذ ، ونشهد التوسع الجغرافي داخل الصين بشكل لم نشهده من قبل، ونشهد تشجيعاً من الحكومة".
وحسب تقديره فإن 70 أو 80 شركة قد تكون" مستعدة لتصبح عالمية" لجملة أسباب- للنفاد" إلى الأسواق الجديدة والمنافسة فيها، والعثور على مصادر جديدة وتعزيز سلاسل الإمداد.
ويقول بارتون:" أصبح لها الطموح، فهي تعرف إلى أين تذهب، والتحدي هو كيف تقوم بذلك، لأن هنالك كثيراً من النماذج فيما يتعلق بكيفية القيام بذلك وربما كانت النماذج في الهند أكثر مما هي في الصين، لكنها موجودة، فهي تحصل الآن على النطاق الذي يمكن لها من خلاله أن تقوم به".
ولكن رغم كل التضخيم حول دور الصين كمحرك ناشئ للاقتصاد العالمي فإنه يجدر بنا أن نتذكر أنه مع أن اقتصاد الصين أكبر من اقتصاد بريطانيا فإنه ما زال أصغر من اقتصادات أمريكا واليابان وألمانيا. لذلك فإن الصين وحدها، لن تستطيع تعويض التراجع الاقتصادي العالمي الذي سببته أزمة الائتمان الأمريكية.
ويذكر بارتون:" من الصعب أن نتوقع أن الصين سوف تمنحنا الطاقة، أعتقد أن بإمكانها أن تلعب دوراً بلا أي شك وأعتقد أنها ستفعل".
ويضيف :" وأعتقد أن بإمكانها أن تلعب دوراً في آسيا، لأنها تستطيع مساعدة الكوريين، وتستطيع مساعدة اليابانيين، وتستطيع مساعدة أبناء جنوب شرق آسيا بالنسبة للنمو أيضا، لذلك أعتقد أن بإمكانها بلا شك أن تكون مفيدة لكنني لا أعتقد أن علينا أن ننظر إليها على أنها ركيزة سترفعنا وتنقذنا ، فهي ليست حتى الآن كبيرة بشكل كاف".


