الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لعلنا نذكر من المقال السابق حديث المؤلفات الأمريكيات الثلاث اللاتي انتقدن حال المرأة في مجتمعهن نتيجة للثورة الإباحية و تحطيم المعيار الأخلاقي الذي يضبط سلوكيات و علاقات الناس.فالهلامية الأخلاقية التي رُوِج لها انتهت بالإباحية, وبات من يطالب بالحريات المطلقة يضج بها.وفي كلام بينيتو موسوليني معنى مشابه:"كل ما فعلته و قلته في السنين الأخيرة هو في حقيقته (و دون قصد) نسبية أخلاقية.فاستنادا إلى مقولة كل الأفكار متساوية القيمة ومجرد اختلاقات إنسانية نستنتج أنه من حق كل فرد صنع أيديولوجيته الخاصة و محاولة فرضها بكل الوسائل. فإذا كانت النسبية الأخلاقية تعبر عن احتقار كل المعايير فلا شيء يجسد هذه الفكرة أكثر من الفاشية". إذن لقد أثبت التاريخ أن الحرية الفردية المطلقة و المنسلخة من كل القيم والمعايير لا تجر إلا الكوارث على بني آدم, فما هي الحرية إذا؟ وأين تقف حدودها؟ ألسنا أحرارا في أن نؤمن أو لا نؤمن,نحسن الخلق أو نسيئه, نتناول المخدرات أو نمتنع ؟ليس من المعقول أن يختلف اثنان على الجواب, إلا أن الأمر لا يتوقف هنا...فكل خيار مقترن بعواقب لا مفر منها, وهنا الحرية العاقلة و الحقيقية.ألم يقل الله عز و جل:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"؟أي أن الحرية مقرونة بالوعي بالخيارات المتاحة, والأهم من ذلك الوعي بعواقبها...وهذه هي الحدود,فإن لم تؤمن تحملت النتيجة,وإن أسأت الخُلُق تحملت بغض الناس لك,وإن تناولت المخدر تحملت تلف جسدك ,وربما العقاب الجنائي.فلو لم تكن هناك عواقب كيف سيكون حال البشر,أيرتدع أحد عن شيء؟ لقد كتب وليم دوناهيو وهو باحث و عالم أمريكي و رئيس المنظمة الكاثوليكية للحقوق الدينية و المدنية قائلا:" كان يوجد في الماضي شيء من الضغط الاجتماعي الذي يمنع الفرد من التنفيس عن رغباته المعوجة,أما اليوم فلا رادع ,فقد تغير معنى الحرية في القرن الأخير لتعني التحرر من أي قيود, وبذلك أصبحت المعايير الأخلاقية عدوا لدودا لهذا النوع من الحرية, وأي مطالبة بالمسؤولية وضبط النفس تُواجه بالامتعاض و الريبة."وبعد هذا,فالجواب على السؤال الأخير هو لا مُدوية,لن يرتدع معظم الناس عن كثير من السلوكيات المدمرة لأنفسهم قبل غيرهم لأن هذا ببساطة حال الإنسان,وإلى أن تتبدل الطبيعة الإنسانية لا مفر من المعايير التي يحافظ عليها المجتمع حماية لنفسه من السقوط و الفوضى. ولكن ما ذنب الفرد؟ولماذا يتحمل هذا "التعدي الصارخ" على حريته في فعل ما يريد وفي ابتغاء مصلحته؟وفي هذا التساؤل افتراض خطير يدعونا للتبصر... فما المصلحة وما الحقوق؟ إن قلنا إنها مصلحة الإنسان في كسب رزقه, وطلب العلم, والعيش الكريم, والعدالة, بل حقه القاطع في كل ذلك, فنعم...لا ينبغي ألا ينفك أحد عن المطالبة بتلك الحقوق فلا تستقيم الحياة إلا بذلك.ولكن هل هذا ما يرمي إليه المتشدق بالحرية المطلقة؟ وإن كان كذلك فلماذا معاداة المعايير الأخلاقية الثابتة والواضحة؟ لا يعقل أن يكون هذا القصد حيث إن المعايير لا تتعارض مع الحقوق المذكورة, بل تؤكد عليها,فلا بد أن صاحبنا يقصد "حقوقا" أخرى,حقه في الإباحية مثلا, أو في تعاطي المخدر أو ما هو أبسط مثل التدخين. أليس هذا مضحكا؟ فمتى أصبحت الرغبات و الأهواء و الأمراض النفسية حقا ومصلحة؟ وما الذي يجعل مصلحة الإنسان في ممارسة الرذيلة دون حسيب ولا عقاب؟ هل الأب الذي يمنع ابنه من شرب السم أو اللعب في الكهرباء يضطهده و يقيد حريته المصونة؟ولنقل إنه تركه يفعل ما يشاء,ألن ينقم عليه ابنه بعد أن يعقل؟إن هذا الفهم الخاطئ للمصلحة و الحق هو الذي يخيل للمرء أنه مضطهد في حال لم يستطع تحقيق نزواته, وإلا فلا تناقض بين مصلحة الفرد (الحقيقية) ومصلحة مجتمعه. أما الحرية الحقة فهي الحرية الإيجابية كما أسماها إيزايا برلين (فيلسوف و مؤرخ يهودي ويعتبر علما),أي هي تحرر من ثقل الرغبات و الأهواء و دوافع الشر, كما أنها امتلاك النفس بدلا من العبودية لها.وفي ذلك متعة تفوق متعة الجسد,ولعل هذا ما قصده توما الأكويني(فيلسوف و لاهوتي كبير من القرن 13 وذو أثر عميق في الفلسفة الغربية) حين قال :"لا يمكن لأحد أن يعيش دون متعة,فمن حُرِم من متعة الروح أَغرق في متعة الجسد."أما الحرية السلبية فهي مجرد القدرة على فعل أي شيء دون قيود(ويذكرني ذلك بالمخلوقات غير البشرية ولعلي أظلمهم بذلك),ونتيجتها دين جديد ,المعبود فيه هو (الأنا),وكل إنسان يعبد ذاته باحتياجاتها و نزواتها وهذا هو هدفه الأسمى...فهل نتمنى أن نعيش في عالم هذه عقيدته؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية