العفو عند المقدرة فعل الكرام، وما من أمة من الأمم إلا وكانت صفة العفو عندها أعظم الصفات وأجملها، بيد أن منحة العفو في منافسات دوري المحترفين السعودي التي أطلقت نهاية الموسم الماضي يتلاشى الهدف منها في كثير من الأحيان بسبب غياب الرادع، فنجد اللاعب يكرر أخطاءه وزلات زميله بوصفه متيقنا بأن قرار إيقاف العقوبة سيصل بشكل أسرع من تطبيقها.
تسعة لاعبين صدرت في حقهم عقوبة الإيقاف هذا الموسم، نظير أخطاء جسيمة فمنهم من بصق، وآخر اعتدى، والمستقبل ينبئ بكوارث فـمن "أمن العقوبة أساء الأدب"، خاصة بعد أن طال العفو ثمانية منهم ماعدا صالح بشير مهاجم فريق الاتفاق الذي لم يقدم له خطاب التماس لتخفيف العقوبة عنه.
"الاقتصادية" استطلعت آراء المسؤولين في الأندية السعودية ولجنة الانضباط حول هذا الموضوع.
ففي البداية، أكد عبدالعزيز الدوسري رئيس نادي الاتفاق حرص القيادة الرياضية على العمل لما فيه مصلحة الأندية السعودية ومنها السعي من خلال القرارات المتخذة بمساعدة الأندية والوقوف معها، وقال " تبقى مسألة إصدار العقوبات والعفو فيها مسؤولية الجهات العليا".
ورأى الدوسري "أن العفو عن اللاعبين المتخذ في حقهم عقوبات نتيجة أخطاء ارتكبوها لا بأس به في حال كانت تلك العقوبة طويلة المدى أما في حال العقوبات قصيرة الأجل التي لا تتجاوز أربع مباريات فلا يرى أن قرار العفو عن لاعب بعد انقضاء مباراة من أصل مباراتين مفيدا للاعب وسيجعله يتعلم من الخطأ الذي ارتكبه". وقال " من الأفضل أن يترك اللاعب يقضي عقوبته وأن يطبق في حقه الخصم من راتبه الشهري، حسب ما تنص عليه شروط عقد اللاعب الاحترافي".
وتطرق إلى العقوبة التي فرضت على صالح بشير مهاجم فريقه لكرة القدم، وقال " نحن في نادي الاتفاق تعرض صالح بشير لعقوبة لمدة مباراتين فضلنا عدم الاستئناف ورفع خطاب عفو عنه وتركنا اللاعب يقضي مدته لكي يتعلم من خطئه، كما أننا قمنا بالخصم عليه، حيث وصل مقدار المبلغ المخصوم عليه خمسة آلاف ريال لكي يكون ذلك درسا لبقية اللاعبين بعدم ارتكاب مخالفات".
في المقابل، أشار علي حمدان أمين عام النصر إلى أن "العفو عن مرتكب الخطأ موجود في الأنظمة الدولية، والاتحاد الدولي لكرة القدم يجيز هذا الأمر ويسمح به إلى جانب أن العفو في الأساس موجود في قيمنا وشيمنا كمسلمين فاجتمعت القيم الإنسانية والاجتماعية مع الأنظمة الدولية على أن العفو موجود".
وأضاف " لكن عندما نتحدث على أن العفو يتم بشكل مستمر ومع كل حدث فهذا الأمر يجب أن نتوقف عنده فالخطأ أوالواقعة هي ما يجب النظر إليه هل يستحق المخطئ سواءً لاعبا أو إداريا أو مسؤولا أن يتم التجاوز عنه بعد انقضاء نصف المدة أما من الأفضل اكمال مدته المحددة، ولكن الأمر الأهم وإن حدث العفو يفترض، وكما يرى ذلك الاتحاد الدولي واللجان الدولية بأنه في حال ارتكاب نفس الشخص لأخطاء أخرى وتمت معاقبته فمن الأولى أن تضاعف العقوبة ويتم احتساب نصف المدة السابقة الذي تم إلغاؤه فنحن نريد الحزم وتطبيق الأنظمة واللوائح، ولكن المسؤول عن الرياضة قد يرى ما لا يراه الآخرون، فاللاعب مثلاً عندما يوقف ثماني مباريات معاقباً وهو ما يعني إيقافه لمدة تقارب شهرين وهو ما ينبني عليه قطع الرزق لأن ممارسة الكرة الآن مهنة والاتحاد الدولي لكرة القدم لا يوقف اللاعب أكثر من أربع مباريات إلا بقرار".
ورأى أنه يجب دراسة الإيقاف بشكل علمي والبناء عليها مستقبلاً في حال تكرار الخطأ ومضاعفة العقوبة، وقال " لا أعتقد أن هناك من يريد أن يصدر في حقه قرار إيقاف، ولكن الأخطاء تحدث نتيجة ظروف معينة في وضع معين ولكن ما يجب أن يفهمه الجميع أن المسؤول عن الرياضة يحق له إصدار قرار العفو بعد انقضاء نصف المدة متى ما رأى ذلك فهناك العديد من الأمور التي لا نعلمها من ظروف إنسانية واجتماعية أو حتى ظروف فنية خافية علينا، ولكن المسؤول مطلع عليها ولذلك يتم اتخاذ القرار بناءً على ذلك الأساس".
وأضاف" إذا كان هناك من يرى أن هناك إسهابا في العفو عن نصف المدة، وأن هذا الأمر تضرر منه العمل الرياضي في السعودية، فبناءً عليه يجب عمل دراسة من قبل المختصين في الرئاسة العامة لرعاية الشباب ويتم النظر فيه ومن ثم يتم الرفع للمسؤول عن تلك الأضرار الناجمة عن تخفيف العقوبات".
وأبدى الدكتور عبدالله البرقان مسؤول الاحتراف بنادي الهلال رأيه حول هذه القضية، حيث ذكر"الفائدة من العقوبة هو عدم تكرارها، ولذلك يكون تخفيف العقوبة من باب لعل وعسى أن اللاعب قد ارتدع وفهم معنى الرسالة من إيقافه، ولكن للأسف أننا نشاهد الكثير من اللاعبين أخذوها من منظور آخر وهو سهولة الأمر بعد الصفح عنهم قبل انقضاء المدة، ولذلك نتمنى أن يكون هناك عقوبة متى ما حدث الخطأ، وأن يتم تطبيقها بصرامة كما هو موجود في اللائحة المنصوص عليها لكي يعرف اللاعب أو مرتكب الخطأ معنى أن يصدر في حقه عقوبة ولو تربط بالجوانب المادية فإن اللاعب سيفكر كثيراً قبل أن يرتكب ذلك الخطأ.
وأعرب عن اعتقاده بأن الغرامات المالية وتغليظ العقوبات قد يحدان من تلك المخالفات، وقال" تطبيق العقوبة القاسية على لاعب سيجعل الآخرون يرتدعون، ولأن يجدوا فرصة للقيام بمثل ذلك التصرف، ولكني أتفق تماماً بأن العقوبة عندما تصدر على مرتكبه لمرة أخرى فمن الضروري أن تكون عقوبة مضاعفة وقاسية".
أما الدكتور مدني رحيمي المحلل الرياضي فتحدث حول تلك العقوبات بقوله" فكرة العفو عن الشخص المخطئ بعد انقضاء نصف المدة فكرة سيئة لأن العقوبة عندما تصدر في حق لاعب فهو من أجل أن يتأدب ويرتدع وما الفائدة من وضع عقوبة بأربع وست مباريات، ومن ثم يتم تخفيضها، فالعقوبة أن يعاقب الشخص على الأخطاء التي ارتكبها ويجب أن يستوفي مدته كاملة ليتعلم من أخطائه، ولكن عندما تقلص في حقه العقوبة فلن يستوعب الدرس ولن يتعلم من خطئه فعندما يريد أن يبصق على لاعب آخر سيبصق، وعندما يريد أن يضرب سيضرب، ولن يبالي ولكن عندما تقول إن العفو يأتي من جانب إنساني فهل التصرف الذي قام به إنساني عندما يبصق في وجه زميل له داخل الملعب هل هذا عمل إنساني، بالتأكيد الجانب الإنساني يختلف كلياً عما نتحدث عنه فمثل هذه العقوبة ومن ثم الصفح بسرعة تجعل تلك العقوبة المتخذة ليست بذات القيمة والأهمية". ورأى أنه لو تم تطبيق العقوبة كاملة بحق المخطئ فسيشعر بحرارة العقوبة وسيفكر كثيراً بعد ذلك قبل أن يقوم بأي عمل مشين آخر، وقال " لكن بتلك العقوبات لن يجد رادعا قويا وربما يعود لارتكاب مثل تلك المخالفة لماذا نترك مجالا للتلاعب، وأخذ هذه العقوبة بمبدأ التساهل فأما العقاب الرادع أو لا فائدة من عقوبة من أساسه، فالانضباطية والجدية من قبل اللاعبين أو خلافهم داخل الملعب ستكون موجودة في حال الحزم في العقوبة، أما خلاف ذلك فيعني التساهل وعدم المبالاة، لأن كل شخص سيعلم بأنه قريباً سيكون من المعفى عنهم، فتخفيض العقوبة لا أجد فيها أي نوع من المنطقية".
وأضاف " كم نشدت قبل ذلك بأن يكون لدينا كتيب يحتوي على جميع النصوص واللوائح الخاصة بالعقوبات فعلى سبيل المثال إيقاف لاعبي الشباب والأهلي في لقائهم السابق شمل ثلاثة لاعبين وهم وليد عبد ربه وناصر الشمراني ومحمد مسعد بنفس مدة العقوبة رغم أن لاعبي الأهلي هم من تهجم على الشمراني، ولاحظنا بأن عبدربه ومسعد كانا يجريان وراء اللاعب بمعنى أنهما يرغبان في ضربه، ومع ذلك كانت العقوبة متساوية للاعبين الثلاثة يعني لو أن شخصا ضرب برصاصة وآخر ضرب بالكف فهل من المعقول أن تكون العقوبة واحدة بالتأكيد لن تكون كذلك، فتطبيق العقوبة مهم، وعندما يكون هناك حسم حقيقي من رواتب اللاعبين، فاللاعب سيشعر أن هناك عقوبة حقيقية وليست طبطبة على الظهور".
أما نابت السرحاني رئيس لجنة الانضباط فذكر" فيما يخص مضاعفة العقوبة في حال تكرارها من قبل الشخص المخالف فإن هذا القرار يدرس من قبل الاتحاد السعودي لكرة القدم من ضمن مجموعة من القرارات موضوعة للدراسة على أن يتم الإعلان عنها قريباً".
وأشار إلى أن تلك العقوبة تهدف إلى إصلاح اللاعب وتهذيبه وتقويمه وأن تكون نتائجها إيجابية في مسيرة اللاعب مستقبلاً، وأضاف " لكن يجب أن تشترك الأندية معنا في هذا الدور من خلال بث الوعي وغرس الثقافة لدى لاعبيها بعدم الإقدام على أي تصرف مشين أو خاطئ من شأنه أن يؤثر في نتائج الفريق أو مستقبل اللاعب ".
وأضاف "نحن عندما نقوم باتخاذ العقوبة فهو من أجل أن نوصل رسالة لمرتكبها بأن ما قام به هو تصرف غير لائق ويجب عليه عدم تكراره في المستقبل، ولكن كما ذكرت النادي يقع عليه دور كبير في هذه العملية، ويجب على إدارات ومسؤولي الأندية أن يتعاونوا معنا في هذا الجانب، وربما يجدون أن هناك طرقا مناسبة لإيقاف تلك المخالفات من خلال تطبيق عقوبات داخلية على اللاعبين لكي يمتنعوا عن القيام بأي تصرف خاطئ".

