الأحد, 26 يوليو 2026|10 صَفَر 1448
الاقتصادية

عندما أعلن التصنيف الإسباني السنوي للجامعات webometrics العام الماضي كانت المفاجأة أن احتلت كل الجامعات في بلادنا مراتب متأخرة في سلم التصنيف، لهذا هب منسوبو التعليم العالي، وفي مقدمتهم وزير التعليم العالي للدفاع عن الجامعات والتقليل من أهمية التصنيف الإسباني بحجة أن المعايير المتبعة في ذلك التصنيف غير دقيقة ولا تعكس الواقع الحقيقي للجامعات لأنه وفق ما قالوا يعتمد بشكل أساسي على ما يتوافر من معلومات عن الجامعات على شبكة الإنترنت، وأضاف مسؤولو التعليم العالي آنذاك أن التصنيف الإسباني لا يصل في دقته تقويم شنغهاي الصيني الذي ينفرد بمعايير دقيقة تجعل من نتائجه أكثر موضوعية وأقرب للواقع الملموس في الجامعات من التصنيف الإسباني.

ومن يطلع على المعايير المتبعة في كل من التصنيفين الإسباني والصيني يجد حقيقة أن التقويم الصيني أكثر دقة لاحتوائه خمسة معايير رئيسة ومنها نوعية التعليم ويتضمن حصول خريجي المؤسسة التعليمية الجاري تقويمها، وكذلك الأعضاء العاملين في المؤسسة نفسها على جائزة نوبل، ولهذا المعيار 30 درجة، ثم نوعية المؤسسة من حيث الإسناد للباحثين فيها في 21 مجالاً، ولهذا الجانب 20 درجة، والمعيار الثالث يتمثل في نتائج البحث العلمي من حيث الأبحاث المنجزة في مجالي العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية وله 40 درجة، ثم المعيار الأخير وهو النصاب في الأداء الأكاديمي وله 10 درجات، والمجموع لهذه المعايير يبلغ 100 درجة، أما التقويم الإسباني، فإنه أبعد ما يكون عن معايير التصنيف الصيني لأن هدفه الأساسي، كما هو معروف، يتمثل في حث المؤسسات العلمية لنشر إنتاجها على شبكة الإنترنت حتى يستفيد منه الباحثون، ولهذا يقوم التصنيف الإسباني أساسا على ما يوجد للجامعات من معلومات على شبكة الإنترنت. وفي موقع التصنيف الإسباني نجد أن ما أشير إليه في أول سطر من أهداف التصنيف يتمثل في أن "الهدف الأساسي من هذا التصنيف ينحصر في الارتقاء بالمنشورات في شبكة الإنترنت وليس تصنيف الجامعات". ومن خلال المقارنة بين التصنيفين يكون التصنيف الصيني التصنيف الدقيق في تقييم الجامعات، أما التصنيف الإسباني فلا يمثل معياراً للتصنيف وفق المستوى الحقيقي للجامعات، وبالتالي ينبغي ألا يلتفت إليه أو يشار إلى أهميته في التصنيف للمؤسسات التعليمية، وهذا الرأي يقول به صراحة القائمون على التصنيف ذاته، ويؤكده حصول جامعة الملك سعود على الترتيب 380 لهذا العام 2008 وهي كانت تحتل الترتيب 2910 العام الماضي، فهذه قفزة لا يمكن أن تحدث لأي جامعة وفقاً للتصنيفات التي تستهدف تقييم الجامعات (الكاتب خريج جامعة الملك سعود) وإنما حدث ذلك نتيجة للتطوير الكبير الذي قامت به جامعة الملك سعود لمواقعها في الإنترنت خلال فترة وجيزة بما يتفق مع متطلبات التصنيف الإسباني.

الشيء المثير للانتباه بعد خروج التصنيف الإسباني لهذا العام 2008 الذي حققت فيه بعض جامعاتنا مواقع متقدمة أن تناسى مسؤولو التعليم العالي طبيعة ومعايير ذلك التصنيف التي تحدثوا عنها كثيراً العام الماضي وعدوها عيوباً، وبدأت مؤسسات التعليم العالي تطبل لذلك الإنجاز، وعلى جميع المستويات بما في ذلك وزارة التعليم العالي وإدارات الجامعات ووسائل الإعلام المختلفة حتى امتلأت الصحف بالتبريكات والتهاني على الإنجاز الوهمي، وقد خرجت إحدى التهنئات إحدى الجامعات في إحدى الصحف وفي صفحة كاملة وفحوى التهنئة أن تلك الجامعة تقدمت على 2800 جامعة في التصنيف، وتغاضى صاحب التهنئة عن ترتيب الجامعة الذي قارب 3000، ما يشير إلى توغل ثقافة التطبيل والاستئناس بالوهم بعيداً عن المنطق وعن حقائق الأمور.

أما حين خرج التصنيف الصيني لهذا العام 2008 ( خرج بعد التصنيف الإسباني) فلم يتحدث عنه أحد ولم يشر إليه أي مسؤول رغم الإطراء الذي أمطر به ذلك التصنيف العام الماضي من أجل التقليل من أهمية التصنيف الإسباني، ولم تتهمه وزارة التعليم العالي وإدارات الجامعات مع عدم وجود أي جامعة عربية فضلاً عن وجود جامعة سعودية ضمن أفضل 500 جامعة في هذا التصنيف المتميز، وهنا يتجلى الخطر في التعامل مع هذه التصنيفات العالمية التي ينبغي علينا أن نفيد منها، وأن تكون محفزاً لنا في السعي لتطوير جامعاتنا بعيداً عن التطبيل والتهويل، ولن نستفيد من هذه التصنيفات إلا أن نعلن بصراحة مواقع جامعاتنا في التصنيف الصيني كل سنة بغض النظر عن تلك المواقع، فإن كانت مواقع جامعاتنا في الأخير وهي كذلك فنسعى إلى التطوير الحقيقي لجامعاتنا بعيداً عن الصخب الإعلامي الفارغ الذي يعكس إلى حد كبير جنوح العقل الجمعي العام عن ملامسة الحقائق. إن عدم الإشارة أو الحديث عن التصنيف الصيني لهذا العام 2008 يعكس العديد من الملاحظات ومنها أن التصنيف الصيني دقيق ومن الصعوبة التقليل من أهميته مع استحالة الترويج لذلك ثم إن الإشارة إلى التصنيف الصيني سيفسد الفرحة الغامرة التي لا يزال يعيشها منسوبو التعليم العالي على وقع التصنيف الإسباني الذي أشبعوه نقداً العام الماضي.

وإذ نسجل هذه الملاحظات، فإن الهدف هنا ينبع من حقيقة واحدة وهي أن جامعاتنا في العموم ولمن يعرف بواطن الأمور ما زالت متأخرة إلى حد كبير عن الجامعات العالمية من حيث الإنجاز العلمي والإسهام في تقدم المجتمع على الرغم من الميزانيات الضخمة التي تتلقاها سنوياً ضمن الميزانية العامة للدولة، وهذا ناتج بطبيعة الحال من أن جامعاتنا ما زالت مكبلة بأنظمة إدارية جامدة ساعد على تكريسها الديكتاتورية الإدارية التي وجدت مكاناً لها بعد إلغاء الانتخابات للقيادات الأكاديمية قبل خمسة عشر عاماً بالتحديد، فأصبحت مجالس الأقسام ومجالس الكليات ومجالس الجامعات مجالس صورية لا تخدم المصالح العليا للجامعة بمقدار ما تخدم مصالح جانبية ضيقة للأفراد المتنفذين. والموقع المتأخر للجامعات في بلادنا أكده مستشار التقييم والاعتماد الأكاديمي ديفيد والكنسون أثناء ورش العمل المنعقدة أخيرا في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية وهذا يعود في رأيه إلى جملة من العوامل التي يصعب إيرادها في هذا المقال.

د. مصلح معيض مصلح

[email protected]

جامعة الملك خالد

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية