الاثنين, 27 يوليو 2026|11 صَفَر 1448
الاقتصادية

كانت الساعة الثانية صباحاً، وكان رئيسي يقف غاضباً وصارخاً في مواجهتي، ويقول "هذا هراء، وإياك أبداً أن تعطيني مثل هذا الهراء"، وذلك رداً على آخر إجابة يبدو بوضوح أنها غير مقنعة من جانبي.

حتى أكون عادلاً، فإنني لا أعتقد أنني استطعت تمييز نفسي في المهمة التي كلفت بها في ذلك اليوم، وهي الطيران إلى إحدى المدن الإقليمية، وإنجاز مقابلة مهمة، والعودة بما كان رئيس التحرير يريد من مادتها. ولم أعد أعمل لدى ذلك الرئيس، أو تلك المنظمة، بعد أشهر قليلة من ذلك.

ومنذ ذلك الهجوم الشفوي، وأنا أجد خلال تلك الساعات القليلة منذ فترة طويلة أن لكلمة (هراء) معنى خاصاً لدي. ولذلك فإنني حين تلقيت خلال الفترة الأخيرة كتاباً بعنوان ما بعد الهراء، وعنوان فرعي هو الحديث المباشر في العمل، فإنه كان من الطبيعي أن أتحمس لقراءة المزيد.

كان مؤلف هذا الكتاب هو صامويل كولبرت، أستاذ الإدارة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. وليس الكتاب كما تتوقع دعوة من أجل النزاهة مهما كانت التكاليف، بل بدلاً عن ذلك، فإن الكتاب يلقي نظرة متقدمة حول الطريقة التي نتحدث بها إلى بعضنا بعضا، ولماذا يمكن أن تكون كمية من الهراء ضرورية في العمل، بل إنها أمر تتم التوصية به.

يقول الكاتب: "أصبحت كلمة هراء هي الأسلوب المختار في اتصالات الشركات"، وأصبحت متجذرة بعمق في مواقع العمل، بل وجزءا من السير اليومي المعتاد للأمور لدرجة بات من الأفضل معها في معظم الحالات ألا تستجوب الأشخاص الذين يستخدمونها.

يبدو أنه ليس بإمكاننا التعاطي مع الحقيقة، أو ربما أن الحقيقة لا تجعل الأشياء أفضل في الأجل القصير. وسبق لجلوريا شتاينم أن قالت: "ربما تشعرك الحقيقة بالحرية، ولكن ليس قبل أن تثير جنونك أولاً". ويمكن للحديث المباشر أن يكون مقاطعاً ومغضباً للآخرين. وبدلاً عن ذلك، فإننا نعيش ونعمل في عالم من "إعمال الحقيقة" كما يرد في جملة كولبرت الكوميدية، يتصف بالدوران، والإنكار. فلماذا نتحدى ثقافة شركة يكون فيها الحديث المباشر غير فعال، وغير مرحب به؟

يقول البعض إن ذلك يعود إلى أن مصير شركة إنرون، أو آرثر أندرسون، تحدد بهذه الطريقة. وإن تدقيقات الواقع الصريحة والمنتظمة تعتبر أمراً حيوياً للإبقاء على النشاط التجاري في مساره الصحيح.

وربما يمضي آخرون إلى ما هو أبعد من ذلك كما فعل الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، جاك ويلش، حين أنشأ ثقافة تتصف بالقوة، والحوار الصريح. ويتضمن "نظام الإنجاز" الخاص بالتوصل إلى القرارات الكبرى الذي وضعه ويلش، الكثير من رواية الحقائق بأسلوب فظ. وإن شركة جنرال موتورز كانت منذ فترة طويلة قوية في إدارة أداء الأشخاص بهذا الأسلوب المباشر نفسه. وكما كتب جاك ويلش في عمود له في مجلة "بزنس ويك" خلال الفترة الأخيرة: "لا تستطيع ببساطة أن تطلق على نفسك لقب المدير إذا لم تكن تخبر العاملين معك بصورة منتظمة بما يقومون به بصورة جيدة، وكيفية احتياجهم إلى التحسين". وإن مقابلة مغادرة العمل ليست المجال المناسب لأصحاب العمل لسماع الحقيقة عن أنفسهم للمرة الأولى.

ليس من مصلحة أحد إذا كان المديرون بالغي الاحتشام في تقديم الحقائق في شركاتهم. ولكن حين يسأل الرئيس التنفيذي السابق لشركة جنرال إلكتريك، وزوجته الثالثة، سوزي التي تعمل الآن في اتجاهين، المشاركين في أحد المؤتمرات عن عدد الذين تلقوا تقييماً نزيهاً للأداء خلال العام الماضي، فإنهما يذكران أنهما تلقيا إجابة "نعم" من 10 في المائة فقط من جمهورهما.

إننا نعرف أن علينا محاولة أن نكون غير متحيزين، ولكننا نكبر ونحن نتعلم أن هنالك أوقاتاً نحتاج فيها إلى الحرص في الأمور التي نتحدث عنها . ويقول وارن بينس، ودانييل جولمان، وباتريشيا وارد بيدرمان في مقال لهم ضمن كتاب الشفافية الذي نشر حديثاً: "إن الغموض يبدأ في البيت".

الحياة الأسرية تعلمنا أربعة أشياء كما يقولون، حيث هنالك الأشياء التي نلاحظها، والأشياء التي نقولها حولها، والأشياء التي علينا ألا نلاحظها، والأشياء التي علينا ألا نقول أبداً أي شيء عنها.

إن القاعدتين الأخيرتين تولّدان الأسرار الأسرية، أو ما وصفها الكاتب الروائي، هنريك ابسن "بالأكاذيب الحيوية". ويقول المؤلفون: "إن الكذبة الحيوية" تخفي حقيقة تحمل معها التهديد الشديد، وتكون خطيرة، أو مؤلمة إذا تم التحدث عنها بصوت مرتفع". ويضيفون: "الكذبة الحيوية تحافظ على الانسجام السطحي للأسرة، ولكن بتكلفة كبيرة، حيث قلما يتم تحسن ذاتي في وضع المشكلات التي لا يتم الاعتراف بها".

يلتقي الأستاذ كولبرت في كتابه هذا، التجار الصريحين في منتصف الطريق، وينصح بإدراك الوقت الذي يكون فيه الناس مستعدين للحديث المباشر.

لكن لا بد لك حتى تستطيع فعل ذلك من أن تظهر بعض التفهم لم يكونون؟ ومن أين يأتون؟ وحين تكون صريحاً، فإن عليك أن تبين أنك إنما تطرح رأيك الخاص، وأن ذهنك ليس مغلقاً أمام وجهات النظر البديلة.

إن الإدارة ليست كالمواعدة السريعة، حيث لا يمكن المضي بعيداً بسرعة عالية للغاية. وهنالك عملية التوصل إلى معرفتك الآخرين قبل التحرك باتجاه الحديث المباشر وغير المصقول. وهنا يأتي الدور الضروري للهراء.

هنالك وقت ومجال للفظاظة، ولكن الهراء تم الافتراء عليه بصورة غير عادلة. هذا هو رأيي الصريح، وسوف أغدو ممتناً لسماع أي تغذية راجعة نزيهة يمكنكم تزويدي بها، وهذا هو ما أعتقده.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية