الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

عندما وصلت كوندوليزا رايس، وزيرة خارجية الولايات المتحدة، إلى إسلام أباد أخيرا، تم تقديم ابنة آصف علي زرداري، آصفة، إليها في القصر الرئاسي. قالت رايس لابنة الـ 15 ربيعاً "والدتك" كانت مصدر إلهام، إلى جانب جثها الباكستانيين ألا يظهروا أية رحمة تجاه المسؤولين عن الهجمات الإرهابية الأخيرة على مومباي.

على خلفية تناقضات هائلة، يحاول الرئيس زرداري أن يبقي روح الإلهام التي تميزت بها زوجته الراحلة، بيناظير بوتو، حية ويعمل في الوقت ذاته على دفن سمعتهما المشكوك فيها. ومهمته لإنقاذ دولة مسلحة نووياً، تعصف بها المليشيات الإسلامية والانهيار الاقتصادي، ليست مهمة غير قابلة للفشل.

أدهش الرفيق السياسي المبتسم الذي تحول رئيساً، الكثيرين بتصميمه منذ أن تولى المنصب في أيلول (سبتمبر). وقامت حكومته المدنية بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن حزمة إنقاذ مالية، لإخراج باكستان من أزمة في ميزان المدفوعات كانت تهدد بتخلفها عن سداد ديونها الخارجية.

ودفع الرئيس باتجاه ترسيخ القانون المدني في باكستان عاشت جانبا كبيرا من تاريخها الذي يمتد 61 عاماً من الاستقلال، تحت الحكم العسكري. وكانت إحدى الخطوات الأخيرة هي كبح السلطات السياسية لوكالة التجسس العسكرية سيئة السمعة ـ جهاز الاستخبارات الداخلية.

وسعى زرداري إلى المصالحة مع الهند التي خاضت ضدها باكستان ثلاث حروب خلال 61 عاماً. وقام بواحدة من أكثر الخطوات جرأة لأي زعيم باكستاني عندما عرض تخلي باكستان عن عقيدة الضربة الأولى بالأسلحة النووية، ودخل في اتحاد اقتصادي مع الهند من أجل إحلال السلام في جنوب آسيا.

ويوصف زرداري (58 عاما) بأنه رئيس بالمصادفة، ألقي به في هذه المهمة بعد اغتيال زوجته قبل عام. وهو شخص عاطفي، ولديه الحق أن يكون كذلك. فالسلالة السياسة التي تزوج منها توصف بحياتها القصيرة للغاية. والعرش المرصع بالجواهر الذي يفضل أن يبث منه خطبه المتلفزة، محاط بصورتين كبيرتين إحداهما لمحمد علي جناح، مؤسس باكستان، والأخرى لبيناظير، زعيمة حزب الشعب الباكستاني.

وأثناء حديثه يشير بشكل متكرر إلى زوجته "حب حياته". وحاول قدر استطاعته أن يواصل من حيث توقفت. وبعد ثلاثة أسابيع من وفاة بوتو، أخذ زرداري جهازها البلاك بيري، وبدأ بإرسال رسائل إلى قائمة معارفها، ساعياً إلى الحصول على دعم من أجل قضيتها. وبعد ثلاثة أشهر أصبح رئيساً.

إن قيادة دولة مسلحة نووياً، منقسمة بين خطر الإسلاميين المتعصبين، ومؤسسة عسكرية قوية للغاية، ونخبة متحررة، يجعل زرداري وكأنه يركب النمر الذي يضرب به المثل. فالأخطار ماثلة دوماً. وبعد تنصيبه بفترة قصيرة تم تفجير فندق ماريوت في إسلام أباد وتحويله إلى ركام – هجمة انتقامية ضد قصف الولايات المتحدة المليشيات العسكرية على طول الحدود الباكستانية مع أفغانستان. فلا عجب إذاً أن الرئيس يتمتع بالقليل من حس الفكاهة الساخرة، فهو يمزح بشأن الوقت الذي يملكه سلفه الجنرال برويز مشرف، ليلعب الغولف.

عندما كان شاباً، من عائلة تملك الأرض في السند، وكانت تدير صالات السينما أيضاً، استمتع هو أيضاً بوقت فراغه – كان معروفاً في ذلك الوقت لاعبا للبولو. وخلال نشأته في كراتشي، وحضوره الدائم في دوائر الحزب، اكتسب الاحترام بسبب كرمه. ويتذكر طالب ريزفي، وهو صديق مقرب، ومحامي الرئيس، عندما كان زرداري يبيع قطعة من الأرض لمساعدة أحد أصدقائه على دفع تكاليف زواج شقيقته. ويقول ريزفي: "اشتهر آصف زرداري دائماً بكونه كريماً للغاية. وهي خصلة بقيت معه طوال هذه السنوات".

تم ترتيب زواج زرداري من بيناظير عام 1987 من قبل والديه ووالدتها. وكانت حاجاتهما عملية، إذ إن المهنة السياسية لبيناظير اقتضت أن يرافقها زوج. أما بالنسبة لزرداري، فإن الزواج من سياسية البلاد الجذابة التي تلقت تعليمها في أكسفورد جلب له الجائزة التي كان يحلم بها العديد من الشباب الباكستانيين من جيله. وفي غضون أقل من عام بعد زواجهما، أصبحت بيناظير أول امرأة رئيسة وزراء لدولة إسلامية، ووصلت إلى السلطة في الانتخابات التي أعقبت وفاة الجنرال ضياء الحق، الدكتاتور العسكري، في تحطم طائرة عام 1988.

بالنسبة لزرداري، المنصب الرفيع الذي تولته زوجته كان بمثابة مسار تصادم. فهو لم يعان كثيراً من الصدمات النفسية التي عانت منها بيناظير في حياتها السياسية في ظل حكم الجنرال ضياء الحق، الذي أشرف على شنق والدها ذو الفقار بسبب تهمة مشكوك فيها تتعلق بإعطاء الأوامر لاغتيال خصم سياسي.

غير أن زرداري سرعان ما اكتسب سمعة سيئة بسبب التعاملات السياسية. ولُقب بـ "السيد 10 في المائة" في الأشهر التي أعقبت انتخابها رئيسة للوزراء. وتم اتهامه بالمطالبة برشاوى على عقود حكومية. وبعد 20 شهراً فقط، تم إسقاط حكومة بيناظير بسبب تهم الفساد، المتربطة معظمها بزوجها.

ترك زرداري بيت رئاسة الوزراء ليقبع في زنزانة في السجن. وأبقته المحاكمات بتهم الفساد في الزنزانة منذ عام 1990 حتى عام 1993. وقال أحد الأصدقاء في تلك الفترة إن السجن حوله من "رجل متساهل إلى رجل عنيد، وسياسي مطلع (...) علّمه درساً قيماً بشأن الجانب القاسي من السياسات الباكستانية".

تغيرت حظوظه السيئة عام 1993، عندما أجبر انهيار الحكومة التي كان يرأسها نواز شريف، الرئيس غلام إسحق خان على اللجوء إلى بيناظير. وتم إطلاق سراح زرداري من السجن وتعيينه وزيراً. غير أن فوز حزب الشعب الباكستاني في انتخابات عام 1993 فشل في التبلور إلى بداية جديدة. وتورط زرداري من جديد في مزاعم الفساد. وبحلول عام 1996، كانت حكومة زوجته الملوثة خارج السلطة.

دافع عنه أصدقاؤه بحماس. ويقول ريزفي: "لا يمكنك أن تقلل من شأن حقيقة أن آصف زرداري لم يتم إثبات ذنوبه بشكل قاطع". ويعيب عليه آخرون كونه موالياً بشكل مفرط لأصدقائه إلى الحد الذي يتجاهل فيه سوء التصرف على حساب سمعته الخاصة.

واليوم، يواجه زرداري تحديات جديدة. أحدها أن يهزم المليشيات الإسلامية التي تحاصر بلاده. والآخر إبقاء القوات العسكرية الباكستانية خارج الحكومة. وهذه مطالب كبيرة بالنسبة لرجل يتسم بشخصية ساذجة على المسرح العالمي. وتعالت صيحات الاستهجان في بلاده بسبب لقائه الغزلي مع سارة بالين، المرشحة الجمهورية لمنصب نائب الرئيس، في واشنطن، والذي وصفها فيه بأنها "رائعة الجمال".

إن العديدين، ليس أقلهم رايس ومانموهان سينج، رئيس وزراء الهند، يتمنون أن يتسم التصميم الراسخ لمحاربة خطر الإرهاب المعقد. غير أن العديد من المسؤولين الهنود يرفضون توقعاته، قائلين إنه لا يساوي شيئاً في دولة عسكرية. ويقول أحد الأصدقاء: "إن آصف زرداري رئيس في زمن الحرب. فمن يرغب أن يظهر علناً ويؤدي المهمة التي يقوم بها حالياً؟".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية