الاثنين, 20 يوليو 2026|4 صَفَر 1448
الاقتصادية

سافر جاك ويلش، وهو في حالة من القلق، في ربيع عام 1984، إلى مؤتمر المستثمرين في ولاية فلوريدا ، وكله تصميم على تهدئة مخاوف محللي "وول ستريت" حول فرص نمو شركة جنرال إلكتريك.

غير أنه بدلاً من الانطلاق في واحد من عدد من الخطابات المثقلة بالأرقام التي يعشقها التنفيذيون في "جنرال إلكتريك"، فإن ويلش اتجه نحو جهاز عرض شرائح المعلومات، وعرض إحدى الشرائح. وظهرت على الشاشة غيوم سوداء تنم عن ضعف "جنرال إلكتريك"، الأمر الذي زود ويلش الذي كان قد مضت على توليه منصب الرئيس التنفيذي ثلاث سنوات، بخط مفتوح وصريح تقليدياً.

وقال بصوت مرتفع: "حين ألتقي بكم هذا الصباح، ستعرفون أنكم على خطأ." وما أن أنهى حديثه ، حتى اتضحت الشكوك، حيث "إن الطريقة التي كان ينظر بها وول ستريت إلى الشركة تغيرت بصورة مفاجئة"، كما استذكر فيما بعد ذلك بيل لين، كاتب خطابات ويلش في ذلك الوقت.

بعد أكثر من عقدين ، يجد هذا التجمع المالي والصناعي الأمريكي نفسه، مرة أخرى، تحت سماوات داكنة، وهذه المرة تحت قيادة جيفري إملت، ابن أحد موظفي "جنرال إلكتريك" الذي وقع اختيار ويلش عليه لخلافته عام 2001.

بينما أوقعت الأزمة الائتمانية الذراع المالية لمجموعة جنرال إلكتريك، تلك الذارع التي أنشاها ويلش في أكبر محرك أرباح لديه، في شراكها. أخفقت الشركة مرتين في تحقيق أهداف أرباحها الربعية، كما أنها في الطريق إلى تسجيل أول تراجع سنوي في العائدات خلال 17 سنة. وأدت هذه السلبيات إلى اهتزاز ثقة المستثمرين بالاستمرارية التي تشتهر بها "جنرال إلكتريك" في تحقيق أهدافها المالية، إضافة إلى أنها عمقت تساؤلات المحللين حول قدرتها على إنتاج أرباح في الأجل الطويل.

يقوم نموذج عمل هذه المجموعة المنوع، ومزيجها من الأقسام الصناعية والمالية، على قدرتها على التفوق على المنافسين في حالات التراجع الاقتصادي. ويعود الفضل في ذلك إلى عدد كبير من الشركات القادرة على مواجهة آثار الدورات الاقتصادية، وكذلك إلى الميزانية العمومية القوية. ولكن "إذا أخفقت شركة تراوح منتجاتها من مصابيح الإنارة إلى محطات توليد الطاقة، والأفلام التي تحدث ضجة في السوق مثل ماما مايا، في توفير جوانب من القوة لهزيمة التباطؤ، فإن النموذج التقليدي لهذا التجمع يمكن أن يصبح عرضة للتساؤل".

يصر إملت على أن البريق الخاص بالأمور الأساسية في "جنرال إلكتريك" لم يخفت، وعلى أن الشركة ستثبت أن منتقديها على خطأ . وقال للـ"فاينانشال تايمز" أخيراً: "سنستطيع عبور هذه الدورة بنجاح، وليس هنالك من سبب للتساؤل حول وجودنا في المقام الأول".

هل بإمكان إملت وفريقه عكس اتجاه التراجعات في سعر السهم، وإعادة تأسيس صدقية الشركة مع المستثمرين، واستعادة مركزها المعتاد على قمة كتلة الرأسمالية العالمية؟ يقول ليلويد تروتر، نائب الرئيس السابق لـ"جنرال إلكتريك" الذي ترك الشركة في أوائل العام الحالي، وهو يشير إلى التراجعين الاقتصاديين في عهد إملت كرئيس تنفيذي: "تلقى جيف بعض الضربات الكبرى في جسده، حيث أنه أن في السنة السابعة من إعداد الأمور في الشركة. ويجب أن تخصص السنوات العشر المقبلة لمعرفة ما إذا كان الوضع الذي رتبته يعطي أكُلَهُ". وبالنسبة إلى العدد المتزايد من مراقبي "جنرال إلكتريك"، فإن عقداً كاملاً من الزمن يعتبر فترة انتظار طويلة. وأرغمت ثقة الأسواق المهتزة في الخدمات المالية، "جنرال إلكتريك"، على جمع 15 مليار دولار من المستثمرين، بمن فيهم وارن بوفيه، مغرية إياهم بشروط سخية ستثير حملة الأسهم الحاليين، وتزيد من تكاليف حصولها على رأس المال. والأكثر من ذلك هو أن علل سوق الأسهم خلال الأشهر القليلة الماضية فاقمت تراجع سعر السهم، الأمر الذي يمثل مقارنة مؤلمة بالأداء غير العادي لسعر السهم خلال عهد ويلش.

منذ أن تسلم إملت زمام الأمور، رغم أن ذلك كان قبل أيام من إشعال الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 لحركة هبوط في سعر الأسهم، فإن سعر سهم الشركة هبط بنسبة 59 في المائة، حيث تخلف عن معظم المؤشرات الرئيسة. وجعل هذا الأداء السيئ كثيراً من المستثمرين، والموظفين الذين يمتلك كثير منهم الكثير من الأسهم، يتطلعون إلى تلك الزيادة التي شهدتها القيمة السوقية للشركة بأكثر من 30 ضعفاً تحت قيادة القبضة الفولاذية لويلش.

يقول جون رايس، رئيس قسم البنى التحتية المزدهر في مجموعة جنرال إلكتريك: "التراجعات أمر قاس ٍ، ولكنها مهمة لإعادة بعث الحياة في شركة مثل شركتنا. ويظل البناء، وإعادة البناء، خلال فترات الركود، والاستفادة من القوة المالية، هدفاً رئيساً. "وهذا هو ما فعله "، كما يقول رايس.

الأنباء الجيدة بالنسبة إلى مستثمري "جنرال إلكتريك"، خلافاً لما هي حال منافساتها ، هي أن هذا التجمع ليس مفلساً أو عاجزاً. وإن هذه المؤسسة الكبرى التي تضيع في جو من الاكتئاب، ستكسب، رغم نكساتها نحو 20 مليار دولار هذا العام، أي أكثر بـ 50 في المائة مما كسبته في نهاية فترة الأعوام الـ 20 تحت قيادة ويلش.

ستوزع هذه الشركة العملاقة القائمة في ولاية كوينكتكت، هذا العام، أرباحاً تبلغ 13 مليار دولار. وتظل الوحيدة بين ست شركات أمريكية على شاكلتها التي يمكنها الافتخار باستمرار امتلاكها للتصنيف بدرجة AAA الائتماني. ولدى "جنرال إلكتريك" امتداد عالمي أوسع من أي فترة مضت، حيث لها عمليات في أكثر من مائة دولة، وقائمة من الشركات عالية الأرباح في الأسواق سريعة النمو، على شاكلة وحدة البنى التحتية المزدهرة فيها. ويعود معظم الفضل في ذلك إلى التغييرات التي أدخلها إملت.

بينما ظل نموذج النشاط العملي ثابتاً، فإن قسمي التصنيع، ووسائل الإعلام، ما زالا رابحين في مواجهة فترات الذروة والهبوط في قطاع الخدمات المالية، حيث إن القطع التي تشكل "جنرال إلكتريك" قد تغيرت بصورة دراماتيكية. وتخلى إملت عن شركات تزيد قيمتها على 50 مليار دولار، وكان بعضها أجزاءً من جنرال إلكتريك منذ عدة عقود من الزمن. وبذلك انتهى قسما التأمين، والتزويد الصناعي، إضافة إلى وحدة البلاستيك، حيث أبرز ويلش، وإملت، مهارتيهما الإدارية.

في الوقت ذاته، دعم إملت الرعاية الصحية، والشركات الخاصة بالنفط والغاز، والطيران، من خلال عمليات استحواذ كبرى. وتقوم استراتيجيته على صب الأموال في الصناعات التي يتوقع أن تستفيد من بعض أهم الحاجات العالمية، بما في ذلك موارد الطاقة البديلة، والمياه النظيفة، وشبكات النقل الأعلى كفاءة.

غير أن انفجار الأسواق المالية ألقى بمفتاح ربط على استراتيجية "جنرال إلكتريك" طويلة المدى. واستهدف إملت الأقسام الأخرى بطيئة النمو، أو التي تتكبد الخسائر ، في عمليات بيع شملت قسم البطاقات الائتمانية الخاصة، والأجهزة والمصابيح الكهربائية، حتى يستطيع الحصول على صفقات ممكنة لشراء شركات جعلتها الأزمة المالية في وضع حرج . ويقول إملت: "ما من أحد يحب الخدمات المالية في الوقت الراهن".

غير أن الأمر المقلق أكثر من غيره هو أنه لم يعد باستطاعة "جنرال إلكتريك" الاعتماد على ملكيتها العقارية التجارية الهائلة التي تبلغ قيمتها 80 مليار دولار للمساعدة في تعويض آثار التراجعات في أقسام الشركة الأخرى. وكانت هذه الممتلكات تلعب هذا الدور أيام ويلش، حيث كان يتم إنجاز ذلك باستخدام الاحتياطيات الضخمة لوحدة التأمين، وحيث استطاع القسم العقاري مساعدة "جنرال إلكتريك" على تحقيق توقعاتها الربحية خلال فترات الضعف عن طريق بيع بنايات في الأسابيع الأخيرة من الربع السنوي.

كشف الانهيار المفاجئ لبنك بيرشتيرنز في شهر آذار (مارس)، ضعف هذه الاستراتيجية، الأمر الذي أغلق أسواق الدين، في الوقت الذي كانت "جنرال إلكتريك" تسعى إلى إتمام صفقات لدعم نتائج شركاتها في الربع الأول من العام. وأرغم إخفاق "جنرال إلكتريك" في بيع العقارات هذه الشركة على عدم تحقيق أهدافها الربحية للربع الأول، وهو حدث وصفه أحد المسؤولين التنفيذيين فيها بأنه "باعث على الصدمة". وشعر المستثمرون بالشعور ذاته، الأمر الذي جعل سعر السهم يفقد 12 في المائة من قيمته، وهو أكبر انهيار يومي له منذ انهيار أسواق الأسهم عام 1987.

ستكسب "جنرال إلكتريك كابيتال" نحو تسعة مليارات دولار هذا العام، أي أعلى ما تكسبه معظم البنوك. ومع ذلك، فإن الأزمة هزت ثقة "جنرال إلكتريك" بالخدمات المالية، بصورة مؤقتة على الأقل. وتعهد إملت بتخفيض مساهمة "كابيتال" في الأرباح الإجمالية من 50 إلى نحو 40 في المائة، وقال: "ما مدى كبر الحجم الذي نريده في عالم يمكن أن يشهد مخاطر على مستوى النظام برمته؟".

وكما يقول أحد التنفيذيين: " حقيقة كون الخدمات المالية أصبحت حارة صعبة حيّدت قدرة مجموعة جنرال إلكتريك التقليدية على استغلال التباطؤات الاقتصادية لاختيار الشركات بأسعار جذابة".

إن إصرار إملت على الدفاع عن تصنيف AAA، وهو الأمر الذي يمنح جنرال إلكتريك كابيتال، ميزة قوة على المنافسين بتمكينها من الاقتراض بمعدلات فائدة أدنى، يمكن كذلك أن يمنعه من اتخاذ إجراءات جريئة في مجال الاستيلاء الشرائي. ويقول أحد محللي وول ستريت: "إن اتخاذ القرارات القائمة على تصنيف بدرجة AAA مختلف للغاية عن إدارة شركة تسعى إلى تعظيم الأرباح في الشركات المتعلقة بالتصنيع، والبنى التحتية". ويرد إملت على ذلك بأن "جنرال إلكتريك" تتطلع إلى فرص في البنى التحتية، ووسائل الإعلام، والنفط، والغاز ، والطيران.

حتى إذا كان إملت غير قادر على تقليد إنجاز الصفقات بصورة جريئة، كما كان يفعل سلفه، فإنه يبدو جاهزاً لسرقة صفحة أخرى من استراتيجية ويلش الشهيرة "بلاي بوك" : أي تخفيض التكاليف بصورة راديكالية. وبينما اكتسب ولش لقب "جاك النيترون " بسبب تخلصه من 10 في المائة من موظفي "جنرال إلكتريك" سنوياً، فإن إملت خفض من معدل تقليصات عدد الموظفين في السنوات الأخيرة، مجادلاً بأن الموظفين الفائضين عن الحاجة ، كانوا جزءا من الحياة اليومية لأي شركة تدار بصورة جيدة.

من الطبيعي أن الاقتصاد المتدهور زاد التركيز على التكاليف، وهي نقطة أشار إليها إملت بصورة متكررة خلال الجولة السنوية للاجتماعات التخطيطية في "جنرال إلكتريك"، وفقاً لما قاله قريبون من هذه الأمور. ويقول رايس: "نطالب المديرين بتحديد حجم الشركة، وبالتعامل مع النمو الأبطأ"، مكرراً بذلك صدى رسالة رئيسه التي أطلقها أخيراً. أما إملت ذاته، فيقول إن تخفيضات التكاليف في السنة المقبلة يمكن أن تفوق الثلاثة مليارت دولار المنتظر تحقيقها هذا العام، وهو هدف يمكن أن يؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف من مجموع وظائف الشركة البالغ 370,000 وظيفة.

غير أن طريق "جنرال إلكتريك" لإعادة التأهيل يجب أن يؤسس على أمور أوسع من تخفيضات التكاليف. ويعرف إملت أن التعليقات غير الحكيمة، على شاكلة ملاحظته سيئة السمعة في اجتماع المستثمرين في شهر كانون الأول(ديسمبر) بأن نمواً بنسبة 10 في المائة كان "في الجيب"، يمكن أن تجعل السوق ترد بعقوبة قاسية على مثل هذه الملاحظات.

وكما يقول جاسون برايد، مدير الأبحاث في "هارفرفورد إنفستمنتس"، شركة إدارة الأموال الأمريكية ذات الموجودات البالغة قيمتها ستة مليارات دولار، بما فيها أسهم لشركة جنرال إلكتريك: "إن الأسواق في أيامنا هذه لا ترغب في منح علاوة لشركة جنرال إلكتريك، لأن الشركة اتخذت بعض الخطوات الخاطئة".

بينما اعترف إملت بخيبة أمل المستثمرين إزاء الأهداف التي لم تتحقق، فإنه يظل متمسكاً بقوة باستراتيجية الشركة. وعلى الرغم من الضغط الذي يتم على فترات متكررة من جانب المحللين، والمستثمرين، فإن "جنرال إلكتريك" استبعدت كذلك خدمة الروابط بين مكونات الشركة المالية والصناعية. وقال تنفيذيون في الشركة إن تفكيك نموذج النشاط العملي الراسخ منذ فترة طويلة لن يقدم شيئاً لحل مشكلات الشركة.

سيحصل إملت وشركة جنرال إلكتريك، على ميزة الشك في الوقت الراهن. ولم يتساءل أي محلل عن مركزه على قمة هذا التجمع، حيث يدرك المتطلعون على دواخل الشركة، والمستثمرون، على سواء، التحديات الفريدة التي واجهها إملت خلال هذا العقد.

يفهم إملت، شأنه في ذلك شأن أسلافه، المخاطر القائمة. ويقول تروتر: "بالنسبة لإرثه، فإن جيف يريد ما يريده جميع الرؤساء التنفيذيين، بأن يكون نقل الشركة إلى مستويات جديدة من النمو والربحية، حيث إن حملة الأسهم سعيدون بذلك."

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية