الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

حين لا يكون خوان فاسكويز في العمل، يحاول أن يبدأ بفكرة نشاطه التجاري، وهي شركة دعم فني ثنائية اللغة. وحاله هذه هي حال العديد من رجال أعمال المستقبل، فهو يقضي نهاية الأسبوع يهذّب خطة نشاطه التجاري، ويستكشف الزبائن الباحثين عن مصادر تمويل كامنة. وفي المساء، يحضر دروساً في الإدارة في جامعة محلية.

يقول فاسكويز "الفكرة هي رعاية وصيانة كمبيوترات الأشخاص الذين لا يتحدثون اللغة الإنجليزية"، فهو يتقن اللغة الإسبانية. ويضيف: "لدي فعلياً قائمة طويلة بالزبائن، ولذا، فإنني آمل في غضون ستة أشهر، أن أعمل في هذا المجال بدوام عمل كامل".

لكن فاسكويز، البالغ 34 عاماً من العمر، ليس رجل أعمال ناشئاً عادياً، حيث قضى نصف حياته تقريباً في السجن، إثر الحُكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً بسبب محاولة ارتكاب جريمة قتل، وفي الآونة الأخيرة جداً، حُكم عليه بالسجن سنتين بسبب إدانته بالسرقة.

بينما كان خلف القضبان للمرة الثانية، قرر فاسكويز إحداث بعض التغييرات. بعد حصوله على مؤهلات في مجال صيانة الكمبيوتر والهندسة، سجل في برنامج أعمال حرة للسجون. وبعد انتهائه من دورة استمرت لمدة أربعة أشهر تلقاها على يد رؤساء تنفيذيين متطوعين، وطلاب كليات إدارة الأعمال، تبيّن للنزلاء كيفية تطوير وإطلاق مشاريع أعمال حرة.

نجح البرنامج- ماجستير مصغّر في إدارة الأعمال محاضرات تدور حول المالية، والمحاسبة، وكذلك وحدات حول الكتابة، والمحادثة العامة، وتقنيات المقابلة- في تحويل حياة مئات النزلاء، الشخصية، والمهنية، وساعدهم على أن يصبحوا منتجين عند عودتهم إلى المجتمع.

"التقيت بأشخاص لم يكن لي أن أقابلهم إطلاقاً في حياتي، من رؤساء تنفيذيين من أصحاب الملايين، وطلاب ماجستير إدارة الأعمال من مختلف أرجاء البلاد، بمن فيهم من جامعة هارفارد، و معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا"، كما يقول فاسكويز. "أعادوا ثقتي بنفسي. وكنت على وشك أن أهلك نفسي، وعلى وشك الاستسلام، ولكن برنامج أعمال حرة للسجون، أظهر لي أن الحياة لم تنته بعد".

إلى الآن، تخرج ما يزيد على 300 نزيل من تلك المبادرة. ووجدت الأغلبية العظمى، أي ما يعادل 98 في المائة، فرصة عمل ثابتة، ونحو 40 في المائة من الخريجين بدأوا بنشاطاتهم التجارية الخاصة بهم. واتسم خريجو البرنامج بمعدل النزعة للارتداد إلى سلوك الإجرام السابق، بنسبة تقل عن 5 في المائة.

"السجن أشبه بكلية للمجرمين"، كما تقول كاثرين رور، التي أسست برنامج أعمال حرة للسجون في عام 2004، وهي رئيسته التنفيذية. "نتركهم بخيار آخر ولو صغير، بدلاً عن تجارة المخدرات، أو العودة إلى العصابات بمجرد خروجهم من هنا، وأن قادة عالم الرذيلة والإجرام مؤثرون إلى أبعد حد؛ وإذا أثرنا فيهم، سيكون لنا تأثير في جيرانهم، ومجتمعاتهم، وعائلاتهم. وبالتالي يفوز المجتمع بأكمله".

قبول المنتسبين لهذا البرنامج تنافسي، وفقاً لرور. فهي توظّف سجناء تميزوا "بنجاحهم في عالم الرذيلة والإجرام"، أولئك الذين قادوا العصابات، وحققوا نجاحات في تجارة المخدرات. "أولئك أشخاص يفهمون قوة مبيعات الممتلكات، ويفهمون التسويق، وهوامش الربح"، كما تقول رور. "إنهم يعرفون كيفية التنفيذ. الأمر الوحيد الذي لا يعرفونه هو إدارة المخاطر، لأنه قُبض عليهم".

يقول جون جاكسون، الرئيس التنفيذي لـ"برايس جريجوري"، شركة إنشاء قنوات، في هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، وهو يعمل ضمن مجلس إدارة البرنامج: "هنالك العديد من المهارات التجارية المغامرة داخل السجن، وما عليك سوى إعادة تمريرها في قنوات صحيحة فقط. وبقليل من المساعدة، والقليل من التوجيه، يمكن لأولئك الرجال أن يحققوا نجاحاً باهراً منها".

خطرت فكرة البرنامج لرور بينما كانت تعمل في شركة مساهمة خاصة في نيويورك. ودعتها زميلة لها في رحلة إلى سجن في تكساس. "فكّرت في أسوأ الأمور، اعتقدت أنني ذاهبة في رحلة إلى حديقة الحيوان لأرى مجموعة من الحيوانات المحبوسة في أقفاص"، كما تقول رور. "ولكن بدلاً عن ذلك، ورأيت بشراً، رأيت أناساً كانوا نادمين، وأناساً قد تغيّروا، فشعرت بتواضعي".

عيّنت تنفيذيين زملاء لها للقيام باستضافة دورة نشاط تجاري تقديمية في السجن في الشهر التالي. "فكرت في نفسي: ماذا لو قمنا بتجهيز أولئك الرجال ببعض المعدات العملية، بحيث يتمكنون من خلالها من اتباع الحياة المشروعة؟"، كما تقول رور، التي حصلت على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة كاليفورنيا، باركلي، كلية هاس لإدارة الأعمال. "حينها قررت بدء خطة نشاط تجاري تنافسية في السجن".

باعت هي وزجها شقتهما الواقعة في نيويورك، وانتقلا إلى تكساس لبدء البرنامج. وبدأت رور بتعيين تنفيذيين موجودين في المنطقة لإلقاء محاضرات تطوعية.

البعض، بمن فيهم مايك هامفريز، نائب رئيس أول في شركة تانغلوود انفيستمنتس، كان متشككاً في البداية. ولكن بمجرد أن رأى المشروع يعمل، زالت شكوكه. "روح المصالحة في الغرفة ملموسة"، كما يقول هامفريز. "إنهم رجال التزموا بتغيير حياتهم، وسيبذلون كل ما في وسعهم ليقفوا على أقدامهم من جديد".

ومع انتهاء البرنامج، يبتكر النزلاء خطة نشاط تجاري، ويكملون دورة ميزانيات تشغيلية على برنامج إكسل مدتها 12 شهراً، وتحليلاً مالياً، ويقدمون عرضاً شفوياً أمام لجنة التحكيم التنفيذية. وتشمل خطط النشاط التجاري مشاريع أعمال حرة مثل إزالة الأشجار، وتنسيق الحدائق، والطباعة على القمصان، وأدوات العمل على الجلد.

تعيّن رور أوائل طلاب ماجستير إدارة الأعمال للعمل كمستشارين نظراء فيما يتعلق بخطط المشاركين العملية. ويقدّم أولئك نصائح تتعلق بجوانب مفاهيمية، ونحوية لخطط النشاط التجاري، وتساعد على جعل خطط النزلاء أكثر واقعية، وأكثر عملية.

يشمل البرنامج الآن طلاب كلية الأعمال من "ستانفورد"، و"رايس"، وكلية وارتون من جامعة بنسلفانيا، بالإضافة إلى كليات وجامعات أخرى.

نصحت كاثرينا لافيرس، وهي طالبة في السنة الثانية في

كلية سلون لإدارة الأعمال التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نزيلاً فيما يتعلق بخطته بأن يبدأ نشاطاً تجارياً بصهر وصقل المعادن، وصناعة أدوات إقامة مؤقتة لمواقع الإنشاءات. وبينما لا يتوافر للنزلاء مدخلاً إلى شبكة الإنترنت، فإنها زودتهم بدراسة سوق، ومعلومات عن الأسعار.

"أردت أن أعمل مع أشخاص تخلى عنهم الآخرون"، كما تقول.

يأمل ستيفان نيلسون، خريج من برنامج الأعمال الحرة للسجون، حُكم عليه بخمسة أعوام بسبب السطو، بأن يبدأ نشاطاً تجارياً يختص بفتح ورشة ميكانيكية، وصيانة سيارات مستعملة. وعمل مع طلاب ماجستير إدارة أعمال من جامعة الاستحواذ والاندماج في تكساس. "أعطونا تغذية راجعة كبيرة، ومجموعات دراسات ضخمة، بمعلومات عن السوق، والمنافسين"، كما قال.

يأتي معظم التمويل لبرنامج الأعمال الحرة للسجون من الأفراد، والمؤسسات الخاصة، ولكن البرنامج يتلقى معونات مالية أيضاً من الشركات. فالعام الماضي، توافرت للبرنامج ميزانية قدرها 1.7 مليون دولار، بعد أن كانت تبلغ 680 ألف دولار في عام 2006. أما هذا العام، فإن الميزانية على وشك أن تصيب الـ 3.1 مليون دولار.

يُدار البرنامج من قبل مرفق كليفلاند التأديبي خارج هيوستن، ويوظّف أشخاصاً من 65 سجنا في تكساس. ويوظّف برنامج الأعمال الحرة للسجون النزلاء الذكور فقط، لسبب أساسي هو أن الرجال يشكلون ما يزيد على 90 في المائة من المقيمين في السجون.

وبمجرد أن يتم إطلاق سراح النزلاء، يُسمح لهم بإكمال الدروس، التي يُديرها الرؤساء التنفيذيون، وأساتذة الجامعات، لمساعدتهم في معاودة الاندماج بالمجتمع، والبدء بنشاطاتهم التجارية الخاصة بهم. وإن إتمام الدورة يجعل النزلاء السابقين ممولين لنشاطات تجارية صغيرة من خلال شبكة البرنامج للمستثمرين الممولين للمشاريع الخاصة الصغيرة.

ويقول نيلسون إن التخرج من البرنامج كان إحدى اللحظات الأكثر فخراً بالنسبة إليه في حياته. "جاءت عائلتي إلى القسم، وكنا نرتدي قبعات وعباءات جامعية"، كما يقول. "قبل ذلك، لم أكمل أي شيء في حياتي. وأعطاني ذلك أملاً. جعلني أشعر بأنني شخص ما، حيث إن شيئاً في قد تغير".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية