إن الأزمة الاقتصادية التي بدأت في أمريكا وسرعان ما امتدت إلى بقية دول العالم هي في الأساس أزمة مالية, وإن البنوك والمصارف والمؤسسات المالية هي ما تسبب فيها, وإن تراكمات ممارساتها الخاطئة في إدارة أنشطتها الاستثمارية هي التي وضعت العالم اليوم أمام أكبر أزمة اقتصادية في العصر الحديث. فالجهود التي تبذل على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي لمواجهة هذه الأزمة, وإن كانت تبدو في الظاهر أنها موجهة لإنقاذ هذه البنوك والمصارف, وذلك من خلال ضخ أموال كبيرة لتغطية خسائرها الضخمة إلا أن هذه الجهود ترمي في النهاية لاحتواء هذه الأزمة في الإطار المالي ومنع أو التخفيف من وصول تداعياتها إلى القطاعات الاقتصادية المنتجة. فدول العالم تأمل في أن تنجح جهودها في احتواء الأزمة وألا تدخل اقتصاداتها والاقتصاد العالمي في مرحلة انكماش أو ركود اقتصادي طويل الأجل, لأن مثل هذا التراجع الاقتصادي له آثار اقتصادية واجتماعية خطيرة في المستويين المحلي والعالمي.
البنوك والمصارف لها دور مهم في تحريك الاقتصاد والتأثير في توجيه الاستثمارات في إطار عملية التنمية, وبالتالي فإن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية ولدت شعورا وقناعة بضرورة مراجعة دور البنوك من أجل مزيد من التنظيم والرقابة عليها, فضعف الرقابة وعدم تقنين كثير من ممارساتها هما اللذان أسسا الأجواء والظروف لحدوث هذه الأزمة وبمثل هذا الحجم الكبير.
وهذه ليست المرة الأولى التي تجد البنوك السعودية نفسها وهي في وجه مطالبات اجتماعية ومؤسساتية تدعوها لتطوير دورها ومساهمتها في دعم الاقتصاد المحلي وأن تعزز الشفافية في أعمالها وممارساتها. فتطوير خدماتها وتوجيه اهتمامها بالنشاطات الاقتصادية المحلية وتعزيز مبدأ الشفافية له دور كبير في رفع مستوى الثقة المتبادلة بينها وبين المجتمع.
واليوم تثار مسألة في غاية الأهمية وهي عن كفاءة ودور الصناديق الاستثمارية التي تملكها وتديرها البنوك المحلية, فهناك أكثر من 200 صندوق استثماري تدار من قبل البنوك والشركات المالية. وهذه الصناديق وجودها ضروري لما لها من دور مهم لتعزيز فرص الاستثمار في اقتصادنا المحلي والاقتصاد العالمي, ولكن هذه الصناديق لا يمكن أن تؤدي هذا الدور إلا عندما تدار بشكل منظم وفي أطر واضحة ومقننة وليس وفق اجتهادات شخصية أو بقرارات لا تستند إلى تحليلات علمية ومهنية وعلى أن تناط مسؤولية إدارتها بأشخاص أكفاء لديهم القدرة والمهارة الإدارية والمهنية للقيام بمثل هذا العمل.
هناك عدد من الأنظمة تكفلت بتنظيم عمل الصناديق الاستثمارية ولكن وجود النظام وحده لا يكفي ولا بد من الاهتمام بتطبيقه والحرص على تطويره بما يواكب مستجدات السوق, وما قد تأتي به البنوك والمؤسسات المالية من أدوات استثمارية جديدة. فهناك إحساس لدى المستثمرين والمهتمين بالقطاع المالي بأن كثيرا من الصناديق الاستثمارية الموجودة اليوم لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعتمدة من قبل الجهات المختصة فيما يخص عملها وممارساتها الاستثمارية. وعلى البنوك بدورها, والتي تدير معظم هذه الصناديق الاستثمارية, أن تهتم بهذا الأمر بأن تظهر للناس في تقاريرها الدورية التزامها بالقوانين والأنظمة في كل أوجه نشاطات هذه الصناديق.
وهناك أمر مهم آخر يثار في وجه البنوك بخصوص الصناديق الاستثمارية, وهو كفاءة الأشخاص الذين يديرون هذه الصناديق, فهناك شكوك وشعور بعدم الثقة بقدرات معظم مديري الصناديق الاستثمارية. فمديرو الصناديق الاستثمارية يمتلكون صلاحيات واسعة في إطار الأنظمة المعتمدة ولا بد لهذه الصلاحيات أن يقابلها وجود معرفي قوي وكفاءة راسخة لدى شخص المدير. فالمدير الذي تعوزه المعارف المطلوبة والكفاءة المناسبة يجد نفسه مضطرا إما للاعتماد على اجتهادات شخصية وإما للجوء إلى ممارسات وأعمال خارجة عن الإطار الاستثماري المعمول به وكل هذه الأمور هي مخاطرة غير محمودة العواقب بأموال المستثمرين, ما قد يهز ثقة الناس عموما بجدوى الاستثمار من خلال الصناديق الاستثمارية. وتبقى مسألة الشفافية, وهي التي تضمن للمستثمر اطلاعه بشكل واضح ومستمر على كل المعلومات التي تضمن سلامة ومسار هذه الصناديق. فتعزيز مبدأ الشفافية كفيل بأن يكشف أي تجاوزات في عمل الصناديق وهي ضمان أيضا من أن تقع هذه الصناديق ضحية لاجتهادات أو مخاطر لا تدعمها وجود فرص استثمارية حقيقية.
فالبنوك المحلية كما هي مدعوة لتطوير أدواتها الاستثمارية بالشكل الذي يستجيب لمتطلبات السوق المحلية إلا أنها مطالبة أيضا بأن ترتقي في إدارتها وتنظيمها مثل هذه الأدوات ومنها بالذات الصناديق الاستثمارية. فالمستثمر والاقتصاد المحلي في حاجة إلى هذه الصناديق باعتبارها من أنجح الأدوات الاستثمارية واستمرار نجاحها مرهون بتحسين كفاءة إدارتها وتعزيز ثقة المستثمرين بها.
