كنت في زيارة إلى إحدى نواحي بلادنا إلى قرية محصورة بين جبال شاهقة وكثبان رملية "مستعرضة" كبحر من الرمال وتكاد تكون القرية في جيب غائر من الجبال وموج من الرمال بيوتها من المباني الشعبية البسيطة ذات الدور الواحد، وينبثق وسط هذه البيوت التقليدية وربما الأعشاش وأحواش الصفيح, مبنى مدرسي على طراز حديث يكاد يكون واحة وسط صحراء رملية معزولة. أنا هنا لا أقصد أن أروج لوزارة التربية والتعليم ولكن قد يكون هذا المبنى لمقر أحد مراكز المحافظات أو الشرطة أو مكتب البلدية أو الشؤون الاجتماعية أو الشؤون الإسلامية أو الجمعيات الخيرية وما قصدته (المقاربة) بين واقع المدارس الحديثة داخل قرى تراثية وتاريخية وأرياف في طور النمو مع ما قاله الدكتور عبد الله المقبل وكيل وزارة التربية والتعليم للشؤون المدرسية في حوار جانبي عن زيارته الأخيرة إلى قطاعات التعليم في كوريا الجنوبية, "إنه ليس هناك فارق بين المباني والميزانيات ونصاب الحصص والرواتب بين قطاعي التعليم في السعودية وكوريا, ولكن الفارق في الدافعية والحماس للتعليم".
وأنا هنا أجزم أن الدافعية للتعليم في كوريا والمجتمعات الصناعية والمنتجة مختلفة كثيراً عن الدافعية في المجتمعات العربية وبعض الدول الإسلامية, وهذا يحتاج إلى معالجة من القيادات والجهات التخطيطية, إضافة إلى تدخل قوي ومؤثر من وزارات التربية والتعليم.
المجتمع (الأسرة والبيت) مطالب بأن يتحرك باتجاه تحفيز الطالب على التعليم والحصول على الدرجات التي تؤهله للحصول على التخصص الذي يريده ويشعره بأنه قادر على تحقيق النجاح والتفوق, وربما صنع منجزات مهمة, ولكن تبقى السلبية التي تبديها بعض الأسر تجاه أبنائها والسلبية التي تبديها بعض إدارات التربية والتعليم والإدارة المدرسية والمعملين والمعلمات هي مؤثر ينعكس على دافعية وطموح الطالب الذي يجد نفسه رهينة كمبيوتر وأنظمة الجامعات التي (تطوح) به بين تخصصات وكليات وأقسام لا يرغبها ولا يجد إليها أي ميل .. فعلاً رهينة لأنظمة الجامعات: المعدل التراكمي في الثانوية العامة, اختبار القدرات, الاختبارات التحصيلية, واختبارات التخصص, والمقابلات الشخصية. الجميع شركاء في الدافعية: القطاعات التعليمية والأنظمة التعليمية والأهداف العليا للدول ووعي الأهالي.
فإذا نجحنا في أن نزرع مباني مدرسية ذات طراز حديث داخل الكثبان الرملية وفي الجيوب الجبلية وفي الهضاب الصخرية, فإننا لابد كجهات تعليمية وخطط الدولة العليا والمجتمع والأهالي, أن نزرع الدافعية في صدور ودواخل أبنائنا الطلاب ومعلميهم بالوعي والتحفيز واستثمار تجارب الآخرين ونجاحاتهم.
