السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يجدر في بعض الأحيان أن نقول من جديد الشيء الجلي والواضح: بريطانيا ليست على وشك أن تندفع إلى اليورو. فورة التكهنات بأن الركود يمكن أن يغري جوردون براون بمبادلة الجنيه الاسترليني بالعملة الموحدة تعود إلى "عُصاب" المتشككين البريطانيين في اليورو أكثر منها إلى أي خطة سرية لدى وايتهول.

ولا بد من القول أن بيتر ماندلسون أوقع بعض الشقاق الرقيق بين المتشككين. فبعد عودته من بروكسل يقول وزير التجارة لأي شخص يسأله إنه يظل ملتزماً بمكان بريطانيا الحتمي في اليورو. ويبدو أيضاً أن خوزيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية، أخذ كلام زميله السابق بصورته الكلامية جداً وليس بما يحمله من معنى أو نية.

وبعد شهرين فقط من العودة إلى مجلس الوزراء للمرة الثالثة، رسّخ اللورد ماندلسون نفسه مستشارا موثوقا لرئيس الوزراء. ولن أندهش إذا طلب براون قريباً من عدوه السياسي السابق إدارة حملة حزب العمال الانتخابية العامة. وإعادة تأهيل اللورد ماندلسون تتحدى كل التوقعات المنطقية، لذلك الذين لا يزالون يعيشون كابوس دولة كبرى أوروبية جمعوا اثنين مع اثنين وتوصلوا إلى خمسة.

والأزمة الحالية ـ ونحن ما زلنا لا نعرف ما إذا كان الركود سيتحول إلى هبوط حاد ـ سيكون لها مع مرور الوقت أثر كبير على الإدارة الاقتصادية في بريطانيا. فالأزمة الحالية فجرت أسطورة الاستثنائية البريطانية من ناحية، ومن ناحية أخرى الهبوط الشديد في قيمة الجنيه (هبط أكثر من 20 في المائة منذ منتصف عام 2007) أثار ذكريات ماضي أزمات الجنيه الاسترليني. وكانت بريطانيا تسعى في كثير من الأحيان إلى تخفيض عملتها نتيجة المتاعب. والخطر يكمن في أن الهبوط الأخير للجنيه الاسترليني سيتبين أنه واحد من تلك المناسبات حين تمضي كل الأمور بعيداً جداً.

وبعد قول هذا، فإن الاقتصاد وعالم السياسة يعملان ضد الدخول المبكر في اليورو. وحتى إذا كان الجنيه بعد التقييم المغالى فيه الذي شهدته السنوات الأخيرة هو الآن أقرب كثيراً من معدله طويل الأمد والمستدام، سيكون من الجنون تحديد النسبة في غمرة ركود اقتصادي.

ولم أجد كثيراً من الوقت لاختبارات براون الخمسة - التي استخدمت أساسا كغطاء سياسي للبقاء – لكن التقارب الاقتصادي شيء مهم. وكما يعترف اللورد ماندلسون في الجزء الثاني (غير المذاع في العادة) من إجابته على سؤال اليورو، الحكومة لديها أشياء أخرى تشغل بالها في الوقت الحالي.

ويشير عالم السياسة إلى الاتجاه نفسه. وإذا لم تكن فاتتني بعض الأمور، فإن تحديث ديفيد كاميرون لحزب المحافظين امتد ليشمل تحديث جنون الارتياب الذي يعايشه تجاه أوروبا: القائل إن اليورو لا يزال مؤامرة شنيعة لاستعباد الشعب البريطاني.

وبالنسبة لبراون، فهو يحسن صنعاً بالتناغم في هذه الأيام مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. لاحظوا علاقة الحب الأنجلو ـ فرنسية أخيرا في داوننج ستريت. لكن إذا كان رئيس الوزراء سيتحدى الجاذبية السياسية ويفوز في الانتخابات العامة، فإنني أشك على نحو ما في أن يقامر عندئذ بإجراء استفتاء حول العملة الموحدة.

ووزارة المالية، وهي لا تزال في حالة إنكار لسوء إدارتها للاقتصاد خلال سنوات الطفرة، تظل ضد اليورو بشكل حازم. وقد سمعت فرسان وزارة المالية يقولون إن الأمور كان يمكن أن تكون أسوأ لو كانت بريطانيا في دائرة العملة الموحدة.

وحسبما أرى، هذا يحمل نكهة اليأس. ففي ضوء فشل وزارة المالية الكئيب في توجيه الاقتصاد حين كانت بريطانيا خارج اليورو، فإن معظم الناس سيكافحون للثقة بتوقعها المناهض للحقائق فيما يتعلق بما يمكن أن يكون قد حدث لو أن بريطانيا انضمت لليورو.

ولنضع الحجة على نحو آخر: "الاقتصاد يتحطم، والأموال العامة في حالة خراب، والنظام البنكي يتحطم، لكننا على الأقل أنقذنا الجنيه".

ويمكن لوزارة المالية أن تحسن صنعاً إذا بقيت صامتة. وعلى أية حال هناك حجة مضادة مناهضة للحقائق: كان يمكن لقرار بالانضمام إلى اليورو أن يفرض تغييرات كبيرة في السياسات، وكان يمكن للحكومة أن تضطر إلى إدارة سياسية مالية أكثر تشدداً، وأن تتصرف لتهدئة سوق إسكان مسعورة. وكان يمكن للطفرة أن يتم تعديلها، مثلما كان يمكن تعديل الأزمة الاقتصادية.

نعم، فقد عاشت بريطانيا نمواً أقوى من بعض اقتصادات منطقة اليورو (وليس كلها). وهي أيضا تواجه ركوداً أعمق من معظمها. ويفترض المرء أن براون سيتخلى الآن عن إعطاء المحاضرات لزملائه الأوروبيين حول فضائل الابتكار المالي المتحرر من الأغلال.

والأزمة العالمية كشفت وهم أن الرأسمالية المالية المتحررة في بريطانيا متفوقة بشكل موروث على أنموذج السوق الاجتماعية الذي يفضله جيرانها في منطقة اليورو. ومع مرور الوقت هذا سيغير شروط نقاش بريطانيا حول اليورو.

المهمة التي تنتظر الحكومة، والمحافظين إذا فازوا في الانتخابات العامة، تتمثل في صياغة تسوية جديدة تهتم بتنظيم الأسواق بصورة أكبر، وتكون أقل اعتماداً على الابتكار المالي محركا للنمو الاقتصادي.

وإيجاد التوازن بين إضفاء الاستقرار على نظام السوق وتشديده لن يكون أمراً سهلاً. وكما قال اللورد ماندلسون في محاضرته في هوجو يونج في تشاثام هاوس في الأسبوع الماضي، الجواب ليس دوراً حكومياً كبيراً ولا تراجعاً عن اقتصاد مفتوح. فالخط الفاصل بين دولة نشطة ودولة رخوة جداً رفيع بشكل خطر.

لكن عندما تخرج بريطانيا في نهاية المطاف من الركود الاقتصادي فإنها ستفعل ذلك، كما هو مأمول، بنوع مختلف من الاقتصاد. نوع أقل اعتماداً على إنفاق وإقراض المستهلكين وعلى أسعار أصول متضخمة، اقتصاد يدعمه انتشار أوسع للشركات المتنافسة عالمياً. وتلك ستكون اللحظة المناسبة للانضمام إلى اليورو.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية