تأجيل قمة رابطة بلدان شرق آسيا (آسيان) في تشيانج ماي يعزز الشكوك العامة حول قدرة آسيان على إقامة هيئة متماسكة وفعالة لحقوق الإنسان. وكان من المقرر أن تقدم لجنة على مستوى رفيع مسودة مصطلحات لهيئة حقوق الإنسان في القمة التي كان مزمعا عقدها في هذه السنة، لكن الانتقادات وجهت إلى مداها المحدود، وحركات المجتمع المدني لم تلعب حتى الآن سوى دور استشاري في مداولات اللجنة المشكلة على مستوى رفيع. ومن المشكوك فيه أن يتم قريبا تلبية مطالبها بآلية لحماية حقوق الإنسان والتحقيق في انتهاكاتها، إضافة إلى تشكيل محكمة لحقوق الإنسان تابعة لبلدان آسيان. وبدلا من ذلك فإنه يبدو من المحتمل أن يكون التركيز على تشجيع حقوق الإنسان من خلال التعليم والتوعية.
ومع هذا، ليس هناك أي سبب يدعو إلى التشكيك، فبعيدا عن كونها مجرد مشاهد، فإن حركات المجتمع المدني في جنوب شرق آسيا تستطيع أن تلعب دورا مهما لضمان أن التزام بلدان آسيان بحقوق الإنسان ليس خيالا، وحتى تقوم بذلك فإن عليها أن تأخذ المبادرة وتوجد نموذجا مشتركا لحقوق الإنسان. وفي الوقت الحالي فإن خمسة بلدان من آسيان لديها مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان هي: تايلاند، الفلبين، إندونيسيا، وماليزيا، وأخيرا هناك كمبوديا.
ولكن ما هو مطلوب توجه منسق قوي بما يكفي للتعامل مع الحقائق الجيوسياسية لبلدان آسيان.
حركات المجتمع المدني تواجه تحديين رئيسين في محاولاتها الرامية إلى إيجاد أجندة موثوقة لحقوق الإنسان في بلدان آسيان، والتحدي الأول سياسي بطبيعته. فالنقاد يشيرون إلى أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء يعوق بشدة أي هيئة لحقوق الإنسان بلا سلطة في بلدان آسيان، ويتوجب تطبيق القيم الشاملة مثل الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي، بغض النظر عن السيادة، فالحكم بالسجن لمدة 65 سنة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 على 23 ناشطا بورميا مؤيدين للديمقراطية الذين شاركوا في الاحتجاجات المناهضة للنظام العسكري الحاكم في العام الماضي، قضية جديرة بالنظر.
والتحدي الثاني اجتماعي، فجنوب شرق آسيا منوعة ثقافيا وغير متساوية اقتصاديا، فحقوق الإنسان بالنسبة للبعض معايير غربية بشكل مميز لا تتفق مع "القيم الآسيوية"، وقد فندت الأبحاث الواعية هذه النظرية العالمية المستقطبة، ورفضت القيم الجوهرية ذات العلاقة بحقوق الإنسان في مصادر متنوعة مثل التعاليم الكونفوشية والملاحم الهندوسية والتعاليم الإسلامية، لكن مشكلة دمج الحقوق العامة مع المعايير الثقافية تظل قائمة وخصوصا حول الصراع بين الفردية والمجتمع، وعلى نحو مستقل، فإن هناك من يعدون حقوق الإنسان مغالية في مثاليتها ويقولون إن هناك وقتا ضئيلا لمثل هذه الهواجس حين تواجه البطالة والمحاصيل الفاشلة.
والمشكلة المركزية التي تربط بين كلا التحديين هي النوعية المجردة للحقوق، فحقوق الإنسان حق أساسي لكل البشر، ولهذا فإن فكرة الحقوق تميل لأن تكون صحيحة بالتعريف، وهذا التعليل العام يعني أن الحقوق لا تناقش في أغلب الأحيان بسبب مزاياها، بل تناقش بالنسبة لتبعاتها وأولوياتها، ومثال ذلك، فإن النشطاء المؤيدين للحقوق قد يقولون إن حرية التعبير حق إنساني أساسي وبالتالي فهو ضروري لمبادئ الديمقراطية التي تلتزم بها بلدان آسيان، وترد الحكومات في العادة أن حرية التعبير تخرب النظام العام وفي هذه الحالة فإن الحقوق الاقتصادية أهم من الحقوق المدنية أو السياسية.
وبإمكان مجموعات المجتمع في جنوب شرق آسيا تجاوز هذا المأزق من خلال تأسيس دعمها حقوق الإنسان على القدرات. وكان رائد هذا النهج هو الاقتصادي أمارتياسن، والفيلسوفة مارثا نصباوم، حيث يجذّر هذا النهج الطبيعة المطلقة لحقوق الإنسان من خلال تأسيسها على القدرات التي نحتاج إليها لتحقيق المتطلبات المنتظرة في حياتنا. وهذه القدرات كونية، من حيث إن الناس، بغض النظر عن عقائدهم الشخصية، يمكن أن يقبلوها كحد أدنى للحياة الجيدة.
وإن "الحياة الجيدة" المشار إليها هنا هي أوسع من مجرد الشأن الاقتصادي، إذ تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الفرد. وإن القدرة على تكوين المنظور الخاص بأي شخص إزاء هذه الجودة، وكذلك القدرة على التفاعل في مجتمع يسوده الاحترام المتبادل، هما قدرتان مختلفتان. ومن الصعب تصور وجود أي شيءٍ جيدٍ آتٍ من مجتمع لا يمكن الناس فيه ممارسة حرية إراداتهم، كما أنهم معزولون عن بعضهم بعضا. غير أن هذا النهج لا يصف ماذا يجب أن يكون عليه الناس، وماذا يتوجب عليهم أن يفعلوه. وعلى المجتمع تزويدهم بالقدرات ليتمكنوا من الحصول على خيارات حياة ذات معنى. وينظر هذا النهج، من جانبه الاجتماعي، إلى هذه القدرات كنقطة بداية يستطيع من خلالها الأفراد من ثقافات متعددة التفاعل معاً ضمن توافق متكرر الصور. وهكذا تستطيع حقوق الإنسان تمكيننا من الموافقة المتبادلة حول ما يمكن اعتباره أمراً جيداً، وعادلاً في المجتمع، وفي الوقت ذاته يوفر خيار خروج لمن لا يوافقون عليه. ويمكن للمجتمع المدني أن يتوسط بفاعلية في هذه العملية الديمقراطية لمعالجة التحديات الاجتماعية الخاصة بمنطقة جنوب شرق آسيا.
يمكن كذلك النظر إلى حقوق الإنسان كصخرة استناد للديمقراطية. ولضمان توزيع عادل للقدرات، فإنه لا بد من منح الناس فرصاً متساوية. ويوفر نهج القدرات وسائل إيجاد مؤشر قابل للقياس لنوعية الحياة بين البلدان الآسيوية. ويعد مؤشر التنمية البشرية الخاص بالأمم المتحدة مثالاً على ذلك، على الرغم من أنه لا يدخل في حساباته، بصورة مباشرة، القدرة على المشاركة بفاعلية في عالم السياسة.
أما مسألة ما يتوجب أن نكون عليه، فإنه لا بد أن يتم تضمينها كقدرة أساسية. غير أنها لا تزال أمراً مفتوحاً للنقاش. وعلى المجتمعات المدنية في جنوب شرق آسيا أن تتعاون لتكوين برنامج مشترك فيما يتعلق بحقوق الإنسان. وإن ميثاق العمل الذي صادقت عليه دول منظمة الآسيان يمثل فرصة لمثل هذه المجموعات لإقامة توافق إقليمي حول الأسس التي يجب أن تكون عليها القدرات الأساسية، وكذلك أساليب قياسها.
إن تأسيس مثل هذا التوافق الإقليمي على مستوى القواعد الرئيسة لا يقوّض السيادة، بل على العكس من ذلك، حيث إن التصميم العام حول كيفية بناء القدرات يمكّن الناس من التفكير في أدوارهم الخاصة كمواطنين، كما أنه يخلق شعوراً من الانتماء الوطني. ويمكن للتعاون بين المجموعات في إطار التعاون على مستوى الآسيان، دعم هوية منطقة جنوب شرق آسيا. والأكثر من ذلك هو أن علامات القياس التي تبرز من التوافق تعمل على إيجاد الأهداف الشاملة، بما يتجاوز الشأن الاقتصادي، حيث تستطيع حكومات دول الآسيان أن تتطلع إلى ذلك.
